المسألة الثانية: في حكمه بعد الفاتحة في الصلاة وذكرالخلاف فيه
فالذي عليه أهل البيت" ومن تابعهم أنه بدعة لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا يصلح فيها شيءٌ من كلام الناس )) وقد مر تخريجه.
وقد روي في البحر وغيره إجماع أهل البيت" على ذلك وإجماعهم حجة، ثم اختلفوا في كون الإتيان به يفسد الصلاة أم لا؟
فقال أحمد بن عيسى والناصر والإمام يحيى: لا يفسدها لأنه دعاء، وهذا مروي عن المؤيد بالله واختاره علامة العصر.
وذهب الفريقان إلى استحبابه عقيب الفاتحة، هكذا في البحر، وظاهره أنه لا فرق بين الإمام والمأموم والمنفرد عندهم، ولا بين الصلاة الجهرية والسرية.
وروى النووي في شرح مسلم إجماع الأمة على أن المنفرد يؤمن، قال: وكذلك الإمام والمأموم في الصلاة السرية، وكذلك قال الجمهور: في الجهرية، وقال مالك: في رواية عنه لا يؤمن الإمام في الجهرية.
وفي تفسير القرطبي أن ابن القاسم روى عن مالك أن الإمام لا يقول آمين وإنما يقولها من خلفه، قال وهو قول ابن القاسم والمصريين من أصحاب مالك.
والحجة على شرعيته حديث وائل بن حجر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم : قرأ {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ }[الفاتحة: 7 ]فقال: ((آمين) يمد بها صوته، أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي، وحسنه والدارقطني وابن حبان.
قال (الحافظ): وسنده صحيح، وصححه الدارقطني وأعله بن القطان بحجر بن عنبس ، وقال: لا يعرف، ورده الحافظ بأنه ثقة معروف.
وفي (النيل): أن في رواية أبي داود زيادة ورفع بها صوته، ورواه أحمد وابن ماجة والدارقطني من طريق أخرى بلفظ وخفض بها صوته، وقد أعلت باضطراب شعبة في إسنادها ومتنها، ورواها سفيان من دون اضطراب في الإسناد ولا المتن.
قال (ابن القطان): اختلف شعبة وسفيان فقال شعبة: خفض، وقال الثوري: رفع، وقال شعبة: حجر أبو عنبس، وقال الثوري: ابن عنبس، وصوبه البخاري وأبو زرعة.
قلت: قد ضعف المؤيد بالله وغيره هذا الحديث؛ لأن رواية وائل غير مقبولة عندهم لأنه كان يكتب بأسرار علي عليه السلام إلى معاوية.
قال (المؤيد بالله): وفي دون ذلك تسقط العدالة.
وفي الجامع الكافي عن القاسم عليه السلام أنه قال: ليس يعجبنا قول آمين يعني في الصلاة وليست من معروف كلام العرب، والحديث الذي جاء فيها إنما هو عن وائل بن حجر وهو الذي فعل ما فعل.
وأجيب بأنه لو سلم أن قد وقع من وائل ما يوجب فسقه، فالمعتبر في قبول الرواية الحفظ والتحرز عن الكذب وأنتم تقبلون فساق التأويل وكفارهم كما عرف ذلك من نقل مذاهب مشاهير الأئمة في كتب أصول الفقه والحديث مع تحريمهم للكذب، على أنا لو سلمنا لكم القدح في وائل وعدم قبول روايته فقد ثبت عن غيره بطرق كثيرة، ففي أمالي أحمد بن عيسى: حدثنا عباد بن يعقوب، عن إبراهيم بن العلاء، عن أبيه، عن عدي بن ثابت، عن أبي عبد الله الجزلي قال: صليت خلف علي عليه السلام الفجر فقرأ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، فلما أن قال: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّين َ}[الفاتحة: 7 ]قال: آمين كفى بربي هادياً ونصيرا، {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ }[الأنبياء:1].
عباد بن يعقوب أحد مشائخ الشيعة وثقاتهم.
