المسألة الثانية عشرة: في فضائل هذه السورة وخواصها
أخرج الثعلبي في تفسيره والواحدي في أسباب النزول: عن علي عليه السلام قال: (نزلت فاتحة الكتاب بمكة من كنز تحت العرش)، وأخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده بلفظ: حدثنا نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم : أنها أنزلت من كنز تحت العرش، وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وأبو سعيد بن الأعرابي في معجمه والطبراني في الأوسط من طريق مجاهد، عن أبي هريرة: أن إبليس رن حين أنزلت فاتحة الكتاب وأنزلت بالمدينة.
وروى أبو بكر بن الأنباري في كتاب الرد: عن مجاهد قال: إن إبليس لعنه الله رن أربع رنات حين لعن وحين أهبط من الجنة وحين بعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحين نزلت فاتحة الكتاب، وأنزلت بالمدينة، وأخرجه وكيع في تفسيره وأبو الشيخ في العظمة وأبو نعيم في الحلية، ذكره في الدر المنثور من دون قوله: وأنزلت بالمدينة.
وقال (الهادي): فهل في القرآن فيما نزل الله من النور والبرهان شيء هو أعظم من سورة الحمد لأنها أم الكتاب، ولما فيها من أسماء رب الأرباب، وتوحيده جل جلاله، وتقدست أسماؤه، وفيما عظم الله من قدرها، وشرف سبحانه من أمرها ما يروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها أنه قال: ((والذي بعثني بالحق نبياً ما في التوراة ولا في الإنجيل الكريم ولا في الزبور ولا في القرآن العظيم مثلها، وإنها للسبع من المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته)).
ذكره في الأحكام، وفي معناه حديث أبي سعيد بن المعلى وقد مر من رواية المرشد بالله والبخاري وغيرهما، وأخرج البيهقي في الشعب: عن الحسن قال: أنزل الله مائة وأربعة كتب أودع علومها أربعة منها: التوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان، ثم أودع علوم التوراة والإنجيل والزبور الفرقان، ثم أودع علوم القرآن المفصل، ثم أودع المفصل فاتحة الكتاب، فمن علم تفسيرها كان كمن علم تفسير جميع الكتب المنزلة.
وأخرج أبو عبيد في فضائله: عن الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من قرأ فاتحة الكتاب فكأنما قرأ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان)).
وأخرج أبو عبيد وأحمد والدارمي والترمذي وصححه والنسائي وابن خزيمة وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو ذر الهروي في فضائل القرآن، والبيهقي في سننه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : خرج على أبي بن كعب فقال: ((يا أبي)) وهو يصلي فالتفت أبي فلم يجبه فصلى أبي فخفف ثم انصرف إلى رسولله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: السلام عليك يارسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((ما منعك أن تجيبني إذ دعوتك؟ فقال: يارسول الله كنت في الصلاة، فقال: أفلم تجد فيما أوحى الله إليَّ أن: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}[الأنفال:24]، قال: بلى، ولا أعود إن شاء الله، قال: أتحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولافي الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها، قال: نعم يارسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : كيف تقرأ في الصلاة؟ فقرأ بأم القرآن، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها، وإنها السبع من المثاني أو قال: السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيته)).
وأخرج الدارمي والترمذي وحسنه والنسائي وعبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند وابن الضريس في فضائل القرآن وابن جرير وابن خزيمة والحاكم وصححه من طريق العلاء عن أبيه، عن أبي هريرة عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثل أم القرآن، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيت وهي مقسومة بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل)).
وأخرج ابن الضريس في فضائل القرآن والبيهقي في الشعب: عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إن الله أعطاني فيما من به علي: إني أعطيتك فاتحة الكتاب وهي من كنوز عرشي ثم قسمتها بيني وبينك نصفين)).
