المسألة السابعة في حكم من لم يكن معه شيء من القرآن
ذهب زيد بن علي والأمير الحسين والإمام الحسن بن يحيى القاسمي وولده علامة العصر والشافعي والقرطبي والشوكاني وغيرهم من العلماء، وهو المصحح للمذهب: إلى أن من لم يكن معه شيء من القرآن فإنه يجب عليه الذكر لما مر في حديث المسيء صلاته من الأمر بذلك، ولحديث ابن أبي أوفى وقد مر، ورواه المؤيد بالله والإمام أحمد بن سليمان والأمير الحسين، وفيه بيان الذكر المأمور به، وزيادة: ولاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم من رواية المؤيد بالله والأمير الحسين وغيرهما، وفي بعض الروايات: حذف قوله العلي العظيم، وفي بعضها حذف الحوقلة كلها.
قال (علامة العصر): الزيادة مقبولة، وفي الروض عن جمهور الأئمة إسقاط الحوقلة.
قال (أهل المذهب): فإن أتى بها فسدت صلاته، وقيل: بل توجب سجود السهو، وقال أبو حنيفة: لا يجب التسبيح، بل يقوم بقدر القراءة، ولعله يستدل بحديث: ((لاصلاة إلا بقرآن))، وقد تعذرت منه كما استدل لبعضهم في البحر على منع وجوبه بحديث: ((لاصلاة إلا بفاتحة الكتاب))، وقال مالك: يسقط فرض القيام لأنه للقراءة، وقد تعذرت.
وفي (مهذب الشافعي): عن بعض أصحاب الشافعي: يسبح بعدد حروف الفاتحة، لنا ما مر.
فرعٌ وظاهرالحديث أن المرة تكفي.
وبه قال جماعة من العلماء، واختاره علامة العصر، وذهب بعضهم إلى أنه يقوله ثلاثاً، وهو المصحح للمذهب، ورواه في الروض عن جمهور الأئمة لتقييده بذلك في الأخريين.
فرع [في الصلاة آخر الوقت للمسبح]
ومن كان فرضه التسبيح فلا يصلي إلا آخر الوقت عند أهل المذهب لأنه ناقص صلاة، إذ صلاته بدل عن الصلاة التامة وهي المشتملة على الواجب من القراءة فلا يجوز فعلها إلا عند الإياس، وهذا مذهب الهادي، وخرجه أبو العباس للقاسم.
وقال (الدواري): لا يجب عليه التأخير إلإ ذا كان يمكنه التعلم، وقال الأميرالحسين: بل تصح صلاته أول الوقت لظاهرحديث المسيء، وابن أبي أوفى إذ لم يأمر فيهما بالتأخير، وهو في مقام التعليم، وقال الجلال: حديث المسيء يدفع وجوب التلوم؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمره بالصلاة مع سعة الوقت بلفظ: ((ارجع فصل))، ذكره في ضوء النهار، وكذلك لم يأمر المرضى في تعليمهم ما يجب عليهم بتأخير صلاتهم إلى آخر الوقت وهم ناقصون صلاة، وظواهر الأمر بالصلاة تدل على ذلك، كقوله تعالى: {أَقِيمُوا الصَّلاَةَ}[الحج:78]، وفي السنة: ((صل الصلاة لوقتها)) ونحوه، إذ لم تفصل بين مصل ومصل.
