قلنا: فهل المستعمل له في الوضع الآخر اللغة أم الشرع؟ إن قلت: اللغة، أكذبتك الضرورة فإن أهل اللغة لم يكونوا يسمون الزنى والقتل فسقاً، وإن قلت: بل الشرع، فقد اعترفت بصحة مذهبنا وهو أن الشرع قد نقل بعض الألفاظ عن مجازاتها اللغوية، وإذا أقررت بذلك في الفسق لزمك الإقرار به في الإيمان؛ إذ لا فارق بينهما عند علماء الأمة أصلاً، ولا شك أن الفسق لو كان باقياً على وضعه لسمينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا خرج للجهاد بعد استتاره في بيته فاسقاً، وَلَمَّا علمنا بطلان ذلك تَيَقَّنَا إن هذا الاسم قد نقله الشرع عن وضعه اللغوي إلى معنى آخر، ومن الأدلة العقلية على ما ذهبنا إليه: أنا قد علمنا بعد استقرار الشرع أن لفظ مؤمن مدح على الإطلاق، ولفظ فاسق اسم ذم على الإطلاق، فلا يجوز أن يوصف بهما شخص واحد لتنافيهما، كما لا يحكم له باستحقاق المدح والذم، ولأنه يؤدي إلى اجتماع التعظيم والاستخفاف وهما نقيضان.
فإن قيل: وما الدليل على أن لفظ مؤمن اسم مدح؟
قيل: جميع ما تقدم يدل على ذلك، واستحسان العقلاء توسيطه بين أوصاف المدح فلولم يكن مدحاً لما استحسنوا ذلك، ألا ترى أنهم يقدحون في كلام من قال: (فلان شجاع جسم موجود كريم) ويعدونه مهجناً للكلام، مخرجاً له عن الفصاحة، ملحقاً له بأصوات ما لا يَعقل.
واعلم: أن الخصوم قد أوردوا شبهاً على ما ذكره الأصحاب من معنى الإيمان، ونحن نذكرها ونذكر جواب أصحابنا عنها تتميماً للفائدة.
قالوا: لو كان الإيمان أداء الواجب لوجب إذا فعل الله اللطف أن يوصف فعله بأنه إيمان لأنه فعل الواجب، وما يفيد اللفظ لا يختلف شاهداً وغايباً.
والجواب: أما من لا يقول بوجوب واجب على الله تعالى فالسؤال ساقط عنه، وأما من أثبته فقد أجابوا بأن الإيمان هو أداء الطاعات: واجتناب الكبائر، وواحد منهما لا يوصف بأنه إيمان؛ لأنه بعضه.

فإن قيل: أنتم تقولون: إن الله تعالى لا يفعل القبيح، وحينئذٍ يصح وصف فعله بأنه إيمان لأنه فعل الواجب ولم يفعل القبيح.
قلنا: لا يجوز عليه تعالى اجتناب الكبائر، فإذا كان معنى اللفظ فيه محالاً فلا يجوز وصف فعله بأنه إيمان، ذكر هذا الموفق بالله عليه السلام في الإحاطة.
وأجاب الإمام المهدي عليه السلام بأنا قد حكمنا بأن المؤمن هو من يستحق الثواب بفعل الواجبات، واجتناب المقبحات، والإيمان فعل الواجبات، واجتناب المقبحات على وجه الطاعة لله ورسوله، فلا يلزمنا ما ذكرتم، ثم إنا نعارضكم بأن الصالح والتقي من يفعل الواجب، ويترك القبيح اتفاقاً بيننا وبينكم، ولا يوصف بهما الباري تعالى اتفاقاً، فما أجبتم به فهو جوابنا.
قالوا: إن أحدنا يفعل أفعالاً كثيرة واجبة، فيجب أن تصفوها بأنها أديان مختلفة، وإيمان مختلف.
الجواب: أنه اسم يتناول جملة من الأفعال مخصوصة إذا اجتنبت الكبائر، فكل فعل لا يتناوله الاسم على انفراده حتى يصح ما ذكرتم من وصفه بأنه أديان مختلفة، مع أنه لو كان كذلك وصح إجراؤه من جهة اللفظ لامتنعنا من إجرائه؛ لما فيه من الإيهام وهو أن هناك أديان مختلفة تخالف دين الإسلام.
قال الإمام الموفق بالله عليه السلام : وقد كان الشيخ أبو عبد الله يقول: إن الدين مصدر وهو لا يجمع. قال عليه السلام : والأصح ما ذكرته.
قالوا: الواجبات مختلفة الآن وتختلف باختلاف الشرائع، والإيمان لا يجوز اختلافه، وكذلك الدين والإسلام، فلو كان الإيمان هو هذه الأفعال لوجب أن يوصف بالاختلاف، وبالنسخ، وذلك لا يجوز بالاتفاق.
الجواب: أنا نعارضهم بالبر والتقوى فإنهما فعل الواجب وترك القبيح كالإيمان، مع أن البر والتقوى لا يختلفان، ولا ينسخان، فما أجابوا به فهو جوابنا.

