احتج به الجماعة، وروى له المؤيد بالله والمرادي، والحديث أخرجه الترمذي ومالك في الموطأ، ذكره في الروض وصرح برفعه، ونسبه في النيل إليهما إلا أنه جعله موقوفاً وقال إن الترمذي صححه، ولعله وهم في وقفه. والله أعلم.
ومن أدلتهم ما ذكره الجلال وهو القياس على من غفل عن السماع حتى لا يدري ما قرأ الإمام، قال فإنه لا يقرأ اتفاقاً، وعلى الخطبة في عدم اعتبارسماعها.
احتج أهل القول الثالث بما رواه عبادة بن الصامت قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصبح فثقلت عليه القراءة فلما انصرف قال: ((إني أراكم تقرءون وراء إمامكم))، قال: قلنا يارسول الله إي والله، قال: ((لاتفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لاصلاة لمن لا يقرأ بها)). رواه أبو داود والترمذي، وفي لفظ: ((فلا تقرءوا بشيء من القرآن إذا جهرت به إلا بأم القرآن)). رواه أبو داود والنسائي والدارقطني وقال كلهم ثقات، ورواه المؤيد بالله بمعناه في شرح التجريد مرسلاً، ورواه أحمد والبخاري في جزء القراءة، وصححه ابن حبان والحاكم والبيهقي من طريق ابن إسحق عن مكحول وتابعه زيد بن واقد وغيره عن مكحول.
وقال (الهيثمي): رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون.
وعن عبادة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((لا يقرأن أحد منكم شيئاً من القرآن إذا جهرت بالقراءة إلا بأم القرآن)). رواه الدارقطني وقال: رجاله كلهم ثقات.
ومن شواهده ما رواه أحمد من طريق خالد الحذاء عن أبي قلابة عن محمد بن أبي عائشة عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لعلكم تقرءون والإمام يقرأ، قالوا: إنا لنفعل، قال: لا، إلا بأن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب)). قال الحافظ: إسناده حسن، ورواه ابن حبان من طريق أيوب عن أبي قلابة عن أنس وزعم أن الطريقتين محفوظتان، وخالفه البيهقي فقال: إن طريق أبي قلابة عن أنس ليست بمحفوظة.
وقال في (الروض): ذكر عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى بأصحابه فلما قضى صلاته أقبل عليهم فقال: ((أتقرءون في صلاتكم خلف الإمام والإمام يقرأ فسكتوا، قالها ثلاث مرات، فقال قائل أو قال قائلون: إنا لنفعل، قال: فلا تفعلوا ليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه)). رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط ورجاله ثقات، وأخرجه أيضاً ابن حبان والبيهقي، ذكره في النيل قال: وأخرجه عبد الرزاق عن أبي قلابة مرسلاً، قالوا: فهذه الأخبار صريحة فيما ذهبنا إليه وهي مخصصة لعموم ما استدل به أهل القولين الأولين إذ قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ}[الأعراف:204 ]عام للفاتحة وغيرها، وهذه الأخبار مخصصة للفاتحة. وكذلك ما احتجوا به من الأخبار فإنها عامة مخصوصة بالفاتحة، على أن الآية ليست نصاً في القراءة خلف الإمام للاختلاف في سبب نزولها، ولو سلم ثبوت ذلك فقد روي أنها نزلت في رفع الصوت بالقراءة خلف الإمام وهو غير محل النزاع، إذ محله في القراءة خلف الإمام سراً، وكذلك بعض الأخبار التي احتجوا بها، كحديث: ((مالي أنازع القرآن))، فإن المنازعة المجاذبة كما مر، وذلك لا يكون إلا مع الجهر، وكحديث: ((خلطتم علي فلا تفعلوا))، إذ السياق مشعر بأن النهي كان لأجل التخليط وذلك لا يكون إلا مع الجهر فكأنه نهى عن الجهر الذي يكون سبباً للتخليط.
وأما ما ذكره في الاعتصام من أن قوله: ((إلا بفاتحة الكتاب)) زيادة مصادمة لصريح قوله: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا}[الأعراف:204].
فجوابه: أنا قد ذكرنا أن الآية ليست نصاً في القراءة خلف الإمام.
