فصل في الكلام في المنزلة بين المنزلتين
فعندنا، وعند المعتزلة أن الفاسقَ ليس بمؤمنٍ، ولا كافرَ جُحُودٍ، بل هو كافرُ نعمةٍ.
وقال حسين النَّجار، ومن قال بقوله، والأشعرية: الفاسقُ فاسقٌ بفسقه، مؤمنٌ بإيمانه، والإيمان عندهم هو التصديق بالقلب.
وذهبت الخوارج إلى أنه مشرك.
وقال الحسن البصري: هو منافقٌ، واستدلوا بقول الله عزّ وجلَّ: {لاَ يَصْلاَهَا إِلاَّ الأَشْقَى ، الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى}[الليل:15،16]، وقد قال: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا}[النساء:10]، فأوجب لهم النار، وقد أخبر أنه لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذَّب وتولى، فعلمنا أنهم مكذِّبون، ولقوله: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ }[التوبة:49].
وحجّة النّجارية والأشعريّة: أن إنساناً كافراً لو صدّق بقلبه بالله وبكتبه وملائكته ورسله واليوم الآخر ثم مات أنه يموت مؤمناً.(1/221)
فنقول: إن اسم المؤمن منقول من اللغة إلى العرف؛ لأن الإيمان في اللغة هو التصديقُ، فنُقل إلى اسم الدِّين، فمنِ اعتقد بقلبه ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأقرّ به بلسانه وعمل به كان مؤمناً، فصار هذا الاسم منقولاً إلى العرف. ومثل ذلك: اسم الصّلاة كان موضوعاً في اللغة للدعاء فنقلت إلى الصلاة المخصوصة، ومن ذلك الغائط، والدَّابة، وأمثال ذلك. واسم الكفر في اللغة كان موضوعاً للتّغطية، فنقل إلى من جحد وكذَّب وكفر؛ وكذلك اسم الفاسق؛ كان في اللغة لخروج الشيء من موضعه، كما يقال للفأرة إذا خرجت من جُحرها: فُوَيْسِقَةٌ. وإذا خرجت النواة من الرُّطبة قيل: فسقت النّواةُ، أي خرجت، فنقل إلى اسم العاصي المتهتِّك، وكان في العرف اسم المؤمن مدحاً له، ألا ترى أن من مدح إنساناً قال: هو مؤمنٌ؟ واسم الكافر ذمٌّ له، وكذلك اسم الفاسق. ويد على ذلك: أن الكافر والفاسق يغضبان إذا قيل لهما: يا كافر، ويا فاسق، ويكرهان ذلك، وأن المؤمن يُحبّ أن يقال له: يا مؤمن، ويرضَى به، فلما صحّ أن الفاسقَ مذموم بفسقه، صحّ أنه لا يكون مذموماً محموداً في وقتٍ واحدٍ؛ ولأن المدح والذم ضدّان، ولا يجتمع ضدّان في وقتٍ واحدٍ ومحلٍّ واحدٍ، كما لا يجتمع السواد والبياضُ في محلٍّ واحدٍ.(1/222)
فأما قول العرب والمتكلمين من العلماء في أن الفرس [إذا] داخل فيه البياض والسّواد واجتمعا سُمِّيَ أبلق، ولا يسمى أبلق بأحدهما؛ فإن مرادهم إذا كان بعضُ جسد الفرس أبيض وبعضه أسود؛ لأن السوادَ والبياضَ لو اجتمعا في موضعٍ واحدٍ لم يكونا سواداً ولا بياضاً، وكانا لوناً آخرَ، فصحّ أن الفاسق لا يجتمع فيه الحمد والذَّم معاً، ولا يبقى له اسمُ الإيمان تامًّا، ولا يكون كافراً جاحداً بل يكون كافر نعمةٍ؛ قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا }[إبراهيم:28].
والمؤمن عندنا من اعتقد بقلبه التّصديق بالله وبملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، وما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأقرّ به بلسانه، وعمل ما أُمِرَ بعمله من الطاعات، واجتنب ما نُهِيَ عنه من المنكرات، فمن اجتمع فيه ما ذكرنا فهو مؤمنٌ.(1/223)
والدليل على ما قلنا من كتاب الله قوله عزّ من قائلٍ: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ، إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ، وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ، أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ، الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}[المؤمنون:1-11]، وقال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ...}الآية[الأنفال:2]، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا}[الأنفال:74]، وقال تعالى: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}(1/224)
[الحجرات:14،15]، وقال تعالى: {بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ }[الحجرات:11]، وقال تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ}[الحجرات:7]، وقال تعالى: {مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ }[آل عمران:110]، وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ...} إلى قوله: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى}[البقرة:282]، فأمر المؤمنين بالإشهاد. ثم نَهى عن قبول شهادة الفاسق؛ فقال في من قَذَفَ، ولم يأت بالشُّهداءِ: {وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}[النور:4]، وقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}[الحجرات:6]، وقال تعالى في صفة النبيء صلى الله عليه وآله وسلم: {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ }[التوبة:128]، وقال في صفة المؤمنين: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ }[الفتح:29]، ثم قال في الزاني، والزانية: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ(1/225)