وقال ضرار بن عمرو ومن قال بقوله: الاستطاعة قبل الفعل، وهي بعضُ الإنسان، ودليله على أنها بعضُ الإنسان؛ أنه لما رأى الإنسان لا ينفك من لونٍ وطعمٍ ورائحةٍ ومَحَسّةٍ وسمعٍ وبصرٍ وقُوّةٍ وعجزٍ، فلما كان اللون بعضه كذلك كان العجزُ والقوّة بعضه.
وقال إبراهيم النظام: أنت مستطيعٌ قبل الفعل، وأحَالَ أن تكون الاستطاعة غير المستطيع، وعلته أنه لو كانت الاستطاعة غيره لكانت مفسدةً عليه ولكانت غير مُعِينَةٍ له.
وللمتكلمين في هذا كلامٌ طويلٌ، ونحن عمدنا في كتابنا هذا [إلى] الاختصار.
ونحن نقول: إن الاستطاعة قبل الفعل، وهي جسمٌ وعرضٌ. فالجسمُ هو الحواسُّ واللسانُ واليدانِ والرِّجلانِ وسائر الجوارح، والعرضُ قُوةُ النَّفْسِ، وهي قبل الفعل، فإذا أراد الفعل تحركت له النفس.(1/211)


وقُوة النفس عَرَضٌ حالٌّ في الجسم، يتناول بها المعصية كما يتناول بها الطاعة، والعبد قادر بها على الفعل، قادرٌ بها على تركه؛ ولأن الله قد جعلها في العبد وجعله مالكاً لها ولم يجعلها مالكةً له، ومكّنه بها على فعل الطاعة التي خلقه لها، وجعله مستطيعاً بها على فعل المعصية لِيَبْلُوَهُ، ولولا ذلك ما استحقّ الحمد والثواب على فعله للطاعات ولزوم نفسه عن المنكرات، ولَمَا استحقّ الذّم والعقاب على فعله للمحرّمات وتركه للواجبات. ولو كانت الاستطاعة مع الفعل، وكانت الاستطاعة على الشيءِ ولا تكون على ضدّه؛ كان الله قد كلّف ما لا يُطاق، ولو كلّف العبد ما لا يطيقه لكان (ذلك) ظلماً وعبثاً. ألا ترى أنه لو كلّف العاصي الطّاعة وسلبه الاستطاعة ثم عذّبه لكان ظلماً؟ ـ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيراً.
والدليل على أن الاستطاعة جسمٌ وعرض أنه لولا الآلة لم يكن الإنسان مستطيعاً بقوة النفس، ولولا قوة النفس لم يكن مستطيعاً بالجوارح، وقد تكون الاستطاعة قُوَّة النفس، والآلة مستطيعةٌ.
ومما يدل على أن الاستطاعة قبل الفعل أن سلطاناً لو كلّف نجَّاراً، أو صائغاً، أو حدّاداً، على عمل من الأعمال وليس لأيهم شيءٌ من آلات الصناعة، ولا قوّة نفوسٍ؛ أنه لا يتم لهم صنع شيءٍ مما كلفهم عليه إلا أن تكون قد حصلت لهم الآلة والقُوّة. ألا ترى أنه كلّفهم ما لا يطيقون، وظلمهم في تكليفه لهم المعسُور. وكذلك الطِّفل إذا كُلّفَ عَمَلَ شيءٍ يكون مَنْ يُكلّفه ما لا يطيق ظالماً.(1/212)