فرع [في تعذر قراءة القرآن]
وإنما يعدل إلى التسبيح إن تعذر عليه القرآن جميعه، وإلا قرأ قدر الفاتحة والآيات من القرآن، ذكره في البحر للمذهب لقوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}[المزمل:20]، ولما في حديث المسيء من قوله: ((ثم اقرأ إن كان معك قرآن))، قال في البحر: فإن أمكن البعض ذكر مكان البعض الآخر مرتباً، وقد فصل ذلك في حواشي الأزهار فقال: إن تعذرت الفاتحة والآيات سبح عوض الجميع ثلاثاً، وإن تعذرت الفاتحة فقط سبح عوضها ثلاثاً، وإن تعذر الآيات فقط سبح عوضها ثلاثاً، وإن تعذر النصف الأخير من الفاتحة والآيات سبح عوض ذلك ثلاثاً، وإن تعذر النصف الأول والآيات سبح عوض نصف الفاتحة مرتين وعوض الآيات ثلاثاً بعد قراءة النصف الأخير لأجل الترتيب، وإن تعذر النصف الأول من الفاتحة دون الآيات سبح عوضه مرتين، وكذا إن تعذر الأخير دون الأول والآيات سبح عوضه مرتين، ولقائل أن يقول: ظاهر الآية، وحديث المسيء قاض بأنه لا يعدل إلى التسبيح إلا إذا لم يكن معه شيء من القرآن، فإن كان معه شيء ولو آية فهي فرضه، واختاره علامة العصر، ولا يشرع التسبيح في حقه حينئذ، وقريب منه قول الرازي، فإنه قال: إن حفظ من الفاتحة آية أضاف إليها ست آيات، وإن لم يحفظ منها شيئاً وحفظ قرآناً غيرها لزمه قراءة ذلك المحفوظ للآية، وإن لم يحفظ شيئاً من القرآن لزمه الذكر.
فرع [في حكم من لم يستطع التسبيح]
فإن لم يحفظ هذا التسبيح لزمه ما أمكنه من ذكر غيره بأي لسان كان وهذا هو المصحح للمذهب.
وبه قال الرازي، والقرطبي لقوله تعالى: {اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}[التغابن:16]، وحديث:((إذا أمرتم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)).
قال (القرطبي): فإن عجز عن إصابة شيء من هذا اللفظ فلا يدع الصلاة مع الإمام جهده، فالإمام يحمل ذلك عنه إن شاء الله.
وفي (شرح الفتح للمذهب): أن الإمام لا يتحمل عن الأمي في الجهرية؛ لأنه غير مأمور بالقراءة، فلايصح فيها التحمل، وعن المفتي: أنه يتحمل عنه ويجب عليه الدخول في الجماعة لحديث: ((إذا أمرتم بأمر...)) الخبر.
فرع [في عدم جواز التسبيح لمن أمكنه الاستملاء]
ولا يعدل إلى التسبيح من كان يمكنه الاستملاء من المصحف في صلاته، ذكره القاسم عليه السلام ، وصحح للمذهب إن لم يحتج إلى فعل غير النظر.
وقال الشافعي، وأبو يوسف ومحمد: بل ولو احتاج إذ هو لإصلاح الصلاة، وقال أبو طالب والبرذعي: بل والنظر مفسد، كذا في البحر، ووجهه أن تقليب الحدقة فعل كثير.
قلنا: بل قليل ولأنه معفو عنه إذ لا يتمكن من تركه غيرالمستملي، قالوا: عمل القلب وهو: الانتظار كثير.
قلنا: ليس بفعل سلمنا فمعفو عنه، على أنه قد نص أبو طالب على أن الانتظار لا يفسد، والتحقيق أنه لا مانع منه مطلقاً، ويؤيده استملاء ذكوان حال إمامته بعائشة عند ابن أبي شيبة، وأخرجه البخاري في ترجمة باب، وأدلة تفضيل التلاوة في المصحف متناولة هذه الحالة، والأفعال التي لا تتم الصلاة إلا بها لا يفسدها كالحركات للركوع والسجود، ولا يبعد وجوبه إن لم تمكنه القراءة بدونه، لقوله تعالى: {اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}[التغابن:16 ]ونحوه.
وأما التلقين وهو: أن يلقنه غيره فلا يجزيه على المذهب للمتابعة؛ إذ يستلزم الانتظار وهو فعل.
وعن (أبي طالب): إن كان لغير عذر لم يجز ولعذر كالمرض والتعليم يجزي، ووجهه أنه مكلف بما يستطيع وهذا مستطاع، ولا مانع وقواه المفتي، وأما لو قرأ في صلاته قاصداً مع الإتيان بالفرض تعليم آخر.