وأخرج مسلم والنسائي وابن حبان والطبراني والحاكم عن ابن عباس قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس وعنده جبريل، إذ سمع نقيضاً من السماء من فوق، فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال: يا محمد هذا ملك قد نزل لم ينزل إلى الأرض قط، قال: فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسلم عليه فقال: أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ حرفاً منها إلا أوتيته.
وأخرج الحاكم وصححه ابن مردويه وأبو ذرالهروي والبيهقي في الشعب عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((أعطيت سورة البقرة من الذكر الأول، وأعطيت فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة من تحت العرش والمفصل نافلة)).
وفي تفسير القرطبي عن علي عليه السلام ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((فاتحة الكتاب وآية الكرسي و {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ}[آل عمران:18 ]و {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ}[آل عمران:26]، هذه الآيات معلقات بالعرش ليس بينهن وبين الله حجاب)). وقال أسنده أبو عمرو الداني في كتاب البيان له.
قلت: ورواه السيد العلامة عبد الله بن أحمد الشرفي في تفسيره المسمى بالمصابيح في تفاسير أهل البيت"، ونسبه إلى النجم الزاهر إلا أنه قال: مشفعات موضع معلقات ولم يذكر قوله بالعرش، ورواه أيضاً في الدر المنثور من حديث علي عليه السلام بأبسط من هذا، وسيأتي في سورة آل عمران إن شاء الله.
وعن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((أربع أنزلن من كنز تحت العرش لم ينزل منه شيء غير هذا، أم الكتاب، فإنه يقول: {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ}[الزخرف:4]،وآية الكرسي وخواتيم سورة البقرة والكوثر)) ذكره في الدر المنثور وقال: أخرجه أبو الشيخ في الثواب والطبراني وابن مردويه والديلمي والضياء المقدسي في المختارة، وهو في أمالي المرشد بالله قوله من كنز، الكنز: النفائس المدخرة.
قيل: وفيه إشارة إلى أنها ادخرت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم تنزل على من قبله والقرآن كله كذلك، وخص ما ذكر لشرفه. والحديث أخرجه ابن الضريس عن أبي أمامة موقوفاً.
وأخرج البخاري والدارمي في مسنده وأبو داود والترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه في تفاسيرهم: عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((الحمد لله رب العالمين أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني)).
وأخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه: عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((لأم القرآن هي أم القرآن وفاتحة الكتاب وهي السبع المثاني وهي القرآن العظيم)).
وأخرج الطبراني في الأوسط بسند ضعيف: عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من قرأ أم القرآن و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}[الإخلاص:1]فكأنما قرأ ثلث القرآن)).
وأخرج عبد بن حميد والفريابي عن ابن عباس قال: فاتحة الكتاب ثلث القرآن.
وأخرج عبد بن حميد بسند ضعيف عن: ابن عباس يرفعه إلىالنبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((فاتحة الكتاب تعدل بثلثي القرآن)).
وأخرج الحاكم وصححه، وأبو ذر الهروي في فضائله والبيهقي في الشعب عن: أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مسير له فنزل فمشى رجل من أصحابه إلى جنبه، فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((ألا أخبرك بأفضل القرآن)) فتلا عليه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[الفاتحة: 2].
وفي (أمالي المرشد بالله): أخبرنا ابن السواق، أنا الفرقدي، أخبرنا إبراهيم بن شريك، حدثنا أحمد بن عبد الله، حدثني سلام بن سليم، حدثني هارون بن كثير عن زيد بن أسلم، عن أبي أمامة، عن أبي بن كعب، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((يا أبي إن جبريل عليه السلام أمرني أن أقرأ عليك القرآن، وهو يقرئك السلام))، قلت: يارسول الله إنه كما كانت لي منك خاصة بقراءة القرآن خصني بثواب القرآن مما علمك الله وأطلعك عليه قال: ((نعم يا أبي أيما مسلم قرأ فاتحة الكتاب فكأنما قرأ ثلثي القرآن وكأنما تصدق على كل مؤمن ومؤمنة)).
