وأجيب بأن الحديث لم يثبت، وقد استوفينا الكلام عليه تضعيفاً وتأويلاً في البسملة، وقال الظفاري: فيه الوازع بن نافع متروك.
قلت: الوازع هو العقيلي، الجزري، قال في الجداول: تكلموا عليه بغير حجة.
واحتج به الطبراني في الكبير، وروى له أبوطالب والمرشد بالله.
الوجه الثالث: ما أخرجه البيهقي عن أبي نضرة قال: كنا عند عمران بن حصين فكنا نتذاكر العلم، فقال رجل: لا تتحدثوا إلا بما في القرآن، فقال عمران: إنك لأحمق أوجدت في القرآن صلاة الظهر أربع ركعات والعصر أربعاً ولا تجهر بالقراءة في شيء منها والمغرب ثلاثاً تجهر في ركعتين منها، ولا تجهر بالقراءة في ركعة، والعشاء أربع ركعات، تجهر بالقراءة في ركعتين منها ولا تجهر بالقراءة في ركعتين، والفجر ركعتين تجهر بالقراءة فيهما.
وأجيب: بأن في إسناده علي بن زيد بن جدعان، وفيه مقال.
قلت: علي بن زيد ثقة مأمون وثقه غير وأحد، وروى له أئمتنا وغيرهم، وهو أحد ثقات محدثي الشيعة، والأولى في الجواب أن يقال: كلام عمران لاحجة فيه، ولعله فهم المنع من الجهر بالقراءة في العصرين من فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وسائر عباراته إنما تدل على مشروعية الجهر ولا نزاع فيه، وإنما النزاع في الوجوب.
الوجه الرابع: ملازمته صلى الله عليه وآله وسلم للجهر فيما ذكر من الصلوات والإسرار فيما ذكر منها، وتواتر ذلك عنه، وصح عن وصيه عليه السلام .
وفي الشفاء أن الأمة نقلت نقلاً لا اختلاف فيه، نقله خلف عن سلف أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يخافت بالقراءة في العجماوين ويجهر في القراءة في الفجر وفي الركعتين الأوليين من العشاءين.
قلت: من ذلك مارواه البخاري قال: حدثنا عمر بن حفص، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الأعمش، قال: حدثني عمارة، عن أبي معمر قال: سألنا خباباً أكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم، قلنا بأي شيء كنتم تعرفون قراءته؟ قال: باضطراب لحيته. وأخرجه بطريق أخرى إلى الأعمش قال: حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا سفيان، عن الأعمش بالسند المذكور.
عمر بن حفص لم أقف على ترجمته في الجداول.
وحفص هو ابن غياث وثقه غير واحد وبعضهم قيده بما إذا حدث من كتابه، احتج به الجماعة وروى له أئمتنا الخمسة.
وأما الأعمش فقد مر ذكره.
وأما عمارة فهو ابن عمير التيمي الكوفي، وثقه النسائي، توفي بعد المائة وقيل قبلها بسنتين.
احتج به الجماعة وروى له المرادي والنيروسي.
وأما أبو معمر بميمين مفتوحتين فهو عبد الله بن سخبرة الأسدي الكوفي لم أجده في الجداول.
وخباب -بتشديد الموحدة الأولى- هو ابن الأرت بالمثناة الفوقية بعد الراء- التميمي، أحد الصحابة، توفي سنة سبع وثلاثين، وصلى عليه الوصي عليه السلام .
وأما محمد بن يوسف فهو البيكندي -بكسر الموحدة وسكون المثناة التحتية وفتح الكاف، وسكون النون- ولم يذكره في الجداول.
وسفيان هو ابن عيينة، ومن ذلك ما مر من حديث أبي هريرة فما أعلن لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعلناه لكم... الخبر.
وأما رواية الجهر في العشاءين ونحوها فهي كثيرة وستأتي في مواضعها من السور، فإن في كثير منها النص على سماعهم لقراءة سور مخصوصة في صلاة الفجر والمغرب والعشاء، وأما فعل الوصي عليه السلام فروى عنه زيد بن علي عليه السلام أنه كان يعلن القراءة في الأوليين من الغرب والعشاء والفجر، ويسر القراءة في الأوليين من الظهر والعصر، وكان يسبح في الأخريين من الظهر والعصر والعشاء، والركعة الأخيرة من المغرب. رواه في المجموع.