فقال في (الياقوتة): يجزي المتعلم لا المعلم، قال الإمام المهدي: وهو القياس، وقيل لا فرق بينهما في عدم الإجزاء وهوالمذهب، وقد عرفت أنه لا علة لذلك إلا الانتظار، وهو تعليل ضعيف، وقد انتظر علي عليه السلام لابن الكواء حتى أتم الآية ولم يعده مفسداً، ولعموم ما ورد في فضل تعليم الناس، وحديث: ((صلوا كما رأيتموني أصلي))، ولأنه قد ورد من رواية المجموع والعلوم: عن علي عليه السلام مرفوعاً في صلاة المريض: ((فإن كان لا يستطيع أن يقرأ فاقرأوا عنده)).
قال في (المنهاج): والمراد من قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((فاقرأوا عنده)) ليستذكر بقراءتهم قراءته، لا أن قراءة غيره تجزي عن قراءته؛ إذ لو كان كذلك لكان يثبت ذلك في الأمي والمعلوم خلافه.
فرع [سقوط القراءة عن الأخرس]
ويسقط فرض القراءة عن الأخرس وهو الذي منع الكلام خِلْقَه.
قال في (المنهاج): يجزيه ما في قلبه من قصده لله تعالى وتضرعه إليه مع عدم القدرة على القراءة أو التسبيح، إذ قد أتى بالمستطاع، وقال أهل المذهب: إن كان الخرس عارضاً فالواجب عليه أن يثبت قائماً قدر القراءة الواجبة سواء كان يحسنها من قبل أم لا، لأن القيام فرض مستقل، وفي وجوب إمرار القراءة على قلبه احتمالان لأبي طالب أصحهما لا يلزم، وإن كان أصلياً فلا صلاة عليه إذ لم يكلف إلا بالعقليات، وقال محمد بن منصور: يجزيه ما يستطيع من الهمهمة بما وعاه من قرآن أو ذكر، وإلا أضمر ما يجب ويكون قيامه قدر الفاتحة وثلاث آيات إلا في الأخريين فبقدر الفاتحة، ويلزمه ما يلزم غيره من ركوع وسجود وغيرهما، ويقف في ركوعه وسجوده قدر ثلاث تسبيحات أو أكثر إن أحب الزيادة، وهكذا يهمهم أو يضمر بسائر أذكارالصلاة المفروضة والمسنونة أو يضمرها.
فائده [في تعريف الأخرس والأصم]
قال (الإمام يحيى): الأخرس الذي لا يسمع ومختوم على لسانه فلا ينطق، والأصم: الذي لا يسمع وهو ينطق بلسانه، والأمي الذي لا يحسن القراءة وهو ينطق ويسمع، هذا وأما الألثغ بالمثلثة وهو: من يجعل الراء لاماً والسين ثاء مثلثة ونحوه، ممن يتعذر عليه إخراج الحرف من مخرجه ويتردد في بعض الحروف فلا يسقط عنه فرض القراءة وإن غير اللفظ، ولا تفسد صلاته إذ لا يستطيع غير ذلك: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا}[الطلاق:7]، وليس ثمة ما يخرجه عن عموم أدلة الوجوب. قالوا: والفرق بينه وبين العجمي أن تغييره لا يخرج القرآن عن كونه عربياً وإنما تعذر عليه النطق على جهة لغة العرب، بخلاف العجمي فإن قراءته تخرجه عن العربية.
واعلم: أنهم اختلفوا في اللفظة الذي يتعثر فيها الألثغ ونحوه، هل يتركها أم لا؟ فالمذهب وأحد قولي المؤيد بالله أنه يجب عليه التلفظ بها ولو غيرها.
وقال (القاضي زيد): بل يجب تركها، وقواه الفقيه يحيى بن أحمد. وقال أبو مضر: هو مخير.
قلت: الصحيح أنها إن كانت في الفاتحة أو في الزائد وليس يحفظ ما يتمم به الواجب غيرها، فالواجب عليه التلفظ بها للخروج عن عهدة الواجب وهو معذور في التغيير لما مر، وإلا فالأولى العدول إلى ما لا يتعثر فيه إذ هو من اتباع الأحسن.
