المسألة السادسة [في الإيمان]
اتفق الناس على أن الإيمان في اللغة بمعنى التصديق، وأن المؤمن بمعنى المصدق مشتقاً من الإيمان، ثم اختلفوا هل قد نقل في الشرع إلى معنى آخر؟
فقالت الزيدية، والمعتزلة، والخوارج وأهل الحديث: الإيمان أن يعتقد الحق بقلبه، ويعترف بلسانه، ويصدقه بعمله، ثم اختلفوا فقال الإمام الموفق بالله، وواصل بن عطاء، وأبو الهذيل، والقاضي عبد الجبار بن أحمد: هو أداء الطاعات، واجتناب الكبائر، وحكاه الموفق بالله عن أبي القاسم وهو الذي ذكره الإمام المهدي عليه السلام عن أكثر المعتزلة، قال: ومنهم أبو علي، وأبو هاشم وأتباعهما، ولفظه: والإيمان في الشرع اسم لجميع الطاعات واجتناب المعاصي، وفي الأساس أنه الإتيان بالواجبات، واجتناب المقبحات، وحكاه عن أئمتنا"، وجمهور المعتزلة، والشافعي، وبعض الخوارج.
وعن أبي علي، وأبي هاشم: أنه أداء الواجبات، واجتناب الكبائر، ورده الإمام الموفق بالله بأنه لا خلاف بين الأمة أن ركعتي الفجر من جملة الإيمان، والدين، والإسلام وإن كانت نفلاً، فدل على أن الإيمان ما ذكرناه.
قال عليه السلام : فإن قيل: لو كان كذلك لوجب أن يصح وصف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأنه منتقص الإيمان إذ لم يزد على ما فعله من النوافل، وقد علمنا بالإجماع أنه لا يجوز وصف إيمان الرسول عليه السلام بالانتقاص، قيل له: إنما لم يوصف به؛ لأنه يوهم الخطأ، وإلا فمن جهة اللغة إذا أريد به أنه عليه السلام لم يفعل أزيد من ما قد فعل من النوافل، فإنه صحيح، كما لا يوصف بأنه منتقص الطاعة، وإن كانت الزيادة في النوافل طاعة تجنباً عن الإيهام، وتحرزاً عنه.

قلت: قال الناصر عليه السلام : وجدت القرآن يدل على زيادة الإيمان، ولم أجده يدل على النقصان؛ لأن الإيمان عنده عليه السلام : أن يؤمن الإنسان نفسه من سخط الله ووعيده، ويوجب لها رضوانه، وما وعد من النعيم في الجنة وتخليده بفعل جميع ما أمر الله، واجتناب كل ما زجر ونهى عنه.
قال عليه السلام : وقد وصف الحكيم في كتابه المبين أن الإيمان يزيد، ولم يصف أنه ينقص، فقال: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانا...} الآية [التوبة:124].
فاعلم: جل ذكره أن المؤمن لنفسه من سخطه ووعيده من عباده بفعله طاعاته إذا أنزلت سورة ازداد بفعل ما فرض الله فيها وأحدثه من فرض عليه، وإقرار به إيماناً لنفسه من سخطه وعذابه، وإن مريض القلب المصر على معاصيه يزداد رجساً على رجسه.
قال عليه السلام : فنحن نقول: الإيمان يزيد ولا ينقص؛ إذ لم يصف الحكيم العليم أنه ينقص، ولا يجوز أن يقال أنه ينقص إلا عندما يرتكب معصية لله سبحانه تسخطه عليه، وتوجب وعيده له، وهذه حال قد أعلمنا الله فيها أن عمل عبده يبطل كله ويحبط، فليس لذكر البعض معنى مع بطلان الكل، وكلامه عليه السلام يدل على أنه لا يوصف إيمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالنقص، وأنه ليس المانع من ذلك إيهام الخطأ كما ذكره الموفق بالله عليه السلام .
وقال القاسم بن إبراهيم عليه السلام : والمؤمنون فمن أمن من الكفر وكبائر العصيان، وأعمال الموقنين من البر فدليل على إيقانهم، وترك المؤمنين الكبائر والعصيان فحقيقة إيمانهم.