قالوا: فثبوت فعله صلى الله عليه وآله وسلم للجهر والإسرار فيما ذكر، يقتضي وجوب ذلك لأنه بيان لمجمل الواجب من قوله تعالى: {أَقِيمُوا الصَّلاَةَ}[الحج:78]، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((صلوا كما رأيتموني أصلي))، لا سيما مع استمراره صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك طول عمره واستمرار أمير المؤمنين من بعده، وهذا أقوى دليل على الوجوب.
قال (المقبلي): إذ المراد بالدليل ما يحصل منه الظن وهو يحصل بما ذكرنا، فلو ذممت رجلاً يعدل عما واظب عليه صلى الله عليه وآله وسلم عمره منذ شرعت الصلاة إلى أن مات ما حفظ عنه خلافه مع فرقه بين الظهر والعصر وغيرهما وبين الركعتين الأوليين والأخريين على وتيرة واحدة، وفي الفرض خاصة دون النوافل، بل اختلف حاله في النوافل، لو فعلت ذلك لم يمنع ذمك إلا ألد وهو خاصة الوجوب، أعني كون الذم شائعاً. ذكره في المنار.
أجيب بأن هذا مبني على أنه لم يقع منه الخلاف وهو ممنوع فإنه كان يسمعهم الآية أحياناً في الظهر والعصر كما مر في حديث أبي قتادة، وهذا كاف في بيان كون الإسرار غير شرط في صحة الصلاة، ويقاس عليه الجهر إذ لا فارق.
قالوا: هو مما يرجع إلى الجبلة أو سبق اللسان للاستغراق في التدبر ولا تأسي فيهما.
وأجيب: أن الواجب حمل أفعاله صلى الله عليه وآله وسلم على ما يحصل به فائدة، وبيان حكم شرعي ولا يليق حملها على السهو والغفلة، سيما في الصلاة التي هي أم العبادات وأساس الطاعات، وأما قول المقبلي أنه لو ذم من ترك هذه السنة لم يمنع ذمه إلا ألد.
فجوابه:أنه بناه على تقدير استمرار ذلك وقد منعناه، ثم إن القائلين بعدم الوجوب وهم الأكثر يمنعون من الذم الكائن على حد ذم تارك الواجب، وأما الذم بمعنى التوبيخ على ترك هذه السنة فمسلم به لكنه لا يفيده.
الوجه الخامس: روى المؤيد بالله أن المنع من المخافتة في صلاة الليل والجهر في صلاة النهار مما لاخلاف فيه بين الأمة، قال هو: نقل الخلف عن السلف فعلاً وروايةً، وروى الإجماع أيضاً النووي وغيره.
وأجيب: بأنه لا نزاع في شرعية ذلك وأنه سنة، وإنما النزاع في الوجوب ولم ينقل أحد الإجماع عليه بل المؤيد بالله ممن ينفيه.
وقال (النووي) بعد أن روى الإجماع: وحيث قلنا يجهر أو يسر فهو سنة فلو تركه صحت صلاته، ولا يسجد للسهو عندنا.
احتج القائلون بعدم الوجوب لكثرة الرواية بالأمر بالقراءة وبيان كونها جزءاً من ماهية الصلاة لا تتم إلا بها، ولم تذكر هذه الهيئة في شيء من تلك الأحاديث، وبعدم تعليمه صلى الله عليه وآله وسلم للمسيء صلاته وهو في مقام التعليم، وليس لهم أن يقولوا إن الجهر والإسرار إنما كانا بعد تعليم المسيء ولا مانع من زيادة التشريع لأنه يقال: هما مستمران من أول الإسلام بدليل حديث الحسن البصري في إمامة جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وتعليمه للصلاة وأوقاتها، وما يقال من أنه إنما سكت عنه لأن الجهر والإسرار كانا معلومين عنده من قبل، فمدفوع بأن ظاهر الحال أن هذا الرجل من جفاة الأعراب الذين لا يعرفون تفاصيل الواجبات، ولذا علمه ما لا تتم الصلاة من دونه وإن كان خارجاً عنها كالوضوء، مع أنه لم ير منه إلا إساءة الصلاة، لكنه قد ظهر له من حاله الجهالة وعدم المعرفة لأحكام الصلاة، فلو كان الجهل والإسرار واجبين لما سكت عن تعليمه.
ومن حججهم ما مر في حديث أبي قتادة، وما أخرجه النسائي عن البراء قال: كنا نصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الظهر فنسمع منه الآية بعد الآيات من لقمان والذاريات، واحتج السيد محمد بن الهادي في الروضة: بأن الجهر والمخافتة هيئتان للقراءة فلا يكونان واجبين كهيئتي الركوع والسجود.