وقد نص أهل المذهب: أنه إذا قرأ في الزائد على الواجب ما يتعثر فيه فسدت صلاته، ويمكن أن يقال: لا وجه للفساد إذ قراءة القرآن مباحة له بلسانه فلا تفسد كقراءة الصحيح، قيل: وهو ظاهر الأزهار.
تنبيه [وجوب تعلم القراءة]
قد مر أن الأحاديث القاضية بفرضية القراءة تستلزم وجوب تعلمها، واختلفوا في كيفية طلبه للتعليم، فقال القرطبي: عليه أبداً أن يجهد نفسه في تعلم الفاتحة فما زاد إلى أن يحول الموت دون ذلك، وهو بحال الاجتهاد فيعذره الله.
وقال شارح (المصابيح): في شرح قوله إني لا أستطيع، اعلم أن هذه الواقعة لا يجوز أن تكون في جميع الأزمان؛ لأن من يقدر على تعلم هذه الكلمات لا محالة يقدر على تعلم الفاتحة، بل تأويله لا أستطيع أن أتعلم شيئاً من القرآن في هذه الساعة، وقد دخل علي وقت الصلاة، فإذا فرغ من تلك الصلاة لزمه أن يتعلمه.
وفي (شرح الأثمار): أن التعلم يجب ولو بالإرتحال إلى بلد لأنه يبقى بخلاف طلب الماء، ولأنه يتعلم ما يكفيه العمر، ولأن ما لا يتم الواجب إلا به يجب كوجوبه، وعن المفتي: لا يجب إلا في الميل كسائر الواجبات، وصحح للمذهب.
المسألة الثامنة في الجهر والإسرار بالواجب من القراءة في الصلاة
اعلم أنه لا خلاف في شرعية الإسرار في العصرين والجهر في غيرهما، وإنما اختلفوا في حكمه، فقال القاسم والهادي والمرتضى وأبو العباس وأبو طالب: الجهر والمخافتة فرضان، وهو قول ابن أبي ليلى، ونسبه في الشفاء إلى القاسم والهادي، وأسباطهما الأوائل، وصحح للمذهب، وهو ظاهر كلام المقبلي، وذهب إلى عدم الوجوب: زيد بن علي، وأحمد بن عيسى، والناصر، وأبو عبدالله الداعي، والمؤيد بالله وهو الأصح من قولي المنصور بالله، واختاره السيد محمد بن الهادي في الروضة والغدير، والإمام يحيى، ونسبه في البحر إلى الفريقين، وفي الروض إلى الفقهاء الأربعة، واختاره علامة العصر ورواه عن عامة أهل البيت.
قال السيد (محمد بن الهادي): إلا الجمعة فالجهر فيها واجب بلا خلاف، ومثله في التقرير، وقيل: بل فيه خلاف بعض التابعين، احتج الأولون بوجوه:
أحدها: قوله تعالى: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً}[الإسراء:110].
قالوا: المراد إجعل بعضها سراً، وبعضها جهراً.
وأجيب: بأن ما روي في سبب نزولها على اختلاف الروايات فيه وكثرتها لا يدل على ما قالوه لا بالمطابقة ولا بغيرها، وقد مر في البسملة شيء مما روي فيها، وذكرنا احتمال أنها نزلت في النهي عن المبالغة في رفع الصوت والمخافتة، بحيث لا يسمع المسلمون، وقد وردت بذلك روايات نستوفيها في محلها إن شاء الله، وقد ذكر هذا الاحتمال الهادي في الأحكام، قال: وقد يحتمل أن يكون معنى ذلك نهياً من الله لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم عن الجهر الشديد الفظيع الذي ينكره السامعون وعن المخافتة التي لا يسمعها المستمعون.
الوجه الثاني: ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إذارأيتم من يجهر في صلاة النهار فارموه بالبعر))، ويقول: ((صلاة النهار عجماء)).