المسألة السادسة في اللحن في القراءة
اللحن في الأصل: الانتقال، قال في المصباح: لحن في كلامه لحناً من باب نفع أخطأ في العربية، وفي المختار: اللحن: الخطأ في الإعراب، وبابه قطع، وقد اختلف العلماء في اللحن الذي تفسد به الصلاة، فقال زيد بن علي: اللحن يقطع الصلاة، وظاهره العموم، ويستدل له بما رواه في العلوم: قال حدثنا: أبو كريب، عن أبي زائدة، عن عبدالله بن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة يرفعه قال: ((اعربوا القرآن والتمسوا غرائبه)).
أبو زائدة: ذكره في الجداول وقال: روى عنه أبو كريب ولم يبين حاله، ولعله ابن أبي زائدة وهو يحيى بن زكريا ابن أبي زائدة الكوفي، أبوسعيد، وثقه ابن معين وأبو حاتم والعجلي والنسائي وغيرهم، توفي سنة ثلاث وثمانين ومائة.
احتج به الجماعة، وروى له أئمتنا الأربعة.
وعبد الله هو: ابن سعيد بن أبي سعيد المقبري أبو عباد المدني.
قال (البخاري): تركوه، واحتج به الترمذي وابن ماجة، وروى له أبو طالب، والمرشد ووالده.
وأما سعيد المقبري: فقال في الجداول: سعيد بن سعيد بن كيسان المقبري، أبو سعيد المدني، عن أبيه وأبي سعيد وأنس وأم سلمة وعائشة وآخرين، وعنه ولده، وأبو معشر والليث وخلق، وثقه ابن المديني وأبو زرعة والنسائي وابن سعد والذهبي، لكنه اختلط في آخر عمره، قيل: أربع سنين قبل موته.
قال (الذهبي): وما أحسب أحداً أخذ عنه في الاختلاط، توفي سنة ثلاث أو خمس وعشرين ومائة.
احتج به الجماعة، وروى له أئمتنا الخمسة والنيروسي، والحديث رواه في الجامع الصغير ونسبه إلى ابن أبي شيبة والحاكم في المستدرك، والبيهقي في الشعب، وأخرجه ابن الأنباري.
وفي الجامع الصغير: من حديث أبي جعفر الأنصاري، التابعي معضلاً: ((اعربوا الكلام كي تعربوا القرآن))، ونسبه إلى ابن الأنباري في كتاب الوقف والابتداء، والمرهبي في كتاب فضل العلم.
قلت: هكذا قال العزيزي من حديث أبي جعفر الأنصاري، ووجدته منسوباً إلى الباقر عليه السلام من طريق المرهبي، ولفظه بعد أن ذكر ما يدل على الحث على تعلم العربية: ومن ذلك ما أخرجه المرهبي: عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب" أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((اعربوا الكلام...)) الخبر، ويؤيد ما ذهب إليه الإمام زيد بن علي عليه السلام اهتمام أمير المؤمنين عليه السلام بتدوين علم العربية وحفظه وحث السلف على تعلمه، وكذلك من بعدهم فإنهم لم يزالوا في الحث على تعلمه، والاهتمام بتحرير قواعده وتهذيبها إلى يومنا هذا، فلو لم يكن إعراب القرآن واجباً لم يكن لذلك فائدة، وقد نبه الشارع علىأن علة وجوب تعلم الإعراب هي إعراب القرآن، ولذا قيل: إن القراءة مع فقد الإعراب ليست قراءة ولا ثواب فيها، وقد وصف الله القرآن بأنه: عربي غير ذي عوج، وقراءة اللاحن ليست عربية ولا خالية عن العوج قطعاً.
ومن كلام السلف: ما روي عن أبي بكر أنه قال: لأن أقرأ وأسقط أحب إلي من أن أقرأ وألحن، أخرجه أبو طاهر عن الشعبي، وأخرج البيهقي: أن ابن عباس وابن عمر كانا يضربان أولادهما على اللحن، وأخرج عن عمر أنه قال: (تعلموا السنة والفرائض واللحن كما تعلمون القرآن).
وأخرج (المرهبي): عن جابر قال: مر عمر بقوم قد رموا رشقاً فأخطأوا، فقال: ما أسوأ رميكم، فقالوا: نحن متعلمين، فقال: لحنكم أشد علي من رميكم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((رحم الله امرأً أصلح من لسانه)).
