فنقول: هذا مسلم لكن هذا مرجح فقط، ولا يحكم به مستقلاً وقد يورث ريبة فيما ظاهره القوة أو قوة فيما هو أقرب إلى الضعف، كما قال ابن الصلاح: عند ذكر أنه لا يعمل إلا بالجرح المعين، أن جرح الأئمة غير المعين لا يؤخذ به، إنما ذكره لأنه قد يورث ريبة فيتوقف فقط، رجعنا إلى ما نحن بصدده.
وأخرج الطبراني في الأوسط بسند ضعيف، عن أبي زيد وكانت له صحبة. قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بعض فجاج المدينة، فسمع رجلاً يتهجد ويقرأ بأم القرآن، فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاستمع حتى ختمها، فقال: ((ما في الأرض مثلها)).
وأخرج ابن الضريس عن أبي قلابة مرفوعاً: ((من شهد فاتحة الكتاب حين تستفتح كان كمن شهد فتحاً في سبيل الله، ومن شهد حتى تختم كان كمن شهد الغنائم حتى تقسم)).
وعن علي عليه السلام : (من قرأ فاتحة الكتاب، فقال الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه صرف الله عنه سبعين نوعاً من البلاء أهونها الهم). رواه زيد بن علي في المجموع.
وقال (الهادي) عليه السلام : يُروى أنها لم تقرأ على مريض إلا شفي، ولم يقرأها مكروب إلا كفي ونجي، ولا توسل بها أحد إلى الله سبحانه إلا أعطي. ذكره في الأحكام.
وأخرج أحمد والبيهقي في الشعب بسند جيد عن عبد الله بن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له: ((ألا أخبرك بأخير سورة نزلت في القرآن، قلت: بلى يا رسول الله، قال: فاتحة الكتاب)) وأحسبه قال: ((فيها شفاء من كل داء)).
وأخرج الطبراني في الأوسط والدارقطني في الإفراد وابن عساكر بسند ضعيف، عن: السائب بن يزيد قال: عوذني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بفاتحة الكتاب نقلاً.
وأخرج الدارمي والبيهقي في شعب الإيمان بسند رجاله ثقات، عن عبد الملك بن عمير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((فاتحة الكتاب شفاء من كل داء)).
وأخرج ابن قانع في معجم الصحابة عن رجاء الغنوي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((استشفوا بما حمد الله به نفسه قبل أن يحمده خلقه، وبما مدح الله به نفسه، قلنا: وماذاك يا نبي الله؟ قال: الحمد لله، وقل هو الله أحد، فمن لم يشفه القرآن فلا شفاه الله)).
وأخرج سعيد بن منصور في سننه والبيهقي في الشعب عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((فاتحة الكتاب شفاء من السم)).
وأخرجه أبو الشيخ عن سعيد وأبي هريرة معاً، وعن أبي سعيد الخدري أن سرية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرجت فمرت بحي من العرب، فنزلت بهم فلدغ سيدهم، فقالوا: هل فيكم من يرقي؟ فرقاه بعضهم بفاتحة الكتاب فعوفي، فأعطوه ثلاثين شاة، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أخبروه الخبر، فقال: ((اضربوا لي معكم بسهم)) رواه الأمير الحسين في الشفاء والقاضي زيد في الشرح.
قال في (تتمة الاعتصام): وهذا الخبر قد رواه الهادي عليه السلام في الأحكام عن جده القاسم عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . وكذا نسبه إلى الأحكام في الشفاء.
وفي (الشفاء) عن أبي سعيد أن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتوا حياً من أحياء العرب فلم يقرؤهم، فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك، فقالوا: هل فيكم من راق؟ فقالوا: لم تقرونا فلا نفعل أو تجعلوا لنا جعلاً، فجعلوا لهم قطيع شا فجعل رجل يقرأ بأم القرآن ويجمع ريقه فيتفل فبرأ الرجل، فأتوهم بالشا فقالوا: لا نأخذها حتى نسأل عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فسألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فضحك، فقال: ((ماأدراك أنها رقية خذوها واضربوا لي فيها بسهم))، والحديث أخرجه البخاري ومسلم وأبو عبيدة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم والبيهقي بألفاظ تؤدي هذا المعنى.
وفي بعضها: أن سيدهم لدغه العقرب وأن الفاتحة قرئت عليه سبع مرات فبرئ.
وأخرج أحمد والبخاري والبيهقي في السنن عن ابن عباس أن نفراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مروا بماء فيه لديغ أو سليم، فعرض لهم رجل من أهل الحي فقال: هل فيكم من راق؟ إن في الماء رجلاً لديغاً أو سليماً، فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء فبرأ، فجاء بالشا إلى أصحابه، فكرهوا ذلك وقالوا: أخذت على كتاب الله أجراً، حتى قدموا المدينة، فقالوا: يارسول الله أخذ على كتاب الله أجراً، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)).