وإبراهيم هو: إبراهيم بن عبد الله أو ابن عبيد الله بن العلاء بن زير الربعي ، أحد رواة فضائل الآل، روى له المرادي وأبو طالب والمرشد بالله وفي المحيط.
وأما أبوه عبد الله فوثقه دحيم وابن معين وابن أبي حاتم، ومعاوية بن صالح وهشام بن عمار ويعقوب بن أبي شيبة، قال ولده إبراهيم: توفي سنة أربع أو خمس وستين ومائة.
احتج به البخاري والأربعة، وروى له المرادي، وأبو طالب والمرشد بالله.
وأما عدي بن ثابت فقال في الجداول: عدي بن ثابت الأنصاري الكوفي، عن أبيه وجده لأمه عبد الله بن يزيد الحطمي والبراء وسليمان بن صرد وابن جبير، وعنه الأعمش وابن حي وابن جدعان، وثقه أحمد والعجلي والنسائي والدارقطني، توفي سنة ست عشرة ومائة، عداده في ثقات محدثي الشيعة، واحتج به الجماعة، وروى له أئمتنا الأربعة.
وأما أبو عبد الله الجذلي فوثقه أحمد وابن معين وصحح الترمذي حديثه، وعداده في ثقات محدثي الشيعة، قال الذهبي: شيعي بغيض.
وأخرج ابن ماجة عن علي عليه السلام سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قال: (({وَلاَ الضَّالِّينَ} قال: آمين)).
وأخرج الطبراني في الأوسط عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إن اليهود قوم حسد ولم يحسدوا المسلمين على أفضل من ثلاث ، رد السلام، وإقامة الصفوف، وقولهم خلف إمامهم في المكتوبة آمين)).
وأخرج ابن عدي في الكامل عن: أبي هريرة مرفوعاً: ((إن اليهود قوم حسد حسدوكم على ثلاثة ، إفشاء السلام، وإقامة الصف، وآمين)).
وأخرج مسلم وأبو داود وابن ماجة، والنسائي وابن أبي شيبة عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إذا قرأ ـ يعني الإمام ـ {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ }[الفاتحة: 7 ]فقولوا: آمين يجيبكم الله )).
وأخرج مالك والشافعي وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه )).
وأخرج أبو يعلى في مسنده وابن مردويه بسند جيد عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إذا قال الإمام {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينََّ }[الفاتحة: 7 ] قال الذين خلفه آمين التقت من أهل السماء وأهل الأرض، ومن لم يقل آمين كمثل رجل غزا مع قوم فاقترعوا سهامهم ولم يخرج سهمه، فقال: ما لسهمي لم يخرج، قال: إنك لم تقل آمين)).
والأحاديث في الباب كثيرة منها عن بلال عند أبي داود وعن أبي موسى عند أبي عوانة وعن سلمان عند الطبراني في الكبير، قال في النيل: وفيه سعيد بن بشير.
قلت: لعل الرجل ضعف لمخالفته لأصول الخصوم.
قال في (الجداول): سعيد بن بشير الأزدي أبو عبد الرحمن البصري نزيل دمشق عن قتادة وابن الزبير والزهري، وثقه دحيم، وابن عيينة وشعبة.
وقال (المنصور بالله): كان عدلياً، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وأثنى عليه غيرهم، وضعفه آخرون، احتج به الأربعة، توفي سنة ثمان وستين ومائة، روى له المرشد بالله والنيروسي، وفي الباب أيضاً عن أم الحصين عند الطبراني في الكبير وفيه إسماعيل بن مسلم المكي ، قال في النيل: وهو ضعيف.
قلت: ذكره في الجداول وقال: روى في فضائل الوصي عليه السلام ولعله ضعف لذلك، احتج به الترمذي وابن ماجة، وروى له المرادي وأبو طالب.
