كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ}[النور:2]. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمنٌ ، ولا يشرب الخمر وهو مؤمنٌ، قالوا: يا رسول الله، كيف يفعل إذا وقع شيءٌ من ذلك؟ قال: إنْ راجع التّوبة راجع الإيمان، وإن لم يتب لم يكن مؤمناً)).
وروي عن أمير المؤمنين عليه السَّلام أنه سُئل عن البُغاة -أهل النهروان- فقيل له: أكفّارٌ هم؟ قال: (من الكفر هَرَبوا)، فقيل: أمؤمنون هم؟ قال: (لو كانوا مؤمنين ما قاتلناهم، ولكنهم إخواننا بالأمس بغوا علينا). فصحّ أن البغاة ليسوا بمؤمنين ولا كافرين، وأن لهم منزلةً بين المنزلتين.
ونقول: إنهم من أهل النار مخلّدون فيها، وعذابُ الكفّار أشد من عذابهم، ولا يُحكم عليهم باسم النفاق؛ لأن المنافق مُقرٌّ في الظاهر، مُستحلٌّ في الباطن، وحُكْمُ الفاسق في الدنيا حكم المؤمن إلا في الموالاة والمعاداة والشهادات وأمثالها، فإنه يجب أن يتبرأ منه ولا يُوالَى، لكنّه يَرِثُ ويُورث، ويَنْكِحُ ويُنْكَحُ، ويُدْفَنُ في مقابر المسلمين.
وقد اختلف أهل البيت" في ذبيحته؛ فمنهم من نهى عنها، ومنهم من أجازها، وأنا لا أريدها ولا أجعلها ميتةً؛ لأنه ليس بمؤمنٍ ولا بكافرٍ جاحدٍ، هذا إذا كان مقيماً للصلاة مُؤتياً للزّكاة غير مُدمنِ خمرٍ.(1/226)


وأما إذا كان مُتهتّكاً فذبيحته ميتةٌ لا يجوز أكلها. وقد ذكر الهادي عليه السَّلام أنه لا بأس بذبيحة الفاسق ما لم يبلُغ فسقه الكفر. وقال في مسائل الطبريين: وسألتَ عن رجلٍ يعرفُ العدلَ والتوحيد، وهو يشربُ الخمر هو وامرأته، أو يكذب، أو يستحل مالَ مسلمٍ فقلتَ: هل يجوز أكل ذبيحته؟
واعلم رحمك الله أن من شرب الخمر أو استحلّ أموال المسلمين، فليس هو عند من عرف الحق من المؤمنين، ومن لم يكن من المؤمنين، فأفعاله كلها أفعال أضداد المسلمين، ومن كان ضدّاً للمسلمين فلا يجوز أكل ذبيحته لأحدٍ من المؤمنين.(1/227)


فصل في الكلام في الهداية والإضلال
اختلف الناس في الهداية والإضلال.
فذهب الذين قالوا: الاستطاعة مع الفعل، وسائر المجبرة إلى أن الله أجبر المهتدين على الهُدَى، وأجبر الضالين على الضّلال؛ واستدلوا بظاهر قول الله تعالى: {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ }[المدثر:31].
وعندنا وعند المعتزلة: أن الهُدى من الله على ثلاثة وجوه:
فهدىً تفضُّلٌ ابتدأ الله به المكلّفين، يستوي فيه المؤمن والكافرُ، والبر والفاجر؛ وهو العقل الضروريُّ الذي هو استحسان الحَسَنِ واستقباحُ القبيحِ. قال الله تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}[الإنسان:3]، وقال تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ، وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ، وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}[البلد:8-10]، فهذا هو الهدى المبتدا، وهو حُجّةُ الله على العبد.(1/228)


وكذلك الكتابُ، والرسولُ، هَدَى الله بهما الناس؛ قال تعالى في الكتاب: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}[البقرة:185]، وقال في الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ...} إلى قوله: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ}[الجمعة:2-4]، وقال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ }[الشورى:52]، فصحّ أنه هُدًى [أي القرآن] من الله تفضّل به على جميع عباده، وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}[الصف:9].(1/229)


والثاني: هُدى جزاء وهو الجنة، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ قَاتلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ، سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ، وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ}[محمد:4-6]، ولأن الذين قاتلوا، قد قُتل منهم في الحال قوم، فصح أن الهُدَى الذي وعدهم الله في الآخرة؛ لأنهم لم يبقوا لهداية الدنيا. وقد قرأ أبو عمروٍ: {وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...}الآية. ومما يؤكد هذا قول الله تعالى: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ }[القصص:56]، أراد به هُدَى الجزاء على الحقيقة؛ لأنه لا يُثيب من أحبَّ في الآخرة.
فلو كان المراد بالهداية هاهنا في الدنيا، لكان هذا مخالفاً للكتاب والسُّنة، ناقضاً للأصول؛ لأنه قد هَدَى في الدنيا من أحبّ ومن لم يُحب، وأثاب أيضاً في الدنيا من أحبَّ، فصحّ أن المراد: أنك لا تُثيب في الآخرة من أحببتَ، وصحّ أن الجزاء يُسمّى هُدًى، وقول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }[المائدة:51]، وقوله: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ }[المنافقون:6]، فهو يُريد هداية الثّواب؛ لأنه قد هداهم في الدنيا فلم يهتدوا، قال عز من قائلٍ: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى }[فصلت:17].(1/230)

46 / 115
ع
En
A+
A-