قال الزمخشري: وهذا القول من القوة والخلاقة بالقبول بمنزل، وقال قطرب، وابن روق: إنهم لما أعرضوا عن سماع القرآن أراد الله تعالى لما أحب من صلاحهم ونفعهم أن يورد عليهم ما لا يعرفونه، فأنزل عليهم هذه الأحرف؛ ليكون ذلك سبباً لاستماعهم، وكانوا إذا سمعوها قالوا كالمتعجبين: اسمعوا إلى ما يجيء به محمد، فإذا أصغوا هجم عليهم القرآن، فكان ذلك سبباً لاستماعهم، وطريقاً إلى انتفاعهم، وقيل: إن الله أقسم بها لسر فيها من حيث أنها أصول اللغة، ومبادئ كتبه المنزلة، ومباني أسمائه الكريمة، وهذا قول الأخفش، وروي عن ابن عباس، وحكاه شارح الأساس عن الإمام الحسين بن القاسم العياني عليه السلام ، قال: وحكاه الطوسي في البلغة عن علي عليه السلام واختاره الإمام القاسم بن محمد عليه السلام ، واحتج على ذلك بصحة العطف على كثير منها بِمُقْسَمٍ به نحو: {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ}[ق:1 ] فهذا قسم بالقرآن بلا شك، فيكون المعطوف عليه وهو قوله: ق قسماً مثله لوجوب مشاركة المعطوف للمعطوف عليه في الحكم، وجواباتها إما مذكورة نحو قوله تعالى: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ، مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ}[القلم: 1،2 ] أو مقدرة لدلالة سياق الكلام عليها نحو قوله تعالى: {الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ}[البقرة:1-2] تقديره: أقسم بـ(الم) أن القرآن لحق لا ريب فيه.

قلت: وذكر الزمخشري في توجيه هذا القول: أنها مجرورة بإضمار الباء القسمية لا بحذفها، وقد جاء عنهم: اللهِ لأفعلن مجروراً، ونظيره قولهم: لاه أبوك غير أنها فتحت في موضع الجر لكونها غير مصروفة، وقيل: هي للدلالة على انقطاع الكلام واستئناف آخر، والعرب إذا استأنفت كلاماً أتوا بكلام غير الذي يريدون استئنافه تنبيهاً للمخاطب على قطع الكلام الأول، واستئناف غيره، وقيل: إن كل حرف منها في مدة أقوام، وآجال آخرين كما في حديث حيي بن أخطب إلى غير ذلك من الأقوال التي لم يظهر عليها دليل، وللصوفية كلمات في بيان معانيها لا يدل عليها دليل منقول، ولا يدركها ذووا العقول، وقد رد الرازي كثيراً من الأقوال الواردة بأن العرب لم تستعمل هذه الألفاظ لتلك المعاني، والقرآن نزل بلغتهم، وبأنه لا يمكن حملها على جميعها، ولم يقل به أحد، وتخصيص بعضها دون بعض بلا دليل تحكم، والذي عليه المحققون، وأطبق عليه الأكثر، قال الإمام المهدي عليه السلام : وهو الأقرب أنها أسماء للسور، وإليه ذهب الخليل، وسيبويه قالوا: سميت بها إيذاناً بأنها كلمات عربية معروفة التركيب من مسميات هذه الألفاظ؛ كما قال تعالى: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا}[يوسف:2] فيكون فيه إيماء إلى الإعجاز والتحدي على سبيل الإيقاظ، فلولا أنه وحي من الله عز وجل لما عجزوا عن معارضته، ويقرب منه ما قاله الكلبي، والسدي، وقتادة من أنها اسماً للقرآن.
قال القفال: وقد سمت العرب بهذه الحروف أشياء فسموا بلام: والد حارثة بن لام الطائي، وقولهم للنحاس: صلى الله عليه وآله وسلم وللنقد: عليه السلام وللسحاب: (غ) وقالوا: جبل قاف، وسموا الحوت نوناً.
فإن قيل: المقصود من الاسم العلم إزالة الاشتباه، وهو هاهنا حاصل لاتفاق كثير من السور في: (الم، وحم).
قلنا: كسائر أسماء الأعلام التي لم يقصد بها إلا التعيين، ويزول الاشتباه بالقرائن.

فإن قيل: لو كانت أسماءً للسور لتواترت لغرابتها بخروجها عن قوانين أسماء العرب، وكل غريب فهو مما تتوفر الدواعي إلى نقله.
قلنا: ليست التسمية بها من الأمور العظام حتى تتوفر الدواعي إلى نقلها.
فإن قيل: التسمية بثلاثة أسماء فصاعداً مستنكرة عند العرب.
قلنا: إنما تستنكر إذا ركبت وجعلت اسماً واحداً كما في حضرموت، فأما إذا كانت منثورة فلا استنكار فيها.
فإن قيل: الاسم بعض السورة فيلزم اتحاد الاسم والمسمى.
قلنا: المسمى هو المجموع، غاية الأمر دخول الاسم في المسمى ولا محذور فيه.
فإن قيل: إن هذه السور اشتهرت بسائر أسمائها كسورة البقرة ولم تشتهر بهذه.
قلنا: لا يبعد أن يكون اللقب أكثر شهرة من الاسم الأصلي فكذا هاهنا.والله أعلم.