قال الإمام المهدي عليه السلام : والتحقيق أن الإيمان، والبر، والتقوى: أسماء موضوعة على فعل الطاعة لله تعالى على سبيل الجملة، واجتناب معاصيه على سبيل الجملة، وهذا شيء لا يختلف ولا ينسخ، فارتفع الإشكال.
قالوا: لو كان الإيمان كما ذكرتم لصح وصفه بالزيادة والنقصان.
الجواب: ملتزم فإن من كانت طاعاته أكثر فإيمانه أكثر بدليل قوله تعالى: {زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً}[الأنفال:2] وإنما لم نقل فيمن لم يفعل بعض النوافل أنه ناقص الإيمان؛ لأنه يوهم الخطأ وهو الذم له والخطأ منه حتى لو قيد لصح.
قالوا: لو كانت الصلاة من الإيمان لوجب أن يقال لمن تركها أنه ترك الملة؛ لأن الملة، والإيمان، والإسلام واحد عندكم.
الجواب: لا نسلم لزوم ذلك، قال الإمام المهدي عليه السلام : لأنه إنما ترك بعض الإيمان فلا يوصف بأنه ترك الإيمان والملة لإيهامه الكفر، وإنما يقال: ترك بعض الملة، وبعض الإيمان، ونظير ذلك أن من فسدت صلاته فإنه لا يقال: فسد دينه أو بطل لإيهامه، وإنما يقال: فسدت صلاته، أو بطلت.
قال عليه السلام : وحاصل الكلام أن العبارات الموهمة لا يجوز إطلاقها، يوضحه أن الخشبة الثابتة في الأرض من آيات الله، وحجته على عباده، فإذا انكسرت أو ضعفت لم يحسن أن يقال: انكسرت حجة الله على عباده، ولا ضعفت؛ لإيهامه.

واعلم: أنه قد تقدم أن الأئمة"، والمعتزلة، والخوارج أو بعضهم وأهل الحديث يتفقون على أن الإيمان اسم لأفعال القلوب والجوارح، والإقرار باللسان، وقد تقدم تقرير مذهب الأئمة" والمعتزلة، وأما الخوارج فحكى الرازي اتفاقهم على أن الإيمان يتناول المعرفة بالله، وبكل ما وضع الله عليه دليلاً عقلياً، أو نقلياً من الكتاب والسنة، ويتناول طاعة الله في جميع ما أمر به من الأفعال والتروك، صغيراً كان أو كبيراً، فقالوا: مجموع هذه الأشياء هي الإيمان، وترك كل خصلة من هذه الخصال كفر، وأما الإمام المهدي عليه السلام فحكى عنهم اختلافاً فيما به يكفر من المعاصي، فقالت الفضيلية والبكرية: من ترك الطاعة لله تعالى فيما أمر به أو نهى عنه كفر، وقالت الأزارقة والصفرية: بعض المعاصي ليس بكفر، وإنما الكفر ما ورد فيه وعيد، وقالت النجدات: بل الإيمان الإقرار، والعلم، وترك القبائح العقلية دون الشرعية، قالوا: فإن ارتكب شيئاً من القبائح العقلية كالظلم والكذب كفر، والجواب عليهم جميعاً سيأتي إن شاء الله تعالى عند ذكر ما يصير به الإنسان كافراً.
وأما أهل الحديث فحكى عنهم الرازي وجهين:
الأول: أن المعرفة إيمان كامل وهو الأصل، ثم بعد ذلك كل طاعة إيمان على حدة، وهذه الطاعات لا يكون شيء منها إيماناً إلا إذا كانت مرتبة على الأصل الذي هو المعرفة، وزعموا أن الجحود وإنكار القلب كفر، ثم كل معصية بعده كفر على حدة، ولم يجعلوا شيئاً من الطاعات إيماناً مالم توجد المعرفة والإقرار، ولا شيء من المعاصي كفراً كما لم يوجد الجحود والإنكار؛ لأن الفرع لا يحصل بدون ما هو أصله، وهو قول عبد الله بن سعيد بن كلاب.
الثاني: زعموا أن الإيمان اسم للطاعات كلها وهو إيمان واحد، وجعلوا الفرائض والنوافل كلها من جملة الإيمان، ومن ترك شيئاً من الفرائض فقد ينقص إيمانه، ومن ترك النوافل لا ينقص إيمانه، ومنهم من قال: الإيمان اسم للفرائض.