واعلم: أن الذي يتحصل من كلام أئمة العترة" ومن وافقهم من المعتزلة: أن من أتى بالواجبات، واجتنب الكبائر فهو مؤمن مستحق للثواب، ناج من العقاب، واقتضاء عبارات بعضهم عدم دخول النوافل في مسمى الإيمان، أو دخولها لا يضر، مع اتفاقهم على أنه يستحق الثواب بفعلها، ولا يعاقب على تركها، فلنرجع إلى إقامة دليل مذهبهم (رضي الله عنهم).
فنقول: الدليل على ذلك أن الإيمان اسم مدح في الشرع، وقد ذكر الله المؤمنين في كتابه، وأحسن الثناء عليهم، ومدحهم مدحاً جليلاً، وسماهم بأسماء حسنة، وحكم لهم بأحكام شريفة، وبين أنه لا يستحق هذا الاسم الحسن إلا من قال بقولهم، وعمل بعملهم، فقال عز وجل: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيم}[الأنفال:2-4].
ويقول سبحانه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}[النور:62].
ويقول سبحانه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُون}[الحجرات:15].

وقال سبحانه: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ، تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون}[السجدة:15،16].
وقال تعالى: {بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً}[الأحزاب:47]، وقال تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}[التوبة:128] مع قوله تعالى في الزاني والزانية: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ}[النور:2].
وقال تعالى: {يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ...} الآية[التحريم:8].
والمعلوم أن الفاسق يخزى لقوله تعالى في المحاربين: {ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}[المائدة:33] ومن دخل النار فقد أخزي لقوله تعالى: {إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ}[آل عمران:192].
وإذا كان الفاسق يخزى بإدخاله النار، وقد أخبر الله سبحانه أن المؤمن لا يخزى؛ انتج ذلك أن الفاسق ليس بمؤمن، وهذا واضح كما ترى، وقال تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيما}[النساء:146].

وقال سبحانه: {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ}[النساء:68] وقال: {أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}[يونس:62] والفاسق يخاف ويحزن، وقال: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً، تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيما}[الأحزاب:43،44] إلى غير ذلك من الآيات، ولم يقل شيئاً من ذلك للفسقة العجزة، ولا للعتاة الكفرة.
قال الهادي عليه السلام : فبهذه الآيات ونحوها علمنا أن اسم الإيمان فاضل شريف حسن، وأن من سماه الله مؤمناً مسلماً فقد مدحه الله مدحاً شريفاً، وأثنى عليه ثناء جميلاً، وسماه بالفاضل من الأسماء التي جعلها الله أسماءً لدينه، وصفاتٍ لأوليائه، وأن من استحق هذا الاسم عند الله فهو ولي لله من أهل الجنة، وأن هذه الأسماء الحسنة الشريفة لا يستحقها الفجرة الفسقة، العتاة الظلمة، أصحاب الزنى وشرب الخمور، وشهادات الزور، وقذف المحصنات، وترك الصلوات، وقطع الطرق على الحجاج، وهدم المساجد، وتحريف المصاحف، وهدم الكعبة، وانتهاك حرم المسلمين، وفعل قوم لوط، ونحو ذلك من الأفعال الشنيعة، القبيحة الفظيعة.
فإن قيل: قد أقمت الأدلة على أن أركان الإيمان ثلاثة لكنها متداخلة، فأنا أطلب منك إقامة الدليل على كل واحد على انفراده.
فالجواب أن الدليل على أن الاعتقاد بالقلب ركن من أركان الإيمان:
قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ}[البقرة:8] وقوله: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ}[النحل:106] وقوله تعالى: {يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ}[آل عمران:167] وقوله تعالى: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}[الحجرات:14] والدليل على اعتبار القول باللسان: قوله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ...}[ البقرة:136] الآية.