وفي رواية قال صلى الله عليه وآله وسلم : ((أيما مسلم قرأ فاتحة الكتاب أعطي من الأجر كأنما تصدق على كل مؤمن ومؤمنة)).
أما الفرقدي فقد مر ذكره.
وأما إبراهيم بن شريك: فهو الأسدي روى عن أحمد بن عبد الله اليربوعي، قال في الطبقات: مقبول.
وأما أحمد بن عبد الله فذكر في الجداول من جملة الآخذين عن سلام بن مسلم أحمد بن عبد الله بن يونس وقال في ترجمته: أحمد بن عبد الله بن يونس الغدراني وذكر مشائخه، قال وعنه الشيخان وأبو داود، توفي سنة سبع وعشرين ومائتين، قال أبو حاتم: ثقة متقناً، احتج به الجماعة وروى له الأخوان والمرشد بالله والسيلقي.
وأما سلام: فقال في الجداول: سلام بن سلم، ويقال ابن سليمان أخذ عن الصادق وحمزة الزيات، ثم قال تكلموا فيه وكذبه بعضهم، وصحح روايته الإمام أحمد بن هاشم ويحيى الداني.
وأما هارون بن كثير فذكر في الجداول تصحيح الإمام أحمد بن هاشم لروايته لحديث فضائل القرآن وقال: إن الذهبي زعم أن هارون هذا مجهول، وأجاب بأن تعريف المرشد بالله كاف.
وأما زيد بن أسلم فهو ثقة مشهور وكان زين العابدين يجلس إليه، واعلم أن هذا الإسناد هو أحد الطريقين للحديث الطويل المتصل بأبي بن كعب في فضائل سور القرآن، وقد أورده الزمخشري وغيره في تفاسيرهم، وقد ادعى جماعة من المحدثين أنه موضوع.
قال في (تخريج الكشاف) (لابن حجر): حديث أبي بن كعب في فضائل القرآن سورة سورة.
أخرجه الثعلبي من طرق عن أبي بن كعب كلها ساقطة، وأخرجه ابن مردويه من طريقين، وأخرجه الواحدي في الوسيط وله قصة ذكرها الخطيب، ثم ابن الصلاح عمن اعترف بوضعه ولهذه روي عن أبي عصمة أنه اعترف بوضعه.
قلت: ولعل القصة المشار إليها هي ما روي أن المدعي لوضعه أراد ترغيب الناس في تلاوة القرآن وسيأتي الجواب عنها.
وأما أبو عصمة المذكور فهو: نوح بن أبي مريم وقد تقدم توثيق المنصور بالله له، وقال في الإتقان وغيره:
أخرج الحاكم في المدخل بسنده إلى أبي عمار المروزي أنه قيل لأبي عصمة الجامع من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟ فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي ابن إسحاق فوضعت هذا الحديث حسبة، وكان يقال لنوح هذا الجامع لما جمعه من العلوم فقيل: جمع كل شيء إلا الصدق.
وقال (أبو عمر بن عبد البر) و(عثمان بن الصلاح): وهكذا الحديث الطويل الذي يروى عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في فضل القرآن سورة سورة وقد بحث باحث عن مخرجه حتى انتهى إلى من اعترف بأنه وجماعة وضعوه وإن أثر الوضع عليه لبين، وقد أخطأ الواحدي المفسر ومن ذكره من المفسرين في إيداعه كتبهم، قال: في تنقيح الأنظار: لكن من أبرز إسناده منهم فهو أبسط لعذره إذ قد أحال نظره على الكشف عن سنده.