قلت: وحجتهم فيما وافقوا فيه كحجة أصحابنا، والجواب عليهم فيما خالفوا داخل في ضمن الجواب على غيرهم، فهذه أقوال الفرق المتفقة على أن الإيمان اسم لأفعال القلوب، والجوارح، والإقرار.
وأما غيرهم فقد اختلفوا فقالت الحنفية، وحكاه الرازي عن عامة الفقهاء: الإيمان إقرار باللسان، ومعرفة بالقلب لما أقر به، قالوا: وهو بهذا التفسير يزيد ولا ينقص، وروي عنهم أنه لا يزيد ولا ينقص.
قال الإمام المهدي عليه السلام : وإنما تدخله الزيادة والنقصان من جهة المعرفة لا من جهة الإقرار فهو شيء واحد لا يتعدد، وأما المعرفة فزيادتها بزيادة المعلوم، فكلما اطلع على علم من العلوم الدينية زاد إيمانه، ولا ينقص بنقصانه مهما قد عرف ما يجب الإقرار به وهو الشهادتان، وأركان الإسلام الخمسة، وعلى الرواية الثانية الإيمان: هو الإقرار بالشهادتين، ومعرفة ما أقر به يقيناً، وما عدا ذلك فلا يسمى إيماناً، فهو حينئذٍ لا يزيد ولا ينقص، وحجتهم أن أصل وضع الإيمان للتصديق ولا دليل على نقله، والتصديق إنما يتم بالقول والاعتقاد لما تقدم فلزم ما قالوا.
قلنا: إذا كانت الأعمال الصالحة من الإيمان لما قدمنا زاد ونقص بحسب زيادة الأعمال ونقصانها.
قال الرازي: ثم هؤلاء اختلفوا في هذه المعرفة فمنهم من فسرها بالعلم الصادر عن الاستدلال، ومنهم من فسرها بالاعتقاد الجازم ولو عن تقليد، قال: وهم أكثر الذين يحكمون بإسلام المقلد، قال: واختلفوا في العلم المعتبر في تحقق الإيمان، فقال بعض المتكلمين: هو العلم بالله، وصفاته على سبيل الكمال، ولهذا أقدم كل فريق على تكفير من خالفه في الصفات، وقال أهل الانصاف: بل المعتبر العلم بكل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
قال: فعلى هذا القول العلم بكونه تعالى عالماً بالعلم أو عالماً لذاته، وبكونه مرئياً أو غير مرئي لا يكون داخلاً في مسمى الإيمان.

قلت: ويناسب هذا ما ذكره الإمام الأعظم الأواه، المقتفي لآثار الأئمة الهداة، الهادي إلى الحق المبين الحسن بن يحيى القاسمي المؤيدي عليه السلام حيث قال في (البحث السديد): إن المسائل المدونة في علم الكلام غالب أدلتها متعارضة، ومبنية في الغالب على أدلة عقلية هي في التحقيق غير عقلية، وإلا لما كانت كل طائفة تزعم أن العقل يقضي بما دبت عليه ودرجت، وحاشا العقل السليم عن تغير ما فطره الله عليه أن يتعقل الشيء ونقيضه، فإن اجتماع النقيضين محال عند جميع العقلاء، فالأسلم من الوقوع في الخطر ترك الخوض في تفصيل الصفات، والكلام في حقائق تلك المسميات؛ لأن ما استحال تصوره استحال أن يعرف إلاعلى جهة الإجمال، فيكفي الموحد الرجوع إلى محكم المسموع، والإقرار بجملة ما جهل تفسيره.
وقال بشر بن عتاب المريسي، وأبو الحسن الأشعري: الإيمان التصديق بالقلب واللسان معاً حكاه عنهما الرازي.
قال: والمراد من التصديق بالقلب الكلام القائم بالنفس، وهو باطل لما تقدم من أن من ارتكب الكبائر، وأخل بالواجبات، وصدق بقوله وقلبه لم يوصف بأنه مؤمن دَيّن كامل الدين، كما لا يوصف بأنه صالح عفيف زاهد، وبهذا يجاب على من قال أنه إقرار باللسان، وإخلاص بالقلب.
وقال جهم بن صفوان: بل هو عبارة عن معرفة الله بالقلب حتى أن من عرف الله بقلبه ثم جحد بلسانه ومات قبل أن يُقِرَّ بِهِ فهو مؤمن كامل الإيمان، والمراد بالمعرفة العلم.