وأخرج ابن الأنباري: عن عباد المهلبي قال: سمع أبو الأسود الدؤلي رجلاً يقرأ: {أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ}[التوبة:3 ] بالجر، فقال: لا أظنني يسعني إلا أن أضع شيئاً يصلح به لحن هذا الكلام أو كلاماً هذا معناه، والآثار في ذلك كثيرة وكلها تدل على قبح اللحن مطلقاً، فكيف باللحن في قراءة الصلاة التي هي أم العبادات، والمراد باللحن المفسد هو اللحن في إعراب الكلمة، وتغيير بنيتها لا ترك التجويد الذي لا يعرفه إلا علماء القراءة، وإن كانوا قد عدوه لحناً لأنهم قسموا اللحن إلى جلي وخفي.
قال في (الإتقان): فاللحن خلل يطرأ على الألفاظ فيخل، إلا أن الجلي يخل إخلالاً ظاهراً يشترك في معرفته علماء القراءة وغيرهم، وهو الخطأ في الإعراب، والخفي يخل إخلالاً يختص بمعرفته علماء القراءة وأئمة الأداء الذين تلقوه من أفواه العلماء، وضبطوه من ألفاظ أهل الأداء.
قلت: والقول بوجوب مراعاة هذا على كل قارئ ومصل ينافي التيسير الذي أراده الله بنا، ويمنع رفع الحرج الذي رفعه الله عنا؛ إذ لا يهتدي لذلك إلا خواص من الناس بعد رياضة وتعب، ولذا قال الجزري: لا أعلم لبلوغ الغاية في التجويد مثل رياضة الألسن والتكرار على اللفظ المتلقى من فم المحسن، وقد كان العجم يتعلمون القرآن في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن المعلوم أن ألسنتهم لا تواتيهم علىالنطق به على مقتضى قواعد التجويد، ولم يأمرهم بتعلمها، يدل على ذلك ما أخرجه أبو داود عن جابر قال: خرج علينا رسو الله صلى الله عليه وآله وسلم ونحن نقرأ القرآن، وفينا الأعرابي والعجمي، فقال: ((اقرءوا فكل حسن، وسيجيء أقوام يقيمونه كما يقام القدح يتعجلونه ولا يتأجلونه)).
هذا وأما أئمة الفقه فلهم في المسألة أبحاث وتفاصيل فيما بينهم، واختلاف لا يخلو بعضه عن التحكم بلا دليل، ولا بأس بذكر أقوالهم.
فنقول: قال الإمام يحيى بن حمزة عليه السلام : اللحن المفسد ما كان راجعاً إلى تحريف اللفظ كالحمدلله بالخاء المعجمة، أو فساد المعنى كجر ورسوله من قوله: {أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ}[التوبة:3]، وضم التاء من: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}[الفاتحة: 7 ]أوإلى فساد النظم كالتقديم والتأخير، أو إلى مفردات الكلمات كترك بعض تشديدات الفاتحة أو ما بعدها، وما عدا ذلك فليس بمفسد، ولو زاد في المد أو نقص حرفاً زائداً كلام التعريف أو التنوين لكنه يجب عليه التعليم لذلك، ولا تفسد به الصلاة؛ لأن الإخلال بواجب التعليم أمر خارج عن الصلاة، واستدل له في الروض بحديث جابر، ويجاب بأن النقص المذكور يوجب خللاً في النظم، ونقصاً في الإعجاز، وهو الفائدة العظمى في تنزيله، وربما فسد به المعنى.
وأما حديث جابر فمحمول على أن بعضهم وقع منه نقصان في محسنات التلاوة التي لا تضر كقواعد التجويد، ويؤيده قوله: ((يقيمونه كما يقام القدح)).
وقال (النووي): لا يفسد منه إلا ما كان في الفاتحة، وأخل بالمعنى كضم تاء: {أَنْعَمْتَ}، وكسر كاف: {إِيَّاكَ} وإلا فلا، بل يكره كفتح الباء من: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ}.
لنا ما مر مع ما في ذلك من التحكم ومخالفة هديه صلى الله عليه وآله وسلم وهدي أصحابه إذ لم تؤثر عن أحد منهم القراءة الملحونة مطلقاً.
وحكى في (الروض): عن المقبلي أنه أشار في المنار إلى أن الذي لا يتمكن من إقامة الإعراب أو من سبقه لسانه معذور في ذلك؛ إذ قد فعل ما يمكنه ولا دليل على الفساد في حقه، وأما العامد إلى اللحن مع تمكنه من الإعراب فهو مخل بما يجب عليه من صيانة الكتاب العزيز من التغيير عن وضعه فتفسد لذلك صلاته، ولكونه مخلاً ببلاغته مخرجاً له إلى حيز الابتذال، ولو كان في الظاهر قرآناً.