وقوله: {الذين يقولون {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ}[آل عمران:53].
والدليل على القيد الثالث وهو العمل بالجوارح والأركان: قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}[البينة:5]. والدين عند الله الإسلام، وسمى أهل الإسلام مؤمنين بدليل قوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِين}[الذاريات:35،36] وهم أهل بيت واحد.
وقال تعالى: {قُلْ لاَ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ للإِيمَانِ}[الحجرات:17] فسمى الإسلام إيماناً.
قال الهادي عليه السلام : فلما سمى الله عز وجل الصلاة والزكاة ديناً، وسمى الدين إسلاماً، وسمى الإسلام إيماناً؛ علمنا أن الصلاة والزكاة من الإيمان والإسلام والدين، ومما يطابق هذه الآيات الدالة على حقيقة الإيمان من السنة: ما رواه باب مدينة العلم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((الإيمان: معرفة بالقلب، وإقرارٌ باللسان، وعمل بالأركان)) ، وعن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((الإيمان بضع وسبعون باباً، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها رفع الأذى من الطريق)).
وعن ابن عباس في قوله تعالى: {لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ}[الفتح:4] قال: بعث الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدق به المؤمنون زادهم الصلاة، فلما صدقوا بها زادهم الزكاة، فلما صدقوا بها زادهم الحج، فلما صدقوا به زادهم الجهاد، ثم أكمل لهم دينهم فقال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}[المائدة:3].

وعن عثمان بن حنيف كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يقدم من مكة يدعو الناس إلى الإيمان بالله وتصديقاً به قولاً بلا عمل، والقبلة إلى بيت المقدس، فلما هاجر إلينا نزلت الفرائض، ونسخت المدينة مكة والقول فيها، ونسخ البيت الحرام بيت المقدس، فصار الإيمان قولاً وعملاً.
وعن أبي سعيد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا يزني الزاني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر وهو مؤمن)) قيل: يا رسول الله كيف يصنع إذا وقع شيء من ذلك؟ قال: ((إن راجع التوبة راجعه الإيمان، ومن لم يتب لم يكن مؤمناً)).
وعن ابن عباس قال: إذا زنى العبد نزع منه الإيمان، وعن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع المسلمون إليه رؤوسهم وهو مؤمن)).
قال الناصر عليه السلام في البساط: ما ذكر من الحديث المشهور عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)) لايحتاج إلىذكر أسانيده وطرقه، ولكن تفسير معناه قد يكون أكثر المقرين بالشهادتين المصدقين برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يزنون مع إقرارهم الذي هو في اللغة إيمان، ومحال أن يقول عليه السلام : لا يكون لما قد يكون، ولكنه أراد أنه لا يؤمن الزاني نفسه من سخط الله وأليم عقابه إن شاء الله تعالى.
وعن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إن الرجل لا يكون مؤمناً حتى يأمن جاره بوائقه يبيت وهو آمن من شره، إنما المؤمن الذي نفسه منه في عناء والناس منه في راحة)).

وفي حديث أبي هريرة يرفعه: ((والإيمان قول وعمل، ولا قول إلا بعمل، ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل ولا نية إلا باتباع السنة)). وفي حديث الحسن: ((لا إيمان لمن لا أمانة له)). وعن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا دين لمن لا أمانة له، ولا صلاة لمن لا طهور له، ولا دين لمن لا صلاة له، إنما موضع الصلاة من الدين كموضع الرأس من الجسد )). وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((الحياء من الإيمان)).
وعن عبد الله بن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إن الصدق من البر، وإن البر من الإيمان، وإن الإيمان في الجنة، وما يزال العبد يصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإن الكذب من الفجور، وإن الفجور من الكفر، وإن الكفر في النار، وما يزال العبد يكذب حتى يكتب عند الله كذاباً)). وفي البساط بإسناده قال: جاء رجل إلى أبي ذر فسأله عن الإيمان، فقرأ عليه أبو ذر: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّه...}[البقرة:177] الآية.
فقال: ليس عن البر سألتك، فقال أبو ذر: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسأله عما سألت، فقرأ عليه كما قرأت عليك، فأبى أن يرضى كما أبي ت أن ترضى، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((المؤمن الذي إذا عمل حسنة سرته ورجا ثوابها، وإذا عمل سيئة ساءته وخاف عقابها)).
وعن جعفر بن محمد عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من أسبغ وضوءه، وأحسن صلاته، وأدى زكاة ماله، وخزن لسانه، وكف غضبه، وأدى النصيحة لأهل بيت نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فقد استكمل حقائق الإيمان، وأبواب الجنة مفتحة له)).