قال الرازي: أما معرفة الكتب، والرسل، واليوم الآخر فقد زعم أنها غير داخلة في حد الإيمان، وحكى الكعبي عنه أن الإيمان معرفة الله مع معرفة كل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وحكى الإمام المهدي عليه السلام عن جهم، وبشر المريسي: أن الإيمان المعرفة بالله ورسوله، وصدقه فيما جاء به، وإن لم يعمل بما كلف لم يخرج عن الإيمان، وحجتهم أن الإيمان هو التصديق، وليس المراد التصديق باللسان، بل معرفة صدق المخبر واعتقاده على جهة القطع؛ إذ لو كان التصديق مجرد التلفظ بقول: صدقت أو نحوه من دون اعتقاد معناه لزم لو تكلم بها من لا يعرف معناها من العجم أن يكون ذلك تصديقاً منه لمخاطبه، والعقلاء يعلمون ببديهة عقولهم أن ذلك ليس بتصديق، فعلمنا أن التصديق إنما حصل بما صدر عنهم من الاعتقاد لا بلفظه، قالوا: ولقوله تعالى: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا}[الحجرات:14] فاقتضى أن التصديق باللسان ليس بإيمان، ويؤيده قوله تعالى: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}[الحجرات:14] والداخل في القلب إنما هو المعرفة فقط فصح أنها هي الإيمان.
والجواب: أنا لا نقول أن الإيمان مجرد التلفظ، بل نعتبر معه الاعتقاد والعمل، وقد تقدم ما يكفي من الدلالة على اعتبار الثلاثة، ثم إنه يلزمكم أنه يجوز فيمن عرف الله وصدق رسله بقلبه ولم يقر بذلك بل أنكره أن يوصف بأنه مؤمن، ولا قائل به من الأمة.
قال في (الإحاطة): ولا يجوز أن يكون تصديقاً بالقلب فقط؛ لأن من صدق بقلبه، ولم يظهره عند التهمة من غير منع لم يوصف بأنه مؤمن، وقارب ذلك الكفر.

قال الإمام (المهدي) عليه السلام : فإن شرطتم أن ينضم إلى المعرفة الإقرار فهو كقول النجدات، وقال غيلان بن مسلم الدمشقي، والفضل الرقاشي: إنه الإقرار باللسان فقط، لكن شرط كونه إيماناً حصول المعرفة في القلب، قالوا: وليست المعرفة داخلة في مسمى الإيمان، والذي حكاه الإمام المهدي عن الغيلانية أن الإيمان هو الإقرار والمعرفة بما جاء عن الله مما أجمع عليه دون ما اختلف فيه، قالوا: فلا يكون مؤمناً حيث اختل فيه خصلة من خصال الإيمان نحو أن يجهل شيئاً مما أجمعت عليه الأمة أنه من الدين أو نحو ذلك، وحجتهم، أنه لا يحكم بنقل اللفظ عن معناه اللغوي إلا لدليل، ولا دليل يقضي بنقل الإيمان، بخلاف الصلاة والزكاة فإن المعلوم أنها قد نقلت، والجواب ما مر، ويلزمهم أن يكون من أقر بلسانه، وعرف بقلبه، وعاند بالتكبر والحسد، وقتل الأنبياء" مؤمناً، وقال محمد بن شبيب من المعتزلة: بل هو الإقرار بالله ورسوله، والمعرفة بذلك، وما نص عليه أو أجمع عليه، لا ما استخرج من مفهومات النصوص كالأسماء والأحكام المختلف فيها كلفظ الإيمان والفسق، فالراد لذلك لا يكفر عنده، وهذا كقول أبي حنيفة، سوى أن ابن شبيب جعل المسائل المجمع عليها من الإيمان بحيث لا إيمان لمنكرها، وأبو حنيفة لم يصرح بذلك، وحجته كحجة من قبله، والجواب ما تقدم.