سلمنا فقد حكى الرازي عن بعض أهل اللغة أن المراد بالإنصات ترك الجهر، ولئن لم يصح هذا فتخصيص الكتاب والسنة المتواترة بالآحاد جائز، على أنه قد ادعى المقبلي أن الأحاديث الدالة لمذهب الشافعي متعددة صريحة بحيث لا يبعد ادعاء التواتر فيها، ذكره في المنار، وقد قواها هو وغيره بعموم أحاديث: ((لاصلاة إلا بفاتحة الكتاب)) للمؤتم وغيره، والبراءة من عهدتها إنما تحصل بناقل صحيح لا بمثل هذه العمومات التي اقترنت بما يجب تقديمه عليها، وقد استدل الرازي على المسألة بعموم حديث المسيء، وبحديث: ((قسمت الصلاة...)) إلخ فجعل التنصيف من لوازم الصلاة، وهو لا يحصل إلا بقراءة الفاتحة، فوجب أن تكون قراءتها من لوازم الصلاة.
قال: وهذا التنصيف قائم في صلاة المنفرد وفي صلاة المقتدي.
وأما القول الرابع وهو ما ذهب إليه الناصر من أنه يقرأ الفاتحة وثلاث آيات فمبني على ما روي عنه من وجوب الزيادة على الفاتحة، لكنه يدفع شرعية الزيادة هنا حديث عبادة.
نعم قد ورد ما يدل على الزيادة في الأوليين، ولعله مراد الناصر عليه السلام وذلك ما أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه عن علي عليه السلام أنه كان يأمر أن يقرأ خلف الإمام في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة وفي الأخريين بفاتحة الكتاب، وهذه الرواية عن علي عليه السلام تقوي حمل ما مر عنه من النهي عن القراءة مطلقاً على غير الفاتحة، وعلى ما وقع به التخليط على الإمام، وقد سلك بعض المتأخرين طريقاً أخرى بها يحصل الجمع بين الأدلة وهي أن يحمل ما يقتضي النهي عن القراءة والأمر بها على جواز الأمرين.
أما أحاديث النهي فلأنه قد ورد ما يدل على عدم قبح قراءة الفاتحة خلف الإمام وهو حديث جابر؛ إذ لم يدل إلا على تحمل الإمام والتحمل لا ينافي الجواز.
وأما ما يقتضي كونها مأموراً بها كحديث: ((لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب))، -الفاتحة- فغاية ما يدل عليه جواز قراءة الفاتحة لأن الاستثناء من النهي إباحة نحو لا تجالس من القوم إلا زيداً. وما ورد من قوله فإنه لا صلاة لمن لا يقرأ بها، فمحمول على أنها عمدة الصلاة في غير حالة التحمل، ويؤيد هذه الطريقة خلو مقامات التعليم عن ذكر قراءة المؤتم مع اشتمالها على تعليم المندوبات التي لا تساوي هذه القراءة في الاهتمام نحو ما شمله حديث أبي هريرة في الصحيحين: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا لك الحمد...)) الخبر.
وتقدم من روايته: ((وإذا قرأ فأنصتوا))، فلو كانت القراءة خلف الإمام واجبة لما ترك بيانه في هذه المواضع، والبيان للواجب يكون بأول ما يصدر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قول أو فعل، ويزيده وضوحاً ما ورد في بعض الروايات: ((هل تقرءون إذا جهرت))، فإنه يدل أنه لم يكن لهم عادة لازمة بالقراءة وعدمها لا بالفاتحة ولا بغيرها، ولو كانت واجبة علىا لمؤتمين لما وقع استفهامه إياهم عن الفعل والترك، ولما جاز إقرارهم على ذلك فيما تقدم من الصلوات، وهذا حاصل ما قاله سالك هذه الطريقة، ثم قال: فذلك دليل على أن الأمر واسع مما ضيق به أهل المذاهب على نفوسهم من إيجاب البعض للقراءة وإيجاب الآخرين للإنصات، ثم إن في بعض الروايات تصريح بانفراد بعض المؤتمين بالقراءة التي أنكرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو قوله: ((هل قرأ معي أحد منكم آنفاً))، فإنه يدل على سكوت الباقين، ثم لم يقل هل قرأ معي أحد غير الفاتحة، وكل ذلك يدل على اختلاف حالهم بالفاتحة وغيرها.