قلت: وقد ذكر الباحث عنه ابن حبان في مقدمة تاريخ الضعفاء، فقال: روى ابن مهدوي قال: قلت لميسرة بن عبد ربه: من أين جئت بهذه الأحاديث من قرأ كذا وكذا فله كذا؟ قال: وضعتها أرغب الناس فيها، وروينا عن المؤمل بن إسماعيل قال: حدثني شيخ بحديث أبي بن كعب في فضائل سور القرآن سورة سورة فقال: حدثني رجل بالمدائن وهو حي فصرت إليه فقلت له: من حدثك؟ قال: حدثني شيخ بواسط وهو حي فصرت إليه فقلت له: من حدثك؟ فقال: حدثني شيخ بالبصرة فصرت إليه فقلت له: من حدثك؟ فقال: حدثني شيخ بعبادان فصرت إليه فأخذ بيدي فأدخلني بيتاً فإذا فيه من المتصوفة وبينهم شيخ فقال: هذا الشيخ حدثني فقلت: يا شيخ من حدثك؟ فقال: لم يحدثني أحد ولكنا رأينا الناس قد رغبوا في القرآن فوضعنا لهم هذا الحديث ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن، وقد ذكر نحو هذا النووي، وقد أجاب عن ذلك الإمام أحمد بن هاشم عليه السلام في السفينة فقال: ما حاصله هذا باطل يجب طرحه لأربعة وجوه:
الأول: أن قوله وضعه رجل من عبادان غير مصدق لجواز أن يكون فاسقاً أو ملحداً، قاله تنقيصاً لقدر القرآن وتزهيداً في فضله، وأي فائدة في فضيلة باطنها الفساد وتلبيس الحق بالباطل، هذا مع الجهل بحال الرجل يعني المدعي للوضع.
الثاني: أنه لو كان معلوماً فلا يجوز تصديقه لتصريحه بأنه قد كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وحينئذ يجب تكذيبه وإطراح قوله - يعني فيما قاله من وضع الحديث-، فإن قيل: فما يؤمننا أن يكون صادقاً في قوله فنكون قد عملنا بما هو كذب في نفس الأمر.
قيل: هذا من منازعة النفس وملاحظتها لقوله وقد وجب طرحه، ويرجع النظر إلى طريق توصلنا إلى صحة الحديث وقد وجدت.
الثالث: أن الحديث قد رواه المرشد بالله في أماليه الكبرى، الذي قال فيها الشيخ محيي الدين القرشي رحمه الله: أن مؤلفها قد جمع فيها محاسن أخبار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعيونها، ورواها بأسانيد صحيحة عند علماء هذا الشأن، وقيد المواضع المشتبهة بتقييدات لا تكاد توجد في موضع.
وذكر الحكم عليها بالصحة في مقدمتها، ويكفي ذلك الكتاب شرفاً تلقي العترة له بالقبول واعتمادهم عليه، ورجوعهم إليه، قال: فروى الإمام الحديث من طريقتين صحيحتين متصلتين بأبي بن كعب اجتماعهما في هارون بن كثير فكيف يكذب إمام من أئمة المسلمين بتصديق كذاب، قال: كذبت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع: قال الإمام عليه السلام أنه قد ذكر في السفينة أذكاراً قرآنية بطرق مختلفة وجميعها شاهدة لصحة حديث أبي، فإن المروج لقبول رجل من عبادان استبعاد تلك الفضائل أو توهم الاتكال عليه، ونحن نقطع أن في بعض تلك الروايات ما هو أعظم أجراً مما تضمنه حديث أبي، فإن كان المرجع الصحة فهذه طرقها، وإن كان المرجع قبول الأذهان وحب تكذيب هذه كما كذب حديث أبي، والفرق تحكم، ولا يستبعد كثرة الثواب، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم لمن استبعد بعض الفضائل: ((خير الله أكثر وأطيب)).
هذا حاصل ما أجاب به الإمام في الوجه الرابع.
ونحن نقول: قد أتينا في هذه المسألة بما يشهد لصحة حديث أبي في الجملة، وبما يدفع الاستبعاد كما ذكره الإمام عليه السلام ، ثم إنا نقول ما ذكروه من رواية أبي عصمة عن ابن عباس شاهدة لرواية المرشد بالله لما مر من توثيق أبي عصمة وجلالته في العلم، ولا نسلم ما رووه عنه من وضع الحديث.