وقالت الكرامية: بل هو الإقرار باللسان فقط وإن لم يعرف، فالمنافق عندهم مؤمن لإقراره بالله ورسوله وإن كان غير معتقد، وحجتهم أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أمر بجهاد الناس حتى يؤمنوا، وفسر إيمانهم الذي به يحقنون دماءهم بأن يقولوا لا إله إلا الله، فدل على أن الإيمان هو مجرد النطق بالشهادتين، يؤيده قوله صلى الله عليه وآله وسلم لأسامة لما قتل من نطق بالشهادتين: ((هلا شققت على قلبه)) يريد أنا غير مأمورين بأن نؤاخذ بما في القلوب، بل من نطق بالشهادتين حكمنا بإيمانه، فصح أن الإيمان هو التصديق باللسان، وإن لم يطابقه الجنان.
والجواب: أن هذه المقالة باطلة لمخالفتها لقوله تعالى: {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا..} ونحوها، وقد صرح الله تعالى بعدم إيمان المنافق في قوله تعالى: {مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ}[المائدة:41] ويلزمهم أن لا يصح وصف الأخرس الأبكم بأنه مؤمن لأنه لم ينطق.
قال في الإحاطة: ولأن المجنون والطفل قد يصدقان بالقول ولا يوصفان بأنهما مؤمنان، وأما الخبر فوارد في حقن الدماء، وأحكام الدنيا، والكلام فيما به يستحق الثواب والتعظيم، ويأمن به من العذاب الأليم، والمنافق في الدرك الأسفل من النار وهم يقرون بهذا.
قال الرازي: وزعموا أن المنافق مؤمن الظاهر كافر السريرة، فثبت له حكم المؤمنين في الدنيا، وحكم الكافرين في الآخرة.

قال الرازي: والذي نذهب إليه أن الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب، وهو التصديق النفسي المعبر عنه بالحكم الذهني وهو غير العلم وغير النطق، وبيانه أن قولنا: العالم محدث ليس مدلوله كون العالم موصوفاً بالحدوث، بل حكم القائل بذلك، والحكم بثبوت الحدوث للعالم مغاير لثبوت الحدوث له، وهذا الحكم الذهني يعبر عنه في كل لغة بلفظ خاص مع اختلاف صيغها، ووحدة الحكم الذهني، وهذا يدل على أنه مغاير لهذه الصيغ والعبارات، ولأن هذه الصيغ دالة على ذلك الحكم، والدال غير المدلول.
قال: وهذا الحكم الذهني غير العلم؛ لأن الجاهل بالشيء قد يحكم به، فالمراد من التصديق بالقلب هو هذا الحكم الذهني، قال: وبقي هاهنا بحث لفظي، وهو أن المسمى بالتصديق في اللغة هو ذلك الحكم الذهني أم الصيغة الدالة عليه.
قلت: والظاهر أن هذا الذي يعبر عنه الرازي تارة بالحكم الذهني وتارة بالتصديق النفسي لا يعقل، ولا دليل عليه كالكلام النفسي، وأن العلم غير مغاير للتصديق، بل هو قسم منه لأنهم قسموا التصديق إلى علم، وجهل، وظن، وشك ووهم، ويعبر عنه بألفاظ مختلفة، ولا أعلم قائلاً بأن التصديق هو الألفاظ.
إذا عرفت هذا فاعلم: أنهم لا يريدون أن الإيمان مطلق التصديق، بل التصديق بكل ما عرف بالضرورة كونه من دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع الاعتقاد. ذكره الرازي.
قالوا: والحجة على ذلك أنه في اللغة للتصديق، فلو صار في عرف الشرع لغير التصديق للزم أن يكون في القرآن ما ليس بعربي، وقد قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ}[إبراهيم:4] وقال:{ قُرْآنًا عَرَبِيًّا}[يوسف:2].

116 / 329
ع
En
A+
A-