قال في (النيل): وذكرالحافظ محمد بن إبراهيم الوزير أن في الباب أيضاً عن أم سلمة وسمرة، وفي النيل أيضاً أنه رواه ابن أبي حاتم عن علي عليه السلام موقوفاً عليه من فعله، وقال -يعني ابن أبي حاتم- هذا عندي خطأ.
وقال في (المنار): أحاديث التأمين صحيحة صريحة في كتب الحديث بل وفي كتب أهل البيت".
قال السيد الإمام (محمد بن إبراهيم الوزير) رحمه الله: روى عن علي عليه السلام مرفوعاً في باب الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم من كتاب الأمالي وموقوفاً في مجموع زيد بن علي عليه السلام ذكره في القنوت في الوتر قبل الركوع، ولذلك قال الإمام المهدي محمد بن المطهر عليه السلام في كتابه الرياض الندية: أن رواة التأمين جم غفير، قال وهو مذهب زيد بن علي وأحمد بن عيسى.
قلت: أما نسبة ما في العلوم إلى الرفع فوهم وقد ذكرناه موقوفاً كما مر، إذا عرفت هذا فاعلم أن القائلين بشرعية التأمين عقيب الفاتحة في الصلاة قد أجابوا عن حديث النهي عن الكلام في الصلاة بأنه مخصوص بأحاديث التأمين.
قال (الشوكاني): فإن كانت أحاديثه الواردة عن جمع من الصحابة لا يقوى بعضها على تخصيص حديث واحد من الصحابة مع أنها مندرجة تحت العمومات القاضية بمشروعية مطلق الدعاء في الصلاة لأن التأمين دعاء فليس في الصلاة تشهد وقد أثبته العترة، فما هو جوابهم في إثباته فهو الجواب في إثبات ذلك، على أن المراد بكلام الناس في الحديث هو تكليمهم لأنه اسم مصدر كلم لا تكلم، ويدل على ذلك السبب المذكور في الحديث، وقال المقبلي: حديث السلمي ليس مما نحن فيه في شيء والدعاء في الصلاة لو ادعى مدع تواتره معنى بما شاء المصلي بلا تقييد بنقل خاص لما ساغ للمنصف أن يرده، والتأمين من الدعاء وهو خاتمته كما ورد آمين خاتمة رب العالمين، وقد خصته الأدلة الخاصة زيادة على مطلق الدعاء، وأما دعوى إجماع العترة على أنه بدعة فقال الإمام عزالدين: فيه نظر لما مر من نقل خلاف بعض كبارهم.
وفي (الجامع الكافي) عن أحمد بن عيسى أن المصلي مخير إن شاء قال آمين وإن شاء تركه، وهذا يدفع القول بأنه موافق في كونه بدعة وإنما خالف في الفساد.
وقال في (المنار): أما دعوى إجماع أهل البيت" هنا فكسائر دعاوى الإجماع يبحث أحدهم أصولهم وفروعهم فلا يجد خلافاً فيظن الإجماع أحسن أحواله.
قلت: ومما يضعف صحة الإجماع أن الخلاف مروي في الكتب المشهورة كالعلوم والجامع الكافي فإن فيهما رواية التخيير عن أحمد بن عيسى وهو في الجامع عن محمد بن منصور، وقال الإمام عز الدين نص في الزهور على أن أحد قولي الناصر، وكلام المؤيد بالله في الزيادات أنه غير مفسد، ومثله ذكره أبو مضر في شرحه عن المؤيد بالله وذكره غيره، وأحمد بن عيسى ذهب إلى أنه سنة، فأين الإجماع هذا.
وأما ما ذكره المؤيد بالله من أن حديث وائل إن صح فهو منسوخ بحديث السلمي ففيه نظر إذ لو كان منسوخاً لما فعله أمير المؤمنين بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فهو كان أعلم الناس بالناسخ والمنسوخ، وكذلك فعله غيره من الصحابة ولم ينكر.
