التوراة المخصوصين برحمة الله المتلبسين نور الله، المعلّمين كلام الله، من والاهم فقد والى الله، ومن عاداهم فقد عادى الله، يدفع عن مستمع القرآن بلوى الدنيا، ويدفع عن تالي القرآن بلوى الآخرة)).
وعن ابن أبي أوفى قال: قام رجل إلى النبيء صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله، أيّ العمل أحبّ إلى الله عزّ وجلّ؟ قال: ((عملُ الحالِّ المُرتَحِلِ)) . قال: يا رسول الله، وما الحالُّ المرتحلُ؟ قال: ((صاحب القرآن يضربُ من أوّله إلى آخره، ومن آخره إلى أوّله كُلّما حلَّ ارتحلَ)).
ورُوي عن زيد بن علي عن أبيه عن جده " قال: خطب أمير المؤمنين عليه السَّلام فقال في خطبته: الحق طريق الجنّة، والباطل طريق النار، وعلى كل طريق داعٍ يدعو إلى طريقته، فمن أجاب داعي الحق أدّاه إلى الجنّة، ومن أجاب داعي الباطل أدّاه إلى النار، ألا وإن داعي الحق كتابُ الله فيه خبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم، من عملَ به أُجِرَ، ومن خالفه دُحِرَ، ألا وإن الداعي إلى الباطل عدوّكم الذي أخرج أبويكم من الجنّة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم، ألا فاعصوا عدوَّكم، وأطيعوا ربكم، ومن أحقّ بكم من الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم.
ومما يدلّ على أن القرآن بخلاف كلام الناس: أن كلام الناس إذا رُدِّدَ وأعيدَ مراراً سَمُجَ ومُلّ، وإذا أعيدَ القرآن ورُدِّدَ ازداد حلاوةً وعُذوبةً وحسناً ولذّةٍ عند المؤمنين، وقد قال فيه بعض الحكماء:
يزدادُ في طولِ التِّلاوةِ جِدَّةً
ومتى يُعَدْ شيءٌ سواهُ يُخْلَقُ(1/406)
ومما يدلّ على كمال القرآن وأن فيه كل ما يحتاج إليه الإنسان من الهدى والحق والبرهان أن جميع الأمة تستمد منه وتحتجُّ به، وأن من حسن نظره وتمييزه يجد فيه كل ما طلب؛ ويُؤيد ذلك قول الله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ }[الأنعام:38].
ومما يدل على أن في القرآن كل ما يحتاجه الإنسان من الهدى [والحق] والبرهان ما روي عن أبي هاشم الرمّاني قال: طلب زيد بن علي عليهما السلام من أخيه أبي جعفر كتاباً، فأغفل عنه أبو جعفر عليه السَّلام ثم ذكره، فأخرج إليه الكتاب، فقال له زيد بن علي عليهما السلام: قد وجدت ما أردته منه في القرآن. فقال له أبو جعفر: فأسألك؟ قال زيد: نعم إسأل عمّا أحببت. قال أبو هاشم: فافتتح أبو جعفر الكتاب وجعل يسأله وزيد يجيبه بجواب علي عليه السَّلام كما في الكتاب. فقال له أبو جعفر: بأبي أنت وأمي يا أخي أنت والله نسيج وحدك، بركة الله على أمٍّ ولدتك، لقد أنجبت حين أتت بك شبيه آبائك صلوات الله عليهم.
فصحّ أن في القرآن كل ما يحتاج إليه الإنسان من الهُدى والبرهان.(1/407)
فصل في الكلام في معاني القرآن
اعلم أن القرآن على أفنانٍ: فمنه المُحكم، ومنه المتشابه، ومنه الناسخ، ومنه المنسوخ، ومنه المُجمل، ومنه المفسّر، ومنه ما هو في مخرجه عام وفي معناه خاص، ومنه الخاص، ومنه العام، ومنه ما يوجب العلم، ومنه ما يوجب العمل، ومنه [ما هو] محذوف الجواب، ومنه مفهوم الخطاب، ومنه القصص والأخبار والأمثال، ومنه الأمر والنهي، ومنه المواعظ والزّجر، والترغيب والترهيب، وفيه الوعد والوعيد، وغير ذلك.
فالمحكم هو الجليُّ البيّن الذي يكون تأويلُهُ موافقاً لتنزيله، وهو الأكثر والمعمول عليه والأحسن، وهو أصل الكتاب الذي يرجع إليه، والذي وقع الإجماع عليه.
والمتشابه هو ما كان غامضاً، وكان تأويلُهُ بخلاف ظاهره، وكان مُشكلاً على من لا علم له، والمتشابه (هو) ما كان يحتمل الوجوه، ولا يُعرف المراد بظاهره. والمحكم ما لا يحتمل إلا وجهاً واحداً، ويُعرف المراد بظاهره.(1/408)
والعلةُ في المتشابه البليّة والإمتحان لأهل العقول السَّنيَّةِ، وهو مردودٌ إلى المحكم، قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ}[آل عمران:7]، فبيّن الله تعالى أن الكتاب، منه المحكمُ والمتشابه، وأخبر أن المحكم هو الأصل المعمولُ عليه؛ لأن أمّ الشيء أصلُهُ، ولذلك سُميّت والدةُ الإنسان [له] أمًّا، وقد قال الله تعالى: {لِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا }[الأنعام:92] يعني مكة لأنها أصل القُرى؛ لأن جميع القُرى تفرّعت منها؛ ويؤيد ذلك قول الله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا}[آل عمران:96]، فصح أن المحكم أصلُ الكتاب، وأنه المعمولُ عليه. ثم ذمّ من يتبع المتشابه فقال: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ}[آل عمران:7] يريد بالفتنة: المجادلة للحق ولأهله.(1/409)
والاستدلال بالمتشابه كقول الله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}[القيامة:22،23]، وقوله: {أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ }[الملك:16]، وقوله: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلاَئِكَةُ}[البقرة:210]، وقوله: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا }[الفجر:22]، وقوله علا وعزّ: {الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى }[طه:5]، وقوله: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ }[الحاقة:17]، وقوله: {يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ }[النحل:93]، وقوله: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ }[الزمر:62]، وأمثال ذلك، فهذه الآيات متشابهات، وقد اتّبعتها المشبهة والمجبرة.
وفي أصل الكتاب المحكم المجمع عليه ما يدل على أن تأويل هذه الآيات غير ظاهرها، وهو قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ }[الشورى:11]، وقوله: {لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}[الأنعام:103]، وقد بينا هذا، وفسرناه في باب حقيقة معرفة التوحيد بما فيه كفاية.(1/410)