وأجيب: أما من سبقه لسانه ولم يعلم فلا شك في كونه معذوراً، وأما الذي لا يتمكن من الإعراب فقد أرشده الشارع إلى التسبيح.
وقوله: لا دليل على الفساد في حقه ممنوع، بل دليله ما ذكره من الإخلال بصيانة الكتاب العزيز، وإخراجه إلى حيز الابتذال، فالأولى أن يقال: لا دليل على كونه معذوراً.
قلت: والظاهر من كلامه في المنار أن اللحن غير مفسد مطلقاً، ذكره في شرح قوله واللحن الذي لا مثل له فيهما، وإنما فهم صاحب الروض التفصيل من إلزامه لأهل المذهب الفساد مطلقاً أو عدمه مطلقاً، وقد وهم بعض الناظرين، فقال: إن كلامه متدافع فإن أوله يقتضي أن القرآن لا يكون قرآناً إلا بجوهر لفظه وتركيبه وصفاته، وآخره يقتضي أن اللحن لا يضر، ولا تدافع فيه فإن أوله إلزام، وآخره التزام، وقد استدل على عدم الإفساد بحديث جابر وقد مر تأويله، وممن قال بعدم الإفساد مطلقاً: الحسن الجلال، واستدل بأن الإعراب هيئة للفظ ليست من جوهره، ولا مما قام دليل عقلي ولا نقلي على وجوبه، وهو مجازفة لما قدمنا من الأدلة على ذلك، وكيف يقول: لا دليل على وجوب الإعراب مع اهتمام السلف والخلف بحفظ قواعده، وتقييد شوارده، وعدم اعتدادهم بعلم من لا يعرفه، بل منع بعضهم رواية الحديث ملحوناً وقال إن الراوي له كذلك داخل في عموم حديث: ((من كذب علي متعمداً))، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ينطق به ملحوناً فكيف بكلام الله تعالى، فإن قيل: قد ورد ما يدل على عدم وجوب إعراب القرآن، وهو ما أخرجه البيهقي من حديث ابن عمر مرفوعاً: ((من قرأ القرآن فأعربه كان له بكل حرف عشرون حسنة، ومن قرأه بغير إعراب كان له بكل حرف عشر حسنات)).
وفي (تفسير القرطبي): عن أبي بكر بن الأنباري قال: حدثني أبي، قال: حدثنا إبراهيم بن الهيثم، قال: حدثنا آدم يعني ابن أبي إياس، قال: حدثنا أبو الطيب المروزي، قال: حدثنا عبدالعزيز ابن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من قرأ القرآن فلم يعربه وكل به ملك يكتب له كما أنزل بكل حرف عشر حسنات، فإن أعرب بعضه وكل به ملكان يكتبان له بكل حرف عشرين حسنة، فإن أعربه كله وكل به أربعة أملاك يكتبون له بكل حرف سبعين حسنة)).
أما ابن الأنباري فهو: محمد بن القاسم بن محمد بن بشار النحوي، أبو بكر المعروف بابن الأنباري.
قال (ابن خلكان): كان صدوقاً ثقة ديناً خيراً من أهل السنة، وأثنى عليه غيره، توفي سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، روى له أبو طالب والمرشد بالله والسيلقي.
وأما أبوه فقال ابن خلكان: كان موافقاً في الرواية صدوقاً أميناً، توفي سنة أربع أو خمس وثلاثمائة، روى له أبو طالب والسيلقي.
وأما ابن الهيثم فهو: البلدي، وثقه الدارقطني، وروى له المرشد بالله.
وأما أبو الطيب فذكره الذهبي في الميزان، وقال: أبو الطيب الحربي، وذكر من مروياته هذا الحديث بالسند المذكور، ورماه بالكذب جرحاً مطلقاً.
وأما عبد العزيز بن أبي رواد فهو: المكي الأزدي، روى عن الباقر وغيره، وثقه ابن معين، وأبوحاتم، وقال يحيى بن سليم: كان يرى الإرجاء، وقال يحيى القطان: ثقة لا يترك لرأي أخطأ فيه، توفي سنة تسع وخمسين ومائة.
احتج به الأربعة، وروى له أبوطالب، والمرشد بالله.