قال: فهذه قرائن قوية في صرف الوجوب المدعى إلى الندب، واعترضه في الروض بأن حمله لحديث عبادة، على أن المراد بأن قراءة الفاتحة عمدة الصلاة في غير حالة التحمل، يرد عليه منافاته للسياق فإنه وارد في القراءة خلف الإمام وهو منطوق يجب تقديمه على المفهوم المأخوذ منه عدم الوجوب.
قلت: أراد بالمأخوذ منه عدم الوجوب ما في حديث جابر من قوله: ((إلا وراء الإمام))، ويجاب بأن هذا ليس بمفهوم، بل هو منطوق غايته أن فيه حذف دل عليه السياق، إذ الاستثناء من المنفي وهو الصلاة، إذ التقدير من لم يقرأ الفاتحة فلم يفعل الصلاة إلا وراء الإمام فإنه يكون فاعلاً لها وإن لم يقرأ الفاتحة ومادل عليه السياق واقتضاه اللفظ بحيث لا تقم الفائدة من دونه كان منطوقاً، فينتفي ترجيح حديث عبادة، ويجب إما الجمع بينهما بما ذكر أو بغيره مما يمكن، أو الرجوع إلى غيرهما.
واعلم أن المؤيد بالله وغيره من أصحابنا قد جمعوا بين الأدلة بحمل أدلة التحمل والنهي عن القراءة على حالة الجهر، وأدلة وجوب الفاتحة على حالة الإسرار وأوجبوا قرآناً معها لما مر، وأما الهادي فاقتصر في الاستدلال على المسألة بالآية. ورواه عن جده القاسم، وتقرير كلامهما في الاحتجاج بها على نحو ما مر من أن الاستماع والإنصات إنما يكون مع الجهر، وأن من قرأ فلم يستمع ولم ينصت، وأنه إذا لم يجهر الإمام فقد بطل وجوب الإنصات ووجبت القراءة، وظاهر كلام الهادي أن الآية نزلت في القراءة خلف الإمام لأنه قال فأمر تبارك وتعالى بالإنصات والاستماع لقراءة الإمام وفي اقتصارهما على الاحتجاج بها دليل على أنه يجب الرجوع إلى ظواهر القرآن عند تعارض الأخبار فعلى الناظر التأمل، فإن لم يحصل له ما يدفع التعارض من ترجيح صحيح أو جمع لايوجب التعسف تعين عليه الرجوع إلى ظاهر الآية وترجيح ما طابقها، والأمر في ذلك واضح.
نعم رواية الأ حكام عن القاسم صريحة في كراهة القراءة خلف الإمام فيما جهر فيه، ومثله في شرح التجريد عن ابن طاهرالعلوي فإذا حملنا الكراهة خلف الإمام في الجهرية على حقيقتها كانت نصاً في جواب القراءة وإن كانت خلاف الأولى فيكون وجه الجمع بين الأدلة في حالة الجهر. والله أعلم.
تنبيه [هل تفسد صلاة المختلفين]
لو خالف المصلي بعض هذه الأربعة المذاهب فهل تفسد صلاته عند من خالفه؟
قيل: أما أهل القول الأول فروى في البحر عن القاسمية أنه إذا قرأ وهو يسمع قراءة الإمام فسدت صلاته، قال المرتضى: ولو ناسياً وهو المصحح للمذهب إذ النهي للفساد.
وقال (المؤيد بالله): لا تفسد، قال في الثمرات: وحكاه أبو جعفر عن أكثر العلماء والوجه أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمر من جهر حال جهره بالإعادة.
وأما أهل القول الثاني فلم أقف لهم على نص إلا ما روي عن أبي حنيفة من أنه إذا قرأ لم تفسد صلاته، ولعل وجهه حديث جابر.
وأما أهل القول الثالث فالظاهر من قولهم فسادها بترك قراءة الفاتحة إذ هي فرض عندهم، وممن نص على فسادها الرازي، ومقتضى دليل وجوب الفاتحة والزيادة عليها يقضي بالفساد على مذهب الناصر إن تركت القراءة، ولم أقف له على نص.