كذلك يجاب عما يدعى من نسخ سائر أحاديث التأمين، وأما ما قيل من أن الناسخ قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين فأنصتوا )) رواه أبو هريرة وقد مرّ، فمدفوع بأن النسخ لا يثبت إلا بدليل وهذا لم ينص فيه على النسخ، بل هو مطلق يتناول الإنصات عن قول آمين وغيره، وما مركالقيد المخرج لآمين عن ذلك الإطلاق، ويجوز أن يراد به الأمر بالإنصات حتى يأتي الإمام بالتأمين فلا يشاركه المأموم فيه، بل لايؤمن إلا بعد تأمين الإمام كما قيل إن ما في بعض الروايات من قوله: ((فإذا أمّن فأمنوا)) يدل على ذلك أعني تأخير تأمين المأموم عن تأمين الإمام لترتيبه عليه بالفاء.
وأما قول الأمير الحسين أن هذه الأخبار متعارضة لأن في بعضها كان يرفع بها صوته، ووفي بعضها: ((إذا قال الإمام {ولا الضالين} فقولوا: آمين ))، وفي بعضها: ((إذا أمن الإمام فأمنوا))، وفي بعضها: ((من وافق قوله قول الملائكة غفر له)).
قال: فهذه أخبار متعارضة فلم يصح فيها القول بالتخيير، ولا اختص بعضها بضرب من الترجيح، فيجاب عنه بأنه لا تعارض فيها أصلاً بل هي أخبارمتواردة على معنى واحد وإن اختلف اللفظ، وفي بعضها زيادة بيان رفع الصوت وبيان المغفرة المترتبة علىالتأمين، ولا شك مثل هذا لا يكون من التعارض في شيء.
وأما قول المؤيد بالله في حديث وائل اضطراب لأن في بعض الروايات أنه رفع بها صوته، وفي بعضها أنه خفض بها صوته، فيجاب عنه بأنه مثل هذا الاضطراب لا يوجب رد الحديث وضعفه لجواز أنه وقع الأمران معاً في وقتين، ثم إنه قد مر ترجيح رواية رفع الصوت، وإن سلم فالأحاديث الأخر لا اضظراب فيها.
واعلم أن القائلين بشرعيته اختلفوا في مواضع:
أحدهما: في الوجوب وعدمه، فقال الحافظ: الأمر فيه للندب عند الجمهور.
وروي عن بعض أهل العلم وجوبه على المأموم عملاً بظاهر الأمر، وأوجبته الظاهرية على كل من يصلي.
وقال (الشوكاني): الظاهر من الحديث وجوبه على المأموم إن أمن الإمام، وأما الإمام والمنفرد فمندوب فقط.
الثاني: في الجهر به والإسرار، فقال النووي: يجهر به عند الأكثر ونسبه القرطبي إلى الشافعي ومالك في رواية عنه لحديث: ((كان يرفع بها صوته)) ولما في الروايات الأخيرة من ذكر سماع الرواة له وذلك لا يكون إلا مع الجهر.
ولما رواه أبو هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا تلا: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ }[الفاتحة: 7 ] قال: ((آمين)) حتى يسمع من يليه من الصف الأول، رواه أبو داود وابن ماجة، وقال: حتى يسمعها أهل الصف الأول فيرتج بها المسجد.
قال في (النيل): والحديث أخرجه أيضاً الدارقطني وقال إسناده حسن، والحاكم وقال: صحيح على شرطهما، والبيهقي وقال: حسن صحيح، وأشارإليه الترمذي، وترجم له البخاري باب جهر الإمام بالتأمين، وقال فيه: قال عطاء: آمين دعاء أمن ابن الزبير ومن وراءه حتى أن للمسجد للجة، بلامين وجيم مشددة أي صوت مرتفع.
قال (الترمذي): وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن بعدهم يرون أن يرفع الرجل صوته بالتأمين لا يخفيها، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحق.
وقال (البخاري): باب جهر المأموم بالتأمين، وأورد فيه حديث أبي هريرة:((إذا قال الإمام: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} فقولوا: آمين... )) الحديث.