المسألة الثانية [في الريب]
طعن بعض الملحدة فقال: إن الله تعالى قد نفى الريب عن القرآن، فإن أراد عنده تعالى فلا فائدة فيه، وإن أراد عند غيره فكم من مرتاب، وقد حكى تعالى ذلك عنهم في القرآن كما قال سبحانه: {وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا}[البقرة:23] ونحوها.
والجواب: أنه ما نفى أن أحداً لا يرتاب فيه، وإنما المنفي كونه متعلقاً للريب ومظنة له؛ لأنه من وضوح الدلالة وسطوع البرهان بحيث لا ينبغي لمرتاب أن يقع فيه تنزيلاً لوجود الشيء منزلة عدمه عند وجود ما يزيله.
قال الإمام القاسم بن محمد عليه السلام : وفي الآية دليل على كفر من راب في كتاب الله؛ لأنه أكذب الله في خبره.

المسألة الثالثة [الهدى]
الهدى هنا عبارة عن الدلالة التي من شأنها أن توصل إلى البغية، ولا شك في أن القرآن كذلك فإن من اتبعه وتدبره أوصله إلى معرفة ما به السعادة الدائمة، والنجاة من الشقاوة اللازمة؛ لاشتماله على جميع ما يلزم المكلف معرفته من إثبات الصانع، وبيان الشرائع، والترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، والزجر والتهديد، وهذا واضح لا يحتاج إلى إطناب.
فإن قيل: كيف يكون القرآن هدىً في معرفة الله تعالى وصفاته ونحو ذلك مما تتوقف صحة القرآن على معرفته؟

قلنا: لأنه مشتمل على الآيات المثيرة لما هو مدفون في العقل من الطرق الموصلة إلى العلم اليقين بالمطلوب، والاستدلال بالآيات المثيرة لدفائن العقول على إثبات الصانع هو قول أئمتنا"، والجمهور من غيرهم، قالوا: ولم نستدل به لكونه سمعاً، بل لأنه دليل منبه للعقلاء على أقوى طرق الفكر التي يريد العقل أن يسلكها في الاحتجاج، فإن للفكر طرقاً شتى يمكن سلوكها، ولكن ما نبه الله عليه وأشار إلى سلوكه هو أقواها قطعاً، فيكون ذلك حينئذٍ سلوكاً في الطريق الموصل إلى العلم واليقين بالمطلوب، ويؤيد ذلك قول علي عليه السلام : (فبعث فيهم رسله، وواتر عليهم أنبيائه ليستهدوهم ميثاق فطرته، ويذكروهم منسي نعمته، ويحتج عليهم بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن العقول، ويروهم آيات المقدرة من سقف فوقهم مرفوع، ومهاد تحتهم موضوع، ومعايش تحييهم، وآجال تفنيهم، وأوصاب تهرمهم، وأحداث تتابع عليهم) وقوله عليه السلام : (فانظر أيها السائل بعقلك فما دلك القرآن عليه من صفته فأتم به واستغن بنور هدايته، وما كلفك الشيطان علمه مما ليس عليك في الكتاب فرضه، ولا في سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة الهدى أثره، فكل علمه إلى الله سبحانه؛ فإن ذلك منتهى حق الله تعالى عليك، واعلم: أن الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن اقتحام السدد المضروبة دون الغيوب، الإقرار بما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فمدح الله اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علماً، وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخاً، فاقتصر على ذلك، ولا تقدر عظمة الله على قدر عقلك فتكون من الهالكين).
وقوله عليه السلام : (واعلموا أنه ليس على أحد بعد القرآن من فاقة، ولا لأحد قبل القرآن من غنى، فاستشفوه من أدوائكم، واستعينوا به على لأوائكم، فإن فيه شفاء من أكبر الداء. وهو الكفر والنفاق والغي والضلال).