قلت: معناه أنهما إذا كانا هيئة فلا يتناولهما دليل التأسي: ((أعني أقيموا الصلاة وصلوا كما رأيتموني أصلي))، كما لا يتناول هيئة الركوع والسجود، ولذا قال الجلال في الجواب على الاستدلال بالحديث الأمر للندب، وإلا لوجب جميع هيئات صلاته ولا تقولون به.
فرع
قال في (البحر): وتفسد الصلاة بترك الجهر والمخافتة حيث يجب، ونسبه إلى الهادي والمرتضى، وابن أبي ليلى.
قلت: ووجهه أن القراءة بدون صفتها الواجبة كلا قراءة، وفيه عن المؤيد بالله أنه يعصي ولا تفسد كتعمد الرفع قبل الإمام، ولعله ذكره تخريجاً للمذهب.
وأما القائلون بعدم الوجوب فاختلفوا هل يسجد للسهو من تركهما أم لا؟ فقال الناصر والمؤيد بالله والشافعي: لا إذ هما هيئة.
وقال زيد بن على، وأبوعبد الله والحنفية: بل هما سنة فيسجد.
فائدة: في تحقيق معنى الإعلان، والإسرار، والجهر، والمخافتة وبيان القدر المشروع منها في الصلاة
الإعلان: عائد إلى معنى الظهور والمجاهرة كما يفيده القاموس، وفي المختار العلانية ضد السر، وأما السر فقال في القاموس هو: ما يكتم، والجهر: رفع الصوت كما في المختار، وقد يكون بمعنى الإعلان كما في القاموس، والمخافتة: إسرار المنطق، ذكره في القاموس، وفي البحر المحيط خافت بالكلام أسره بحيث لا يكاد يسمعه المتكلم، إذا عرفت هذا فقد اختلف أئمة الفقه في تحقيق القدر المشروع في الصلاة، من الإعلان والإسرار، فقال المنصور بالله والإمام يحيى: أقل الجهر هو أقل المخافتة وهو أن يسمع من بجنبه لقوله تعالى: {وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ}[القلم:23]، فوصف كلامهم بالمخافتة مع كونه مسموعاً للغير.
قلت: ويسمَّى جهراً لما مر عن أهل اللغة من أن الجهر قد يكون بمعنى الإعلان، وأن الإعلان عائد إلى معنى الظهور وهذا ظاهر لمن بجنبه، وقال أهل المذهب: بل أقل المخافتة أن يسمع نفسه فقط إذ هو المطابق للمعنى اللغوي، وأما أكثر المخافتة فقال في البحر وهو المذهب: هي أن لا يسمع بل تحريك اللسان والتثبت بالحروف، ومقصوده أن لا تسمع نفسك ولا غيرك، والظاهر أنه قول المنصور بالله والإمام يحيى كما تفيده عبارة البحر، وقال زيد بن علي: لا يكون مخافتاً إلا بذلك، قال في مجموعه: من أسمع أذنيه فلم يخافت.
واحتجوا بما مر من أنهم كانوا يعرفون قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في العصرين باضطراب لحيته، ولأنه قد عبر بتحريك اللسان عن القراءة في قوله تعالى: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ}[القيامة:16 ]إذ معناه النهي عن القراءة قبل فراغ جبريل عن إلقاء الوحي فسمي تحريك اللسان قراءة، واعترضهم الإمام الحسن بن عز الدين عليه السلام بأن من لم يسمع نفسه فهو غير متكلم لغة ولاشرعاً ولا عرفاً وشرط القراءة أن يكون ذلك كلاماً.
وأجاب عن الحديث بأجوبة أحسنها أنه لا يدل على مطلوبهم إلا لو ثبت أن الراوي كان لاصقاً به ولم يسمع قراءته حتى يكون ما لم يسمع قراءة.
قلت: ولو فرضنا لصوق الراوي وعدم سماعه فمن أين لهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يسمع نفسه، وأما الآية فأجاب عنها بأنها من قبيل إطلاق اللازم لإرادة الملزوم تجوزاً؛ لأن من لازم القراءة تحريك اللسان. قالوا: لا يشترط في الكلام أن يكون مسموعاً، ذكره الإمام المهدي.
وأجيب بأنه خلاف ظاهر اللغة فإن ظاهرها أن الكلام هو المسموع فقط كما قال النحويون، الكلام هو اللفظ واللفظ هو الصوت المسموع إلى آخر ما ذكروه، قالوا: لعله مبني على عرف الشرع.