وروى الأميرالحسين في الشفاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لما سأله عم خارجة بن الصلت عن رجل أتى به إليه فرقاه ثلاثة أيام غدوة وعشية يقرأ عليه فاتحة الكتاب ويجمع بزاقه، ثم يتفل، فأعطوه جعلاً، فسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنه، فقال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((كل فلعمري من أكل برقية باطل لقد أكلت برقية حق)).
وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن السني: في عمل اليوم والليلة، والحاكم وصححه البيهقي في الدلائل عن خارجة بن الصلت التميمي عن عمه: أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم أقبل راجعاً من عنده فمر على قوم عندهم رجل مجنون موثق بالحديد، فقال أهله: أعندك ما تداوي به هذا؟ فإن صاحبكم قد جاء بخير، قال: فقرأت عليه فاتحة الكتاب ثلاثة أيام في كل يوم مرتين غدوة وعشية، أجمع بزاقي، ثم أتفل فبرئ، فأعطوني مائة شاة فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت ذلك له فقال: ((كل فمن أكل برقية باطل فقد أكلت برقية حق))، والحديث سكت عنه أبو داود والمنذري ورجاله رجال الصحيح، إلا خارجة المذكور وقد وثقه ابن حبان.
وأخرج الحديث أيضاً وصححه، ذكره في نيل الأوطار، وأخرج الثعلبي من طريق معاوية بن صالح عن أبي سليمان قال: مر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بعض غزوهم على رجل قد صرع فقرأ بعضهم في أذنه بأم القرآن فبرئ فقال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((هي أم القرآن وهي شفاء من كل داء)).
وأخرج البزار في مسنده بسند ضعيف عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :((إذا وضعت جنبك على الفراش وقرأت فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد فقد أمنت من كل شيء إلا الموت))، قلت: كذا قال في الدر المنثور بسند ضعيف.
وقال (العزيزي): هو حديث حسن، وأخرج ابن عساكر في تاريخ دمشق عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إذا أخذ أحدكم مضجعه ليرقد فليقرأ بأم القرآن وسورة، فإن الله وكل بها ملكاً يهب معه إذا هب)).
وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن عمران بن حصين مرفوعاً: ((فاتحة الكتاب وآية الكرسي لا يقرأهما عبد في دار فيصيبهم ذلك اليوم عين إنس أو جن)).
وفي الكشاف وغيره عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إن القوم ليبعث الله عليهم العذاب حتماً مقضياً فيقرأ صبي من صبيانهم في المكتب الحمد الله رب العالمين فيسمعه الله تعالى فيرفع عنهم بسببه العذاب أربعين سنة)).
قال (ابن حجر): أخرجه الثعلبي من رواية أبي معاوية عن أبي مالك الأشجعي عن ريقي عنه إلا أن دون معاوية من لا يحتج به وله شاهد في مسند الدارمي.
وأخرج الثعلبي عن الشعبي أن رجلاً شكا إليه وجع الخاصرة فقال: عليك بأساس القرآن، قال: وما أساس القرآن؟ قال: فاتحة الكتاب.
ورواه القرطبي في تفسيره قال: شكا رجل إلى الشعبي وجع الخاصرة فقال: عليك بأساس القرآن فاتحة الكتاب، سمعت ابن عباس يقول: لكل شيء أساس وأساس الدنيا مكة؛ لأنها منها دحيت إلى أن قال: وأساس الكتب القرآن، وأساس القرآن الفاتحة وأساس الفاتحة بسم الله الرحمن الرحيم فإذا اعتللت أو اشتكيت فعليك بالفاتحة تشفى.
وفي صحيفة علي بن موسى الرضا، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إذا أراد أحدكم حاجة فليباكر في طلبها يوم الخميس وليقرأ إذا خرج من منزله آخر آل عمران وآية الكرسي وإنا أنزلناه في ليلة القدر، وأم الكتاب فإن فيها قضاء حوائج الدنيا والآخرة)).
وأخرج أبو الشيخ في الثواب عن عطاء قال: إذا أردت حاجة فاقرأ بفاتحة الكتاب حتى تختمها تقضى إن شاء الله.
تنبيه
ما اشتملت عليه هذه النصوص من تفضيل الفاتحة على غيرها وما سيأتي في آية الكرسي وغيرها نص في تفضيل بعض السور والآيات على بعض، وقد منعه بعضهم ولا وجه له مع هذه النصوص، وسيأتي للمسألة مزيد بسط وتحقيق إن شاء الله.
تنبيه آخر
قد تضمنت هذه الأحاديث والآثار أسماء هذه السورة وجملتها اثنى عشر اسماً الصلاة، والحمد، وفاتحة الكتاب، وأم الكتاب، وأم القرآن، والمثاني، والقرآن العظيم، والشفاء، والرقية، والأساس، والوافية، والكافية.