وكذلك إذا كلّف الله عبداً عمل شيءٍ، ولم يكن قد أعطاه الاستطاعة عليه يكون ظالماً في تكليفه للعبد ما لا يطيق، وأعظم من ذلك: أن يسلب الكافر الاستطاعة على الإيمان ثم يعذبه ويتوعده بأصناف العذاب إذا لم يفعل ما لا يطيق، فهل هذا إلا صريح الظلم وخلاف العدل؟! تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيراً؛ قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}[آل عمران:97]. وروي عن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم أنه سُئل عن الاستطاعة على الحجّ فقال: ((هي الزّاد والرّاحلة )). ألا ترى أنه لم يجب إلا بعد حصول الاستطاعة، وأن الله تعالى ما كلّف الحج إلا مَنِ استطاع إليه؟ فصحّ أن الاستطاعة قبل الفعل، وقال الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ }[التغابن:16]، وقال تعالى: {لاَ يُكَلّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا }[البقرة:286]، وقال تعالى: {لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ}[النور:61]، وقال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}[البقرة:185]، وقال تعالى: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ }[فصلت:46]، وأبو حنيفة والشافعي يوافقاننا في أن الاستطاعة على الحج قبل الفعل -وهو الزَّاد والرّاحلة- فصح أن الاستطاعة قبل الفعل، وأن الله لا يكلِّف المعسور.(1/213)


فصل في الكلام في الوعد والوعيد
أما الوعدُ فلا خلاف بين أهل القبلة فيه، وإنما اختلفوا في صِدْقِ الوعيد.
فعندنا، وعند المعتزلة؛ أن الله صادقُ الوعيد، كما أنه صادقُ الوعد، وأن من مات مُصرًّا على معصيةٍ أنه مُخَلّدٌ في النار وإن كان من أهل القبلة.
وقالت الحشوية، والمرجئة: لا يستحق أهل القبلة العذاب، واستدلّوا بقول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}[النساء:48]، ونفوا المنزلة بين المنزلتين. وقالوا: الناس مؤمنٌ وكافرٌ، وحجتهم قول الله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ }[التغابن:2].
وقالت المرجئة: يجوز أن يعذبهم، ويجوز أن يَعْفُوَ عنهم، وهو قول بعض المعتزلة، وعلتهم أنهم قالوا: ليس العفو بقبيحٍ، ألا ترى أن إنساناً لو توعد عبده بالعذاب والضّرب، والحبس ثم قَدَرَ عليه وعفا عنه أن ذلك لا يكون قبيحاً.
واستدلوا عليه بقول الشاعر:
وإني إن أَوْعَدتُّهُ أو وَعَدتُّهُ

لَمُخْلِفَ إيعادي ومُصدقُ مَوْعِدِي

وقد رُوي أن عمرو بن عبيد رحمه الله تناظر هو ورجلٌ من المرجئة، فاحتج المرجئ بقول الشاعر:
لَمُخْلِفَ إيعادي ومُصدقُ مَوْعِدِي

فاحتجّ عليه عمرو بن عبيد بقول الله تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ}[الأعراف:44].
وبقول الشاعر:
إن أبا ثابتٍ ل‍مجتمع الرّأي(1/214)


شريف الآباء والبيتِ

لا يُخلف الوعد والوعيد

ولا يُصبح من ثاره على فوتِ

وقال قوم من المرجئة: يُعذّبه الله في النار ثم يخرجه. استدلّوا بما روي: ((يخرج رجلٌ من النار قد ذهب حبره وسبره )).
فنقول: إن من دخل الجنة لا يخرج منها أبداً، وهذا مجمعٌ عليه؛ فكذلك من دخل النار لا يخرج منها أبداً.
فأما قول الله تعالى: {ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ، وَمَا نُؤَخّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَعْدُودٍ ، يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ، فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِي‍رٌ وَشَهِيقٌ ، خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ، وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ}[هود:103-108]، فإن الاستثناء هاهنا من الحكم في الدنيا للشقيِّ باسم الشقاءِ، وللسعيد باسم السّعادة. وليست المشيئة بمستثناة من الخلود، وإنما هي مستثناةٌ ممن حُكِم له في الدنيا باسمٍ، ثم رجع عمّا كان عليه. تقديره: فأما الذين حُكِمَ عليهم باسم الشّقاء في الدنيا، ففي النار خالدين فيها، إلا أن يتوبوا في الدنيا. فهذا الاستثناءُ هو المراد بقوله: {إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ}. وكذلك في الذين سعدوا تقديره: وأما الذين كُتب لهم اسم السعادة في الدنيا، ففي الجنة خالدين فيها(1/215)

43 / 115
ع
En
A+
A-