قال (القسطلاني): ووجه المناسبة للترجمة أنه أمر بقول آمين، والقول إذا وقع الخطاب به مطلقاً حمل على الجهر، ومتى ما أريد به الإسرار، وحديث النفس قيد بذلك.
قلت: وفيه نظر فإن الظاهر من إطلاق القول تناول الجهر والإسرار، فالأولى الاحتجاج بما مر.
وقال (أبو حنيفة) و(الكوفيون) و(مالك) في رواية وبعض المدنيين: لا يجهر بها، وهو قول الطبري وابن حبيب من المالكية، ورواه في الجامع الكافي عن محمد بن منصور ولفظه: قال محمد: ثلاثة أشياء تخفى في الصلاة الاستعاذة، وربنا لك الحمد، وآمين لمن قالها، وقولها عندنا جائز وإن شاء فلا يقلها، واحتجوا بأنه دعاء، وقد قال الله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً }[الأعراف:55].
وأجيب بأن إخفاء الدعاء إنما كان أفضل لخوف الرياء، وأما ما يتعلق بصلاة الجماعة فشهودها إشهار شعار ظاهر، وإظهار حق يندب العباد إلى إظهاره، وقد ندب الإمام إلى إظهار قراءة الفاتحة المشتملة على الدعاء والتأمين في آخرها، فإذا كان الدعاء مما يسن الجهر فيه فالتأمين على الدعاء تابع له وجار مجراه.
وفي تفسيرالقرطبي عن ابن بكير أنه مخير -يعني بين الجهر والإسرار- ولعله يحتج بإطلاق الأمر بقول آمين.
وفي البحر بعد أن حكى مذهب الفريقين في استحبابه أنه يكون تابع للقراءة في الجهر والإسرار؛ لأنه تابع لها إلا عند أبي حنيفة فيسره.
الأمر الثالث: مما اختلفوا فيه في تأمين المأموم هل يوقعه عند تأمين الإمام أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه يقارن به تأمين الإمام، لحديث: ((إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ...))الخبر.
وقيل بعده لظاهر قوله: ((إذا أمن الإمام فأمنوا ))، ولما مر من قوله: ((فأنصتوا)).
وأجيب: بأن فيما قاله الجمهور جمع بين رواية: ((إذا أمن فأمنوا)) وبين قوله: ((إذا قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين ))، فإنه يدل على أنه يقوله عند تلاوة الإمام للآية، ووجه الجمع أنه يحمل قوله: ((إذا أمن)) على أن المراد به إذا أراد التأمين ليقع تأمينهما معاً، وقد قيل في الجمع غير ما ذكر، فقيل المراد بقوله: ((ولا الضالين فقولوا آمين)) أي إذا لم يقل الإمام آمين، وقيل الأول وهو المقارنة لمن قرب من الإمام، والثاني لمن تباعد عنه لأن جهر الإمام بالتأمين أخفض من جهره بالقراءة.
وقال (الطبري): يؤخذ من الروايتين تخيير المأموم في قولها مع الإمام أو بعده، قال الخطابي: وهذه الوجوه كلها محتملة وليست بدون الوجه الذي ذكروه يعني الجمهور.
قلت: الظاهر مع الجمهورالتصريح بأن المأموم يقولها إذا قال الإمام: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ }[الفاتحة: 7]، وهو صريح، وما عداه محتمل.
الأمر الرابع: إذا لم يسمع المأموم قول الإمام: {وَلاَ الضَّالِّينَ }[الفاتحة: 7 ] فلا يقولها عند ابن نافع، وقيل: بل يتحرى قدر القراءة ويقول آمين، ذكر هذا الخلاف القرطبي.
الأمر الخامس: ظاهر الأحاديث أن المصلي إذا أخره فإنه لا يأتي به بعد السورة، وهو قول الشافعي، ولم أقف على خلافه.
تنبيه
في إطلاق بعض الروايات السابقة أنه يستحب التأمين بعد قراءة الفاتحة ولو في غير صلاة، وسيأتي زيادة في الدلالة على ذلك.