سماها بالوافية ابن عيينة، وسماها عبد الله بن يحيى بن أبي كثير الكافية لأنها تكفي عن سواها ولا يكفي سواها عنها، كما في حديث:((أم القرآن عوض عن غيرها...)) الخبر، وقد منع بعضهم تسميتها بأم الكتاب، وأما القرآن لنا صريح السنة.
بحث في مسألة التأمين
خاتمة في آمين
والكلام فيه يكون في ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: في معناه
فقال الجمهور: معناه اللهم استجب، ويدل عليه ما أخرجه جويبر في تفسيره عن الضحاك عن ابن عباس، قال: قلت يارسول الله ما معنى آمين؟ قال: ((رب افعل))، ذكره في الدرالمنثور، وفيه: وأخرج الثعلبي من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس مثله، ورواه في الكشاف ونسبه في التخريج إلىالثعلبي من رواية أبي صالح، وقال بإسناد واهٍ.
وقيل: هو اسم من أسماء الله تعالى، وهذا مروي عن جعفر بن محمد ومجاهد وهلال بن يساف.
قال (القرطبي): ورواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يصح، قاله ابن العربي.
وقال (القسطلاني): رواه عبد الرزاق عن أبي هريرة بإسناد ضعيف، وأنكره جماعة منهم النووي، وعبارته في تهذيبه: هذا لايصح لأنه ليس في أسماء الله، اسم مبني ولا غير معرب، وأسماء الله تعالى لا تثبت إلا بالقرآن أو السنة، وقد عدم الطريقان.
قلت: وقد حكى الراغب عن بعضهم أن صاحب هذا القول أراد أن فيه ضمير الله تعالى لأن معناه استجب.
وقيل: معناه كذلك فليكن، ذكره الجوهري وصاحب القاموس، وقال مقاتل: هو قوة للدعاء واستنزال للبركة، وقال الترمذي: معناه لا تخيب رجاءنا، وفي لغتان، المد على وزن فاعيل، وكياسين والقصر على وزن يمين، وقد روى فيه الإمالة مع المد عن حمزة والكسائي للكسرة بعد الألف وهذه لغة ثالثة، وفيه لغة رابعة وهي آمين بالمد وتشديد الميم، وهي مروية عن الصادق والحسن والحسين بن الفضل من أم إذا قصد أي: نحن قاصدون نحوك، وحكى هذه اللغة الداودي.
قال صاحب (الإكمال): هي لغة شاذة لم يعرفها غيره.
وفي شرح الشذور عن الجوهري وثعلب إنكار كونها لغة، وكذا أنكرها غيرهما، وقالوا: لا يعرف آمين إلا جمعاً بمعنى قاصدين كقوله تعالى: {وَلاَ آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ }[المائدة:2]، وفيه لغة خامسة وهي التشديد مع القصر، وقيل: هي خطأ.
وفي الجامع الكافي عن القاسم بن إبراهيم أن آمين ليست من معروف كلام العرب.
واعترضه الشوكاني فقال: وأما ما رواه في الجامع الكافي عن القاسم بن إبراهيم أن آمين ليست من لغة العرب، فهذه كتب اللغة بأجمعها على ظهر البسيطة.
قلت: نقل كلام الإمام على غير وجهه ليتم له التشنيع عليه فإن القاسم عليه السلام إنما أنكر كونها معروفة من كلام العرب، والظاهر أن مراده أنها غير جارية على قياس العربية باعتبار ما هو المشهور من استعمالها وهو المدمع بتخفيف الميم وهو كما قال، فإن وزن فاعيل إنما يكون في الأسماء العجمية.
وقد قيل: إن هذا الاسم عجمي.
قال (ابن هشام) في (شرح الشذور): وهذه اللغة أكثر اللغات استعمالاً، ولكن فيها بعد في القياس إذ ليس في اللغة العربية فاعيل، وإنما ذلك في الأسماء الأعجمية كقابيل، ومن ثم زعم بعضهم أنه أعجمي، فهذا كلام من لاريب في تقدمه في العربية، يشهد للقاسم بكمال المعرفة والتطلع إلى اللغات، وعلى الشوكاني بالنقص والاكتفاء بظواهر العبارات، وأما سائر اللغات المحكية فيها فقد عرفت إنكار جماعة من العلماء لها وتخطئتهم لناقلها.
وقال صاحب (الإكمال): حكى ثعلب القصر وأنكره غيره إلا في الشعر، ذكره في شرح الشذور، وقد حكى الشوكاني نحوه، وعند التأمل لما حكينا تعرف أن القول بأن هذه الكلمة ليست عربية أو ليست من مشهور كلامهم هو الصواب دون ما عداه.