قيل: قد أجيب بأن المراد بالإعراب في الحديث معرفة معاني ألفاظه، وليس المراد به ما قابل اللحن، والموجب للتأويل ما مر من قبح القراءة الملحونة والقبيح لا يثاب عليه، لكنه يمنع هذا التأويل ما في رواية المرشد بالله من الدلالة على أن المراد بالإعراب ما قابل اللحن، ولفظه في أماليه عليه السلام :
أخبرنا ابن عبد الرحيم، أنا ابن حبان، أنا حمزة البغدادي، ثنا نعيم بن حماد، ثنا نوح بن أبي مريم، حدثنا زيد العمي، عن ابن المسيب، عن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من قرأ القرآن فأعربه كان له بكل حرف أربعون حسنة، ومن أعرب بعضها ولحن في بعض، كان له بكل حرف عشرون حسنة، ومن لم يعرب منها شيئاً كان له بكل حرف عشر حسنات)).
ابن حبان هو: عبد الله بن محمد بن حبّان الأصفهاني، حافظ أصفهان، وسيد زمانه، صاحب الطبقات السائرة، ويعرف بأبي الشيخ، لقي الكبار، قال ابن مردويه: ثقة مأمون، وقال الخطيب: حافظ متقن، توفي سنة تسع وستين وثلاثمائة، روى له المرشد بالله فأكثر.
وأما حمزة: فذكره في الجداول من رجال المرشد بالله، وقال هو: حمزة بن محمد البغدادي، الكاتب عن نعيم بن حماد، وعنه أبو الشيخ.
وأما نعيم فهو: نعيم بن حماد بن معاوية بن الحارث الخزاعي، أبو عبد الله المروزي، صاحب التصانيف، وثقه أحمد ويحيى، وأخذ عنه العجلي، وقال ابن عدي: له أحاديث منكرة ثم ذكرها، قال: وأرجو أن تكون باقي أحاديثه مستقيمة، توفي في السجن سنة ثمان وعشرين ومائة.
وأما نوح بن أبي مريم فهو: أبو عصمة، وصف بالعلم الكثير حتى قيل في وصفه: الجامع للعلوم، أخذ الفقه عن أبي حنيفة، واستقضاه الدوانيقي على(مرو)، وطالت أيامه.
قال في (الجداول): تكلموا عليه، توفي سنة ثلاث وسبعين ومائة، احتج به الترمذي، ووثقه المنصور بالله.
وزيد العمي هو: زيد بن الحواري أبو الحواري البصري.
قال (أحمد) و(الدارقطني): صالحٌ احتج به الأربعة، وروى له المرادي، وأبو طالب، والسيلقي، والسمان، والحديث ذكره في الميزان، وهو نص في أن القراءة الملحونة تسمى قراءة، والمقروء بها يسمى قرآناً، وذلك يستلزم صحة الصلاة بها وإجزاءها لحصول شرط الصحة، وهو قراءة القرآن في الصلاة، ويؤيده ظاهر حديث جابر وما في الجامع الصغير: ((إذا قرأ القاريء فأخطأ أو لحن أو كان أعجمياً كتبه الملك كما أنزل))، ونسبه إلى مسند الفردوس عن ابن عباس، وضعفه في الشرح.
فإن قيل: الخلل في الإعراب يزيل فصاحة اللفظ التي هي أحد نوعي الإعجاز، قيل: المعتبر أن يكون معجزاً في نفس الأمر، وأن يعرف إعجازه جماعة وافرة يحصل بخبرهم العلم به وإلا لما كان حجة على العجم، ولذا جعلوا تعلم علوم العربية من فروض الكفاية، وإنما أوجبوه لأجل معرفة إعجاز القرآن، وما دل عليه من المواعظ والأحكام وغيرها، وهذا كالتصريح بأن معرفة وجوه الإعجاز ومدلولات الألفاظ لا تجب في حق كل مكلف، بل قد صرحوا بذلك، وهو يدل على أن تعلم الإعراب لا يجب على كل أحد؛ إذ لا وجه لوجوبه سوى هذين الأمرين، وبه ينتفي قبح الخلل الحاصل باللحن من بعض المكلفين. والله أعلم.
وأما أهل المذهب فقالوا: اللحن في أذكار الصلاة في قرآن وغيره لا يفسد إلا في حالين:
الأول: أن لا يكون له نظير في سائر أذكار الصلاة، ومثلوه بكسر الباء الموحدة من النجم الثاقب إذ هو كالكلام، فإن كان له نظير لم يفسد نحو:{ وَنَادَى نُوحٌ}[هود:42 ]إذ لنصب نوح نظير في: {أَرْسَلْنَا نُوحاً}[هود:25].
