وروي أن كاتباً كتب عند عمر: هذا ما أرى الله عُمَرَ، فقال عمرُ: امحه، واكتب هذا ما رأى عمر، فإن كان صواباً فمن الله، وإن يكن غيرَ صوابٍ فمن عمر.
وروي أن ابن مسعود سُئل عن امرأةٍ مات عنها زوجُها، ولم يفرض لها صِدَاقاً فقال: أقول فيها برأيي -فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأً فمنِّي، ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريان- لها مثلُ صِدَاقِ امرأةٍ من نسائها، لا وكس ولا شطط، ولها الميراثُ، وعليها العدّةُ.
وروي عن علي بن عبد الله بن العباس قال: كنتُ جالساً عند أبي، