المسألة الحادية عشرة [الاستدلال على جواز الدعاء في الصلاة]
استدل بعض أئمتنا بما اشتملت عليه الفاتحة من الدعاء على جواز الدعاء في الصلاة، وفي جوازه خلاف.
فقال أحمد بن عيسى والقاسم والناصر والمنصوربالله والإمام يحيى والشافعي ومالك: يجوز بخير الدنيا والآخرة، وقال زيد بن علي: يجوز بما كان مثله في القرآن، وقال المؤيد بالله: يجوز بخير الآخرة فقط، وقالت الحنفية: يجوز بالمأثور فقط، وقال الهادي: لا يجوز بحال.
قال (المؤيد بالله): ولا أعرف أحداً غير الهادي عليه السلام منع الدعاء بخير الآخرة.
احتج الأولون بما مر من اشتمال الفاتحة على الدعاء، وبما في آخر حديث ابن مسعود في التشهد: ((ثم يتخير من الدعاء أعجبه)). رواه جماعة من أصحابنا والمحدثين، وسيأتي في التشهد إن شاء الله.
وبما في العلوم قال: حدثنا أحمد بن صبيح، عن حسين بن علوان، عن جعفر، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من كانت له حاجة إلى الله فليدع بها في صلاة العشاء الأخيرة فإنها صلاة لم يصلها أحد من الأمم قبلكم)).
أحمد بن صبيح هو: اليشكري، قال في الجداول: توفي قريباً من المائتين، اعتمد عليه الأئمة، لا يقبل ما قاله فيه النواصب.
وعن عبيد بن القعقاع، قال: رمق رجل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يصلي فجعل يقول في صلاته: ((اللهم اغفر ذنبي ووسع لي في داري وبارك لي فيما رزقتني)). أخرجه أحمد لكن عبيد، ويقال حميد لا يعرف حاله والراوي عنه أبو مسعود الجريري، قال الحافظ: هو سعيد بن إياس، ثقة. أخرج له الجماعة، قال: وللحديث شاهد من حديث أبي موسى في الدعاء للطبراني، وقوله: رمق الرمق: اللحظ الخفيف.
وعن شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول في صلاته:((اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة علىالرشد، وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك، وأسألك قلباً سليماً ولساناً صادقاً، وأسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم وأستغفرك لما تعلم)). أخرجه النسائي.
قال في (النيل): ورجال إسناده ثقات، قالوا فهذه الأخبار تدل على جواز الدعاء بخيرالدنيا والآخرة.
وفي خبر ابن مسعود وخبرالعلوم رد لما ذهب إليه الحنفية، وأما ما ذهب إليه زيد بن علي فلم أقف له على حجة، ولعله يريد بمماثلته لما في القرآن أن يكون من الدعاء بما يحسن طلبه ولا إثم فيه إذ أدعية القرآن ليست إلا كذلك فلا يكون مخالفاً للقول الأول، ويحتمل أنه قصره على ذلك لما لا يؤمن معه من ارتكاب المحذور وسوء الأدب، وإذا كان الدعاء مطابقاً لما في القرآن فلا يقدر فيه ذلك، وعلى هذا فلا ينبغي للداعي أن يدعو إلا بما معناه المطابقي في القرآن كأن يقول: اللهم اعطني في الأولى حسنة وفي الأخرى رحمة ونجني من النار ونحو ذلك، وقد قال ابن المنير: الدعاء بأمور الدنيا في الصلاة خطر وذلك أنه قد يلتبس عليه الأمور الجائزة بالمحظورة، فيدعو بالمحظورة فيكون عاصياً متكلماً في الصلاة فتبطل صلاته وهو لا يشعر، ألا ترى أن العامة يلتبس عليها الحق بالباطل، فلو حكم حاكم على عامي بحق فظنه باطلاً فدعا على الحاكم بطلت صلاته.
قال: وتمييز الحظوظ الجائزة من المحرمة عسر جداً، فالصواب ألا يدعو بدنيا إلا على تثبت من الجواز، واستثنى بعض الشافعية من مصالح الدنيا ما فيه سوء أدب كقوله: اللهم اعطني امرأة جميلة هنها كذا، ثم يذكر أوصاف أعضائها، ولعل المؤيد بالله قصر الدعاء على خير الآخرة لنحو ما ذكر من الخطر، لكنه لا ينبغي التعميم حتى يتناول ما طابق القرآن أو ورد به الأثر، وكذا ما طابقه وما أمن معه الوقوع في المحظور وسوء الأدب لما مر، وأما اقتصار الحنفية على المأثور فلحديث: ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس))، ويحتج لهم أيضاً بما مر من خوف ارتكاب المحظور، وأجيب بأنما في حديث ابن مسعود وخبر العلوم من العموم يفيد مطلق الإذن، وأما حديث ((إن صلاتنا هذه...)) إلخ فقد أجيب عنه بأنه قال فيه: إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، وهم لم يعملوا بظاهر الحصر المستفاد من إنما بل أجازوا ما ورد به الشرع من المأثور لقيام الدليل عليه، فإذا جاز المأثور جاز غيره لورود ما يدل عليه وهو العموم، وبالقياس على المأثور إذ لا فارق، وأما التعليل بخوف ارتكاب المحظور، فجوابه: أن الدعاء بما لا يجوز محظور في الصلاة وغيرها، فلو منع الدعاء في الصلاة لهذه العلة للزم منعه في غيرها، وإنما على الداعي تجنب ما علمه محظوراً أو ظنه، على أن كثيراً من الأدعية التي يتخيرها الناس لا يتطرق إليها احتمال الحظر ولا سوء الأدب، فغايته أنه يجب اجتناب ما يظن فيه احتمال ذلك فقط، وأما ما ذهب إليه الهادي عليه السلام من المنع بكل حال إلا بالقرآن فقد احتج له في البحر وغيره بما في شرح التجريد.
قال: أخبرنا أبو العباس الحسني رحمه الله، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدثنا يونس بن حبيب، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا حرب بن شداد وأبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السلمي قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعطس رجل فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم فقلت: واثكل أماه ما لي أراكم تنظرون إلي وأنا أصلي، فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم يصمتونني، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاته بأبي وأمي ما رأيت أحداً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه والله ما كهرني ولا سبني ولا ضربني ولكنه قال: ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما الصلاة التسبيح والتحميد وقراءة القرآن)).
ابن أبي حاتم هو: عبد الرحمن بن محمد بن أبي حاتم الإمام الحافظ، له مصنفات تدل على تقدمه وحفظه، أثنى عليه العلماء، توفي في محرم سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، وذكره أبو الفضل السليماني في الشيعة المحدثين، روى له الأخوان.
وأما يونس فذكره في الجداول ساكتاً عن بيان حاله.
أما أبو داود الطيالسي فهو: سليمان بن داود الجارود البصري الطيالسي الحافظ، وثقه أحمد وغيره، وقال وكيع: جبل العلم، توفي سنة أربع ومائتين، احتج به مسلم والأربعة، وروى له الأخوان.
وأما حرب فهو: ابن شداد اليشكري، أبو الخطاب البصري، وثقه أحمد، توفي سنة إحدى وستين ومائة، احتج به الجماعة إلا ابن ماجة، وروى له المؤيد بالله.
وأما أبان فهو: ابن يزيد العطار، أحد رجال العدل، ووثقه غير واحد.
أما هلال فقال في الجداول: هو ابن أسامة أو ابن علي بن أسامة، وقال في ترجمة هلال بن أسامة أنه القرشي العامري مولاهم المدني عن أنس.
وعطاء بن يسار. قال (النسائي): ليس به بأس، ووثقه الذهبي، توفي في إمارة هشام، احتج به الجماعة، وروى له المؤيد بالله والمرادي، وأما عطاء فكان من رجال العدل، أخذ عنه الباقر، ووثقه ابن معين وغيره، توفي سنة ثلاث أو سبع وتسعين، احتج به الجماعة، وروى له أئمتنا الأربعة، وفي المناقب، والحديث رواه في الشفاء وأصول الأحكام، وأخرجه مسلم من طريق محمد بن الصباح وأبي بكر بن أبي شيبة عن إسماعيل بن إبراهيم عن حجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير بسنده إلا أنه قال: إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، ثم قال: أو كما قال صلى الله عليه وآله وسلم .
ومحمد بن الصباح هو: الدولابي أبو جعفر الرازي ثم البغدادي البزار صاحب السنن، أخذ عنه الشيخان وغيرهما، وثقه أحمد ويحيى وأبو حاتم ويعقوب والعجلي والذهبي، توفي سنة سبع وعشرين ومائتين.
احتج به الجماعة، وروى له أبو طالب والمرشد بالله.
وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي وابن حبان والبيهقي وأبو داود وقال: لا يحل مكان لا يصلح.
وفي رواية لأحمد: إنما هي التكبير والتسبيح والتحميد وقراءة القرآن.
قوله: وآثكل أماه، وفي رواية مسلم أمياه بكسر الميم بعدها ياء مثناة من أسفل، والثكل بضم الثاء وإسكان الكاف وبفتحهما لغتان وهو: فقدان المرأة ولدها وحزنها عليه، وقوله بأبي وأمي متعلق بمحذوف تقديره أفديه. والكهر: النهر، وقيل: العبوس في وجه من تلقاه. والسب: الشتم، وهو في صحيح مسلم بلفظ شتمني، وفي معناه أحاديث في النهي عن الكلام في الصلاة، منها ما في الاعتصام منسوباً إلى الجامع الصغير للسيوطي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، قال: نهينا عن الكلام في الصلاة إلا بالقرآن والذكر.
قال: أخرجه الطبراني، ووجه الاحتجاج بذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنكر التشميت، ونهى عن الكلام، وقصر ما يجوز في الصلاة على ما ذكر في الحديث.
قالوا: وإذا فرض التعارض بين هذا وبين ما مر، فدليلنا أرجح للحظر ولاعتضاده بإجماع العترة على منع آمين مع كونه دعاء.
وأجيب: عن إنكارالتشميت بأنه تكليم للغير وليس بدعاء، ومحل النزاع تكلم هو دعاء.
قلت: وفي هذا الجواب نظر إذ التشميت دعاء، ولعل الأولى أن يقال: لم ينكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم التشميت وإنما أعلمه أن الكلام في الصلاة لا يصلح، وليس في تعليمه إنكار، ولو سلم فالإنكار لقوله وآثكل أماه ...إلخ، وأما النهي عن الكلام فلا حجة فيه على منع الدعاء إذ نقول بموجبه وهو متوجه إلى مخاطبتهم ومحاورتهم وما جرى مجرى ذلك وإن كان في أصل وضعه للدعاء كرد السلام إذ لا يقصد به في الغالب إلا مجرد الخطاب والخروج عما يوهم الوحشة ونحوها، ولعله يقال في التشميت مثله، وأما الحظر فيما ذكر فغاية ما فيه أنه يدل على منع الدعاء بمفهومه وهو لايقاوم المنطوق، على أنه لا قائل بالحظر في الأمور المذكورة فإن التشهد خارج عنها، وكذا التسليم وهما مشروعان، وعلى هذا فمعنىالحديث إنما هي هذه المذكورة وما هو في معناها من الدعاء والتشهد والتسليم وغير ذلك مما ورد به الشرع، وحديث ابن مسعود عام فيتناول كل ذكر، دل مفهوم حديث ابن الحكم على خروجه.
وقال بعض المحققين: إن الأحاديث المثبتة لأذكار وأدعية مخصوصة في الصلاة مخصصة لعموم مفهوم الحصر، وبناء العام على الخاص واجب سيما بعد ما تقرر أن تحريم الكلام كان بمكة وأكثر الأدعية والأذكار في الصلاة كان بالمدينة، وقد خصصوا هذا العموم بالتشهد فما وجه امتناعهم من التخصيص بغيره، وأما الترجيح بالحظر فالترجيح فرع التعارض ولا تعارض مع ما ذكرنا، ولو سلم فترجح أدلة الجواز لأنها مثبتة، وأما دعوى إجماع العترة على منع آمين فلا نسلم، سلمنا فلم يمنعوه لكونه دعاء وإلا لما أجاز بعضهم الدعاء.