الثاني: أن يكون له نظير لكنه وقع في القدر الواجب ولم يعده صحيحاً لنقص القراءة فإن أعاده صحيحاً صحت إن كان سهواً لا عمداً فتبطل، لأنه من الجمع بين لفظتين متباينتين إلا في أحد قولي(م) بالله، وقد اعترضهم المقبلي، وحاصل اعتراضه أن كون تلك اللفظة من أذكار الصلاة بجوهرها فقط دون صفاتها، أومع بعض الصفات لا يصيرها قرآناً إذ لم يكن القرآن قرآناً بجوهر اللفظ، بل القرآن وكل كلام متركب من جوهر لفظ وصفاته كالإعراب والمد والقصر، وكذلك ما يحصل من اجتماع بعض الكلمات مع بعض، ومن هيئة التركيب والعوارض الحاصلة بالمقام، فاللفظ الذي يوجد جوهره دون صفاته يلزمهم أن يفسد أو يلزمهم أن كل كلام لا يضر لأن الجوهر موجود فيه، أعني الحروف، وكذلك مفردات الكلام كثير منها موجود في القرآن كيحيى والحجر والغنم وغير ذلك، فتجويزهم لبعض دون بعض تحكم، ثم قال: وهؤلاء أهل الإسلام لا يكاد يتم صحة اللفظ منهم إلا في أفراد أهل العناية بذلك بل وسهولة الأداء والقراءة بلحون العرب بخلاف المتكلفة والمتشبهين بالمغنين، فقلما تصح صلاة على أصلكم ولم يصح عن السلف شيء تتأسون به.
وقد كان العجم يدخلون في دين الله أفواجاً ولم يروا التفات السلف إلى معاناتهم وتهويل أمر اللحن، ثم احتج بحديث جابر.
قلت: كلامه يوهم أنهم يشترطون مراعاة قواعد أهل الأداء من المد والقصر ونحوهما، وليس كذلك فإنهم قد نصوا على أنه لو نون حال الوقف أوترك التنوين حال الوصل أولم يشبع الحروف فإن ذلك لا يضر، وكذا لو قصر الممدود والعكس سواء أعاد أم لا، وكذا لو قطع همزة الوصل بل يفسدها وصل همزة القطع للنقص، نعم أما لو جعل الضاد ظاء أو العكس فتفسد عند أهل المذهب لنقص القراءة إذ هو كإبدال الحاء المهملة بالخاء المعجمة إلا أن يكون له نظير كظنين.
وقال (الإمام يحيى) و(الإمام عز الدين) و(الرازي): لا لشدة المشابهة بينهما من حيث أنهما معاً من الحروف المجهورة والرخوة والمطبقة، ولأن الضاد يحصل فيه انبساط لرخاوته حتى يقرب من مخرج الظاء.
قالوا: فلأجل هذه المشابهة يعسر الفرق بينهما حتى لا يدركه إلا خواص المميزين والقراء، وقد قال تعالى: {مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}[الحج:78]، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((بعثت بالحنيفية السمحة)). ويؤيده حديث: ((أنا أفصح من نطق بالضاد))، فإنه يدل على تفاوت الناس في النطق به من مخرجه وذلك يكون إما لاختلافهم في التمييز التام بين مخرجه ومخرج الظاء، أو لاختلاف فصاحة ألسنتهم عند النطق بالحرف، وعلى أيهما فقد حصل الغرض، إذ لو كان يجب النطق بالحرف على وجهه لما وقع التفضيل ولبينه النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
قال (الرازي): لو كان هذا الفرق معتبراً لوقع السؤال عنه في زمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي أزمنة الصحابة، لاسيما عند دخول العجم في الإسلام، فلما لم ينقل وقوع السؤال علمنا أن التمييز بين هذين الحرفين ليسا في محل التكليف.
فائدة حديث: ((أنا أفصح من نطق بالضاد)) لم أقف على تخريجه.
وحكى في المقاصد الحسنة عن ابن كثير أنه لا أصل له، قال ومعناه صحيح.
تنبيه قد مرت الإشارة إلى أن الجمع بين لفظتين متباينتين نحو: يا عيسى ابن موسى مما تفسد به الصلاة؛ لأن هذه الكلمات وإن كانت آحادها في القرآن فتركيبها ليس فيه فهو من كلام الناس، لكن إنما يفسد إذا كان عمداً على المذهب، وهو أحد قولي المؤيد بالله وعنه لا تفسد فإن كان سهواً لم تفسد قولاً واحداً.