وقال القاسم بن إبراهيم عليه السلام : فالويل كل الويل لمن لم يكتف في أموره وأمور غيره بتنزيل الله رب العالمين، كيف عظم ضلاله وغيه، وضلت أعماله وسعيه، فتحسبه محسناً وهو مسيء، ورشيداً في أمره وهو غوي.
وقال القاسم بن علي العياني عليه السلام : ولا بد من معارض لنا في علم القرآن يقول: إن القرآن لا يغني علمه عن النظر فإذا قال ذلك قائل.
قلنا: فالنظر دلك عليه نفسك أم دلك عليه خالقك في منزل كتابه؟ فإن قال: إن نفسه دلته على ذلك من قبل دلالة خالقه أحال ووجد الله تعالى يأمره بذلك أمراً في كتابه ويندبه إليه ندباً، ووجد في جميع ما أمر به دليلاً يغني عن كل دليل، ويهدي إلى كل سبيل.
وقال الإمام القاسم بن محمد عليه السلام : اعلم أنه لا دليل على الله سبحانه أبين من كتابه، وذلك أن كونه معجزاً دليل على صحة خبره عن الله تعالى، وعن صفاته، ومن أنكر ذلك فقد رد قوله تعالى: {هَذَا بَلاَغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب}[فصلت:2].
فإن قيل: كيف يكون هدى وفيه المجمل والمتشابه؟
قلنا: لم ينفكا عن البيان بدلالة العقل والسمع.
فإن قيل: قوله هدى مطلق، فكيف صح حمله على الهدى في كل شيء والمطلق لا عموم له؟
قيل: هو هنا أبلغ من العموم لدلالته على غاية الكمال في الهدى كما يأتي قريباً، ولا يبلغ الغاية إلا إذا كان هدى في كل شيء، على أن بعض العلماء قال: إن المطلق كالعموم حتى يقوم دليل التعيين.

المسألة الرابعة [العلمة في تنكير الهدى]
اعلم: أن الله تعالى لما نفى عن القرآن أن يتشبث به الريب، ووضع المصدر الذي هو هدى موضع الوصف الذي هو هاد، وأورده منكراً؛ دل ذلك على غاية كماله في الهدى، ونجاة من اتبعه من الردى، ولعمري إنه لكذلك وإنه الذي {لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}[فصلت:4] {هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}[البقرة:185] {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}[الإسراء:9] { وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ}[الأنبياء:50] {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}[الإسراء:82] وأي رحمة فوق التخليص من الجهالات والضلالات، وقد مر في المقدمة شطر من فضائل القرآن، والحث على العمل به.
وعن أبي أمامة: حثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على تعليم القرآن وحدثنا من فضله وقال: ((تعلموا القرآن واتلوه فإن القرآن يأتي صاحبه يوم القيامة أحوج ما كان إليه فيأتيه في صورة حسنة فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا الذي كنت تكرمه وتحبه، وكان يسهر ليلك، ويدأب نهارك، ويشخصك وينصبك، فيقول: لعلك القرآن، فيقول: أنا القرآن، فيتقدم بين يدي ربه فيعطيه الملك بيمينه والخلد بشماله، ويوضع تاج السكينة على رأسه، ويكسى والداه حلتين لا تقوم لهما الدنيا أضعافاً مضاعفة، فيقولان: إن هذا لم تبلغه أعمالنا، فيقال لهما: بفضل ولدكما الذي قرأ القرآن )) رواه المرشد بالله.

وقال القاسم بن إبراهيم عليه السلام : وإذا أردت أن ترى عجائب الدنيا والأنبياء، وتعلم فضل عدل حكم الله في الأشياء، فاستمع من الكتاب ولا تسمع عليه، واكتف بحكم الله على العباد فيه فإنك إن تسمع عنه بأذن واعية، ثم تقبل عليه بنفس منك لحكمته راعية، تسمع صوتاً منه بالهدى صيتاً، وتعرف من جعله الله حياً ممن جعله ميتاً، فلعلك حينئذٍ عند معرفتك به تهرب من الميتين، وتلحق بالأحياء، فتجد طيب طعم الحياة، وتثق بالقرار في محل النجاة، فتنزل يومئذٍ منازل العابدين، وتأمن الموت حينئذٍ من الخالدين، ففي مثل ذلك فارغب، وله ما بقيت فانصب.

المسألة الخامسة [صفات المتقين]
المتقي في اللغة: اسم فاعل من قولهم: وقاه فاتقى، والوقاية: فرط الصيانة، وفي الشرع: اسم مدح كالمؤمن والعدل، وهو الذي يقي نفسه ما يستحق به العقوبة من فعل أو ترك، وقيل: الذي يجتنب المعاصي، والظاهر الأول؛ لأن الله نعتهم ووصفهم بقوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ...} الآيات[البقرة:3] ونحوها.
فإن قيل: يحتمل أن تكون مقتطعة من المتقين مرفوعة على الابتداء.
قلنا: خلاف الظاهر؛ ولأنه قد روي ما يدل على أن المتقي من أتى بالواجب واجتنب المحرم، من ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((لا يبلغ العبد المؤمن أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به البأس)).

113 / 329
ع
En
A+
A-