وأما أبو ميسرة فلو سلم أنه وضاع فلا نسلم وضعه لهذا الحديث الذي رواه المرشد بالله إذ ليس من رجال إسناده.
فإن قيل: قد نص على وضعه مؤمل بن إسماعيل العدوي وهو ثقة، وثقه ابن معين. وقال أبو حاتم: صدوق سديد، وهو ممن خرج مع إبراهيم بن عبد الله، وكان من أصحاب الثوري.
قيل: إن كان الذي ذكره ابن حبان هو هذا فلا يبعد أن يكون هؤلاء الذين رووا عنهم حتى وصل إلى شيخ المتصوفة من أعداء الإسلام هم وشيخهم، وأن شيخهم ادعى الوضع ليزهد الناس في فضائل القرآن كما مر.
وأما المؤمل فهو معذور؛ لأن الظاهر من حاله أنه لم يسمع الحديث إلا من تلك الطريقة، وبعد فإن المنصف إذا تأمل ما ذكره المرشد بالله من الإسناد ووجده سالماً عن ميسرة وأبي عصمة الذين قد جرحوهما، وعن شيخ الصوفية المجهول لم يجز منه أن يحكم على الحديث الثابت من هذه الطريقة الخالية عن هولاء المجروحين بالوضع لأجل أن قد رواه آخرون من غيرها، فتأمل واعلم أن ليس في رجال المرشد بالله عليه السلام أحد من هؤلاء الثلاثة المجروحين.
فالواجب على المنصف إن لم يكتف بتصحيح الإمام أحمد بن هاشم وغيره أن لا يجزم بوضع الحديث حتى يبحث عن رجال المرشد بالله، ثم: يحكم بعد ذلك بما ظهر له من صحة أو ضعف أو وضع أو غيرذلك بحسب ما يتحصل من البحث، وها هنا قاعدة فيما يجب على من سمع حديثاً أن يفعل، ذكرها العلامة المقبلي وهي أن الواجب على من سمع حديثاً أن يجعله في محل الاحتمال، ثم ينظر في أمارات الثبوت والانتفاء، فإن حصل ظن أو علم بالثبوت عمل به بلا شك في مثل ذلك الحكم إن قطعاً وإن ظناً، وينظر أيضاً في أمارات الانتفاء، فإن دل دليل على عدم صحته يوجب العلم وجب البيان، وإن كان ظنياً حكى ما وقع ولا يجوز نفيه إلا مع العلم حتى قال بعض المصنفين في علم الحديث: لوقال الكذوب كذبت في هذا الحديث لم يصدق في تكذيبه نفسه لجواز أن التكذيب كذب، ونعم ما قال إذا حققت هذا فانظر ما عليه المحدثون على اختلافهم في الجرأة والورع من الحكم بالوضع، تجد الكثير لتوهم معارضة بين الحديث وما هو أصح منه، أو لتأدية الحديث إلى عقيدة قد اعتقد خلافها أو نحو ذلك مع ضعف الملازمة أيضاً بينه وبين ما استدل به، ولو تتبع هذا لجاء منه المصنف أو التصانيف.
أما ما لم يبينوا وجه الحكم بوضعه فبالأولى أن يتوقف فيه، لاسيما بعد معرفة الأساليب عند البيان، بلى قد يوجب ريبة بحسب وجه الحكم بالوضع معرفة للآثار وفطنة للاستدلال وورعاً ونحو ذلك، غاية ما في الباب أن يقال: من مارس الشيء حدثت فيه قوة تنفع في المقصود حتى أن الممارسين للآداب إذا سمعوا البيت أو الفقرة من النثر قالوا: هذا نفس فلان، وهو أمر لاشك فيه في الجملة، فكيف كلام أفصح من نطق بالضاد وأوتي جوامع الكلم صلى الله عليه وآله وسلم .