واعلم أن أدلة جواز الدعاء في الصلاة كثيرة فمنها ما هو مطلق في جملة الصلاة، ومنها ما هو مقيد بموضع مخصوص، فما كان مقيداً بالركوع والسجود ونحوهما فلا نستوفي الكلام عليه إلا في مواضعه إذ هي أخص به، ولأن في شرعية بعضها اختلافاً بين من يجيز الدعاء في الصلاة فكان تأخيرها إلى مواضعها أولى لأجل ذكر ما يتعلق بها من الخلاف، وأما ما كان مطلقاً أو متعلقاً بالقراءة بأن يفعل قبلها أو حالها فإنا نأتي به في هذا الموضع فنقول: أما الأدلة المطلقة فقد مر بعضها، ومنها ما رواه المرشد بالله عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن أبا بكر قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : علمني دعاءً أدعو به في صلاتي، قال: ((قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم))، وأخرجه الشيخان.
وعن فضالة بن عبيد قال: سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلاً يدعو في صلاته فلم يصل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((عجل هذا))، ثم دعاه، فقال له أو لغيره: ((إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه ثم ليصل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم ليدع بعد بما شاء)) رواه الترمذي وصححه، وأخرجه أيضاً أبوداود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وفيه رد لمذهب الحنفية، وكذلك زيد بن علي والمؤيد بالله.
وفي أمالي المرشد بالله عليه السلام أخبرنا ابن ريذة، أنا الطبراني، حدثنا الحسين بن إسحق، ثنا الحماني، ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي المهلب، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة: ما دنوت من نبيكم صلى الله عليه في صلاة مكتوبة ولا تطوع إلا سمعته يدعو بهولاء الكلمات لا يزيد فيهن ولا ينقص، منهن: ((اللهم اغفر لي ذنوبي وخطاياي كلها، اللهم أنعشني واجبرني واهدني لصالح الأعمال والأخلاق فإنه لايهدي لصالحها ولا يصرف سيئها إلا أنت)).
قال في (الجداول): الحسين بن إسحق التستري عن عباد بن يعقوب وغيره، وعنه الطبراني.
وأما الحماني فهو: يحيى بن عبد الحميد، أحد ثقات الشيعة، وقد وثقه ابن معين.
وأما أبو بكر بن عياش فهو: الأسدي، مولاهم الخياط المقري، وثقه ابن معين وأحمد، وقال ربما غلط، وقال ابن عدي: لم أجد له حديثاً منكراً إذا روى عنه ثقة، توفي سنة ثلاث وتسعين ومائة.
احتج به البخاري والأربعة، وروى له أئمتنا الخمسة والناصر وفي كتاب حي على خير العمل.
وأما أبو المهلب فهو: مطرج -بالجيم- ابن يزيد الأسدي، أبو المهلب الشامي الكوفي، قال في الجداول: ضعِّف.
احتج به ابن ماجة، وروى له المرادي وأبو طالب والمرشد بالله.
وأما عبيد الله فهو: ابن زحرالضمري الأفريقي مولى أبي كنانة، قال أبو زرعة: صدوق، وقال النسائي: لابأس به، توفي بعد المائتين، احتج به الأربعة، وروى له المرادي وأبو طالب والمرشد.
وأما علي بن يزيد فهو: ابن أبي هلال الألهاني، قال الذهبي: صالح، ووثقه أحمد وابن حبان، توفي سنة عشر ومائة.
احتج به الترمذي وابن ماجة، وروى له المرادي وأبو طالب والمرشد بالله والسمان.
وأما القاسم فهو: ابن عبد الرحمن الدمشقي أبو عبد الرحمن مولى بني أمية، أرسل عن علي وسلمان والكبار، وقيل إنه لم يسمع إلا من أبي أمامة، وثقه ابن معين والعجلي والترمذي، قال يعقوب: ومنهم من يضعف روايته.
قال في (تخريج المجموع): يعني أن الضعف من قبل رواية الضعفاء عنه لا من قبل روايته فإنه ثقة، توفي سنة اثنتي عشرة ومائة.