تنبيه [في وجوب الإنصات]
قال أهل المذهب: وإنما يجب الإنصات عند جهر الإمام إذا سمع قراءته، فأما إذا لم يسمع لبعد أوصمم وجبت عليه القراءة وإلا فسدت؛ لأنه إذا لم يسمع القراءة من الإمام لا يحصل له العلم بأنه قد قرأ فلا يمكنه أن يجعل قراءته بدل قراءة نفسه، هكذا في شرح التجريد، واستدل لهم في الثمرات بأنه لا دليل على سقوطها -يعني مع عدم السماع-.
وقال (النووي): ولو كان بعيداً عن الإمام لا يسمع قراءته فالصحيح أنه يقرأ السورة لما ذكرنا من أن المأموم يقرأ السورة في السرية؛ لأنه لا يسمع فلا معنى لسكوته، ولقائل أن يقول: العلة في النهي عن القراءة وقوع المنازعة والتخليط وذلك حاصل مع جهر الإمام بالقراءة، فيجب أن يقرأ سراً أو يسكت ويتحمل عنه الإمام، فإن قيل: الآية لم توجب الإنصات إلا للاستماع لقراءة الإمام.
قيل: بل لئلا ينازعه أو يخلط عليه كما تفيده رواية ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قرأ في الصلاة المكتوبة وقرأ أصحابه رافعين أصواتهم فخلطوا عليه فنزلت الآية: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا} [الأعراف:204]. رواه في منتهىالمرام وفي معناه روايات.
وقال (الشوكاني): ظاهر الأحاديث المنع من قراءة ما عدا الفاتحة من القرآن من غير فرق بين أن يسمع المؤتم الإمام أو لا يسمعه؛ لأن قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((فلا تقرءوا بشيء من القرآن إذا جهرت))، يدل على النهي عن القراءة عند مجرد وقوع الجهرمن الإمام، وليس فيه ولا في غيره ما يشعر باعتبار السماع، ذكره في النيل، ويؤيد ما ذكرناه من أن العلة منازعة الإمام والتخليط عليه حديث عمران بن الحصين: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى الظهر فجعل رجل يقرأ خلفه سبح اسم ربك الأعلى، فلما انصرف، قال: ((أيكم قرأ أو أيكم القارئ؟ فقال رجل: أنا، فقال: لقد ظننت أن بعضكم خالجنيها)). متفق عليه.
ومعنى خالجني: نازعني وشكك عليَّ، قال في النيل: ومعنى هذا الكلام الإنكار عليه في جهره أو رفع صوته بحيث أسمع غيره لا عن أصل القراءة، بل فيه أنهم كانوا يقرءون بالسورة في الصلاة السرية، وفيه إثبات قراءة السورة في الظهر للإمام والمأموم.
قلت: وفيه رد على من منع من قراءة المؤتم في السرية.
تنبيه [في الاختلاف في القراءة بعد الإمام في الجهرية]
اختلف القائلون بشرعية قراءة الفاتحة خلف الإمام فيما جهر فيه في أمرين:
أحدهما: في الموضع الذي يقرأ فيه خلف الإمام، فقال بعضهم: حديث عبادة وما في معناه يدل على الإذن بقراءة الفاتحة من غير قيد، وبه قال الحافظ واختاره الشوكاني، إلا أنه قال: فعلها عند سكتات الإمام أحوط؛ لأنه يجوز عند أهل القول الأول فيكون فاعل ذلك آخذاً بالإجماع.
وقال بعضهم: بل يتبع بها سكتات الإمام لاجتماع الآثار على أن القراءة حال جهر الإمام مكروهة كراهة شديدة، وأن الفاتحة تجب قراءتها على المأموم.
قال (النووي): ينبغي أن يطول الإمام السكتة التي عقيب الفاتحة بقدر ما يقرؤها المأموم فيها، قال وصار عليه عمل من عرفنا من الشافعية، وفي شر ح القسطلاني أن منهم من يقول بتعيين السكوت على الإمام في الجهرية ولم يعين موضعه، قال ليقرأ المأموم لئلا يوقعه في ارتكاب النهي حيث لا ينصت إذا قرأ الإمام.
وقد روي ما يدل على أن محل القراءة بعد التكبيرة الأولى قبل قراءة الإمام وذلك في حديث ابن عمر، وقد مر في المسألة الثانية وأخرجه ابن ماجة.
قال في (الروض): وفي رواية من صلى مع الإمام فجهر فليقرأ بأم القرآن في بعض سكتاته. قيل: وما في الرواية الأولى من قوله قبله مبين لهذه الرواية.