وأجيب إن أردتم عرف الشارع فأوضحوه فإنا لانعلم له عرفاً في هذا على خلاف ما تقتضيه اللغة ولم نجده بعد البحث، وإن أردتم عرف بعض فقهاء الشرع فلا يفيدكم، ولقائل أن يقول: قد ثبت في الشرع وجوب القراءة في الصلاة وأنها لا تتم إلا بها فكل إسرار ومخافتة يوصف فاعله بأنه قارئ مع الإتيان به، فهو مما تناولته أدلة شرعية المخافتة والإسرار؛ لأن ذلك وإن كان من كلام الرواة من الصحابة فهم عرب ومعبرون عن الشارع على مقتضى لغته؛ إذ لو كان له في الجهر والإسرار عرف على خلاف اللغة العربية لبينه لهم.
إذا عرفت هذا فلا طريق إلى معرفة المخافتة التي لا يخرج فاعلها عن كونه قارئاً إلا بالرجوع إلى اللغة العربية، والذي تدل عليه كتب اللغة أن التالي إذا نطق بالحروف على الوجه الذي يفهم به المعنى فإنه يسمى قارئاً، سواء سمعت تلاوته أم لا، وتحقيق ذلك أن القراءة في اللغة هي التلاوة والتلاوة لا تكون إلا بالنطق بالحروف لأنها مأخوذة من التتابع لما كان التالي يتابع بين الحروف والكلمات والنطق كما في القاموس هو التكلم بصوت وحروف تعرف بها المعاني، ولم يشترط أن يكون مسموعاً، وإطلاقات أهل اللغة يجب استعمالها كما يجب في إطلاقات الشارع، وإذا ضممت هذا إلى ما تقدم عن أهل اللغة في معنى المخافتة علمت أن لها معنيين:
أحدهما: أن يخافت بحيث لا يسمع كلامه.
والثاني: أن يسمع نفسه أو من بجنبه وكلاهما قد تناولت الأدلة جوازهما لإطلاق المخافتة على كل منهما ولا مانع لأحدهما.
وأما الإسرار إذا وصف به القول فهو بمعنى المخافتة؛ إذ لا يوصف من أمرَّ القرآن على قلبه بأنه قارئ، ولذا قالوا: لا تصح صلاته حينئذ.
وقال (النووي): لا يجوز حمل الإسرار على حقيقته لأنه هو الكلام النفسي بحيث لو استغنى به المصلي لما صحت صلاته.
وقال (الجلال): السر هو ما لا يطلع عليه قال: وإنما سمي أقل الجهر الذي جعلوه أقل الإسرار إسراراً تجوزاً، وإلا فهو مخافتة كما صرح به في قوله تعالى:{ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا}[الإسراء:110]، وكان الواجب هو التعبير بالمخافتة اتباعاً لعبارة القرآن.
قلت: يجوز أن يطلق بالاشتراك على ما ذكره وعلى المخافتة، ويشهد له قوله تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ}[الملك:13 ]فأطلق الإسرار على القول والقول لا يكون إلا كلاماً منطوقاً به، ويؤيده أنه جعله قسيماً للجهر الذي هو قسيم المخافتة، وعندي أن الكلام لا يمكن النطق به على الوجه الذي ذكرناه من دون أن يكون مسموعاً للمتكلم، وحينئذ يكون الخلاف راجع إلى تحقق هذا الإمكان وعدمه، ولعل الألسن مختلفة في ذلك فمن عرف عدم تمكنه بدون إسماع نفسه، قال: إنه إذا لم يسمع نفسه فليس بمتكلِّم كما قاله النووي، وقواه الإمام عز الدين عليه السلام ، ومن عرف من نفسه التمكن جعل غير المسموع كلاماً، ولا يخفى أنه لو قدر إمكان ذلك فلا يكون إلا بتكلف لإخفاء الحروف ومشقة وحرج، والدين مبني على نفي الحرج فلا يصح القول بقصر الإسرار المشروع على عدم إسماع النفس كما روي عن بعضهم.
وفي كلام المقبلي ما يدل على ما قلناه فإنه قال الكلام نوع من الصوت وكل صوت مسموع، فالشرط أن يعلم أو يظن حصول الصوت المخصوص وإن لم يسمع المتكلم نفسه؛ إذ كل حقيقة شيء لا يشترط فيها الإضافة إلى متعلق خاص، فإن الشرط في مسمى النار هو مطلق الإحراق لا إحراق السعف مثلاً، ثم قال: نعم إنما يحصل العلم أو الظن بنوع قوة في حركة المخارج لا بالوضع وذلك ظاهر.