احتج به الأربعة، وروى له المرادي وأبو طالب والمرشد بالله والسيلقي والنيروسي.
وعن رفاعة بن رافع قال: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعطست، فقلت: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، فلما صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((من المتكلم في الصلاة))، فلم يتكلم أحد، ثم قالها الثانية، فلم يتكلم أحد، ثم قالها الثالثة، فقال رفاعة: أنا يارسول الله، فقال: ((والذي نفسي بيده لقد ابتدرها بضع وثلاثون ملكاً أيهم يصعد بها))، أخرجه النسائي والترمذي، والبضع: ما بين الثلاث إلى التسع، أو إلى الخمس أو ما بين الواحد إلى الأربعة أو من أربع إلى تسع أو سبع، كذا في القاموس.
قال (الفراء): ولا يذكر البضع مع العشرين إلى التسعين، وكذا قال الجوهري.
والحديث يرد ذلك، وفيه دلالة على جواز الذكر بغيرالمأثور، وعلى جواز رفع الصوت بالذكر، وعلى مشروعية الحمد في الصلاة لمن عطس، ويؤيده عموم الأحاديث الواردة في ذلك فإنها لم تفصل.
وفي صحيح مسلم حدثني: محمد بن سلمة المرادي، حدثنا عبد الله بن وهب عن معاوية بن صالح يقول: حدثني ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي الدرداء قال: قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسمعناه يقول: ((أعوذ بالله منك)) ثم قال: ((ألعنك بلعنة الله))، ثلاثاً وبسط يده كأنه يتناول شيئاً، فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله قد سمعناك تقول في الصلاة شيئاً لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك، فقال: ((إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت أعوذ بالله منك ثلاث مرات، ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة فلم يستأخر ثلاث مرات، ثم أردت أخذه والله لولا دعوة أخينا سليمان عليه السلام لأصبح موثقاً يلعب به ولدان أهل المدينة)).
معاوية بن صالح هو: الحضرمي أحد الأعلام، وثقه جماعة، وروى له أئمتنا الخمسة.
وأما ربيعة فهو: ابن زيد الدمشقي، وثقه النسائي، واحتج به الجماعة، وروى له أبو طالب والمرشد والمرادي.
وأما أبو إدريس فهو: الخولاني الشامي، وثقه النسائي، وأثنى عليه غيره، توفي عام ثمانين.
احتج به الجماعة، وروى له الثلاثة المذكورون، وفي الجداول أنه كان قاضياً لمعاوية بدمشق، وذكر ابن الأثير وفاته سنة ستين.
والحديث كما قال بعض شراح صحيح مسلم: دليل لجواز الدعاء لغيره وعلى غيره بصيغة المخاطبة خلافاً لابن شعبان من أصحاب مالك في قوله: إن الصلاة تبطل بذلك.
قال (النووي): وكذا قال أصحابنا تبطل الصلاة بالدعاء لغيره بصيغة المخاطبة كقوله للعاطس: رحمك الله أو يرحمك الله، ولمن سلم عليه وعليك السلام وأشباهه.
قال: والأحاديث في السلام على المصلي تؤيد ما قاله أصحابنا فيتناول هذا الحديث، أو يحمل على أنه كان قبل تحريم الكلام في الصلاة أوغير ذلك.
قلت: أما منع الدعاء على الغير مطلقاً فيرده أنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن أمير المؤمنين عليه السلام الدعاء على أعدائهم وتسمية بعضهم بأسمائهم، وأما منعه بصيغة الخطاب فهذا الحديث وعموم أدلة جواز الدعاء ترده ولا موجب للتأويل، ودعوى النسخ لا يثبت إلا بدليل، بل الظاهر عدم احتمال النسخ لأن تحريم الكلام كان بمكة كما تدل عليه رواية ابن مسعود، وهذا الدعاء كان في المدينة لأن أبا الدرداء أنصاري ولم يسلم إلا بعد بدر.
وأما حديث رد السلام فقد مر أن السلام قد خرج في الاستعمال عن الدعاء، وكذلك تشميت العاطس أن جعل النهي متوجهاً إليه.