ما دامت السماوات والأرض، إلا أن يخرجوا من الطاعة إلى المعصية في الدنيا. وهو المراد بقوله: {إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ}.
ومما يؤيد ذلك أن الذين سُعدوا لا يخرجون من الجنة أبداً إذا ماتوا سُعداء بالإجماع. فلو جاز خروج أحدٍ من النار، جاز خروج من يدخل الجنّة؛ لأن الاستثناء هاهنا في ذكر الجنة والنار. فبطل تعلُّقهم بهذه الآية.
وقد قيل: [إن] معنى {إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ} المراد به: وقت الحساب.
وأما الخبر الذي رووه عن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم فهو خبرٌ ضعيفٌ؛ لأنه من خبر الآحاد، وإن صحّ فالمراد به: من حُكِمَ له بأنه من أهل النار ثم تاب في الدنيا خرج مما حُكم عليه به.
ويدل على هذا التأويل ما رُوي عن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم أنه سمع مُؤذناً يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((خرج من النار )).(1/216)
ونحن نعارضهم بالكتاب والسنة، قال الله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}[النساء:93]، وقال تعالى: {وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ، يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ ، وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ}[الإنفطار:14-16]، وقال تعالى: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ}[ق:29]، وقال تعالى: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ }[الزخرف:74]، وقال تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ}[النساء:14]، وقال تعالى: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}[البقرة:81]، ومعنى قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا }[الزمر:53] المراد به مع التوبة؛ لأنه ذَكَرَ عقيب هذه الإنابة بقوله: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ}[الزمر:54]، فشرط التوبة. وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يَجَأُ بِهَا بطنه في نار جهنّم خالداً مُخلّداً فيها أبداً، ومن ترَدَّى من جبلٍ فقتل نفسه فهو يتردّى في نار جهنّم خالداً مُخلداً فيها أبداً، ومن تحسى سُمًّا فقتل نفسه فهو يتحسّاه في نار(1/217)
جهنّم خالداً فيها مخلداً أبداً)). وروي عن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إياكم والزنا ، فإن فيه أربعَ خصال: يُذهب بالبهاءِ من الوجه، ويقطع الرّزق، ويُسخط الرّحمن، ويُخلّد في النّيران)). وروي عن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من تعلّم العلمَ ليُباهي به العلماء ، ويُمارى به السفهاء، أو يباهي به في المجالس لم يُرَحْ رائحة الجنّة)). وروي في الأخبار: ((يؤمر بالعالِمِ الفاسق إلى النّار قبل عبدة الأوثان. ويقال: ليس من يعلم كمن لا يعلم)).
وروي عن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((لا يقطع رجل حقَّ امرئٍ مسلمٍ بيمينه إلا حرم الله عليه الجنّة، وأوجب له النار، فقال رجلٌ من القوم: يا رسول الله وإن كان شيئاً يسيراً؟ قال: وإن كان سُواكاً من إراك)). وروي عن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((تحرم الجنّة على أربعةٍ : المنّان، والغيّاب، والنّمام، ومُدمن الخمر)). فبطل ما قالوا.
فإن اعترض معترضٌ علينا فقال: ليس من العدل أن يعصي العبدُ عند اقتراب أجله فيعذبه الله بمعصيةٍ واحدةٍ صادفت موته، ويُخلَّد في النار ما دامت السماوات والأرض، وهو من أهل القبلة.(1/218)
قلنا: ليس هذا بلازمٍ لنا؛ لأنهم مُجمعون معنا على أن إنساناً لو كفر وقت بلوغه -وهو من أولاد المشركين- ثم صادف ذلك موته، أنه يكون في النار خالداً مُخلداً فيها، مع أنهم قالوا: أطفال المشركين في النار، ولسنا نقول به. فإذا كان هذا كَفَرَ عند بلوغه فدخل النار بكفره، فالذي يعصي ربّه مع معرفته به وبالحلال والحرام أحقّ بالعذاب والنّكال، لِمَا روي: ((يؤمر بالعالِمِ الفاسقِ إلى النار قبل عبدة الأوثان. ويُقال: ليس من يعلم كمن لا يعلم)).
ويؤيد ذلك أن الكافر يعصي الله وهو يظن أنه لا يراه، والمسلمُ العالمُ يعصي الله وهو يعلم أنه يراهُ، فلا يحتشم منه، ولا يمتنع من فعل الفاحشة، ولو علم أن إنساناً يراه -رفيعاً أو وضيعاً- لاحتشم منه، وامتنع من مواقعة الفاحشة. ألا ترى أنه لا يحتشم من ربِّه، واحتشم من أشرِّ خلقه، فجعل ربَّهُ أهون الناظرين إليه، فهذا يخلد في النِّيران، ويكون حقيقاً بالخزي، والهوان.(1/219)
وأما احتجاجهم بقول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}[النساء:48]، فإن المراد به الصغائر، والتوبة أيضاً من الكبائر؛ والدليل على ذلك قول الله تعالى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ}[النجم:32]، فأخبر أنه واسع المغفرة؛ لمن اجتنب كبائر الإثم والفواحش، وأنه لا يغفر الفواحش والكبائر؛ إلا لمن تاب لقوله تعالى: {وَإِنّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى }[طه:82]، وقوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ }[الرعد:6]، المراد به إذا تابوا وأخلصوا، وذلك موجود في القرآن كثير.(1/220)