وفي (البساط) بإسناده قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه، وأهلي أحب إليه من أهله، وعترتي أحب إليه من عترته، وذاتي أحب إليه من ذاته)). وعن حذيفة: كنا نتعلم الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، وإنكم اليوم تعلمون القرآن قبل أن تعلموا الإيمان.
وعن جندب بن عبد الله البجلي قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونحن فتيان جزاورة فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، فازددنا إيماناً.
قال الناصر عليه السلام : أراد تعلمنا شرائع الإيمان من الصلاة والصيام وغيرهما التي بها يؤمن الإنسان نفسه من سخطه وعذابه، فأما الإقرار فإنه لا يحتاج أن يطول تعلمه، ومما يطابق ذلك قول أمير المؤمنين عليه السلام : (الإيمان: معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان). رواه في النهج.
ومن كلامه عليه السلام : (المؤمن بشره في وجهه، وحزنه في قلبه، أوسع شيء صدراً، وأذل شيء نفساً، يكره الرفعة، ويشنأ السمعة، طويل غمه، بعيد همه، كثير صمته، مشغول وقته، شكور صبور، مغمور بفكرته، ضنين بخلته، سهل الخليقة، لين العريكة، نفسه أصلب من الصلب، وهو أذل من العبد)، فهذه الأخبار والآثار ونحوها شاهدة شهادة صريحة بأن الإيمان هو فعل الطاعات، واجتناب المقبحات، وأن المؤمن في الشرع غير مشتق من الإيمان الذي بمعنى التصديق، بل هو اسم ارتجله الشرع لمن يستحق الثواب والإجلال والتعظيم من دون اشتقاق فيه.
قال الإمام الموفق بالله عليه السلام : ولم يكن من قبل معلوماً لأهل اللغة أنه يستحق بفعل هذه الشرائع ضرباً من المدح والإجلال.

قال الإمام المهدي عليه السلام : ومن أوضح ما يستدل به على صحة نقل الشرع عن المعنى اللغوي: اتفاقنا نحن والخصم على أن الفسق في أصل وضعه اسم للظهور بعد الاستتار، كما يقال: فسقت الرطبة إذا أظهرت عما كان ساتراً لها، وللخروج عن الساتر على وجه يضر، كما سمت العرب الفأرة فويسقة أي خارجة عن ساترها للإضرار بالغير، وبالاتفاق بيننا وبين الخصم أن الزنى فسق، وشرب الخمر فسق، وأن الشرع هو الذي وضع عليهما هذا الاسم لا اللغة، فصح أن الشرع قد ينقل المعنى اللغوي عما وضع له إلى معنى آخر غير ما وضع له في الأصل، وإذا صح ذلك في الفاسق صح مثله في المؤمن؛ إذ لا قائل بالفرق بينهما، لا يقال أن المعنى اللغوي في تسمية الزنى فسقاً باق، وهو أنه خرج به عن كونه مطيعاً إلى كونه عاصياً، فلهذا سمي فاسقاً؛ لأنا نقول أن أهل اللغةلم يضعوا الفسق في الأصل إلا اسماً للظهور الحقيقي عن الاستتار الحقيقي، وذلك ليس حاصلاً في الزانى والشارب إلا مجازاً، ونحن لا ننازع في صحة المجاز، لكن نقول لك: هل لفظ الفسق حيث أطلق على الزنى باق على حقيقته اللغوية أو غير باق،؟ إن قلت: بأنه باق أكذبتك الضرورة؛ لأنه ليس بظهور عن الاستتار لاضرار ولا لغيره.
وإن قلت: إنه مستعمل في غير ذلك الوضع.

115 / 329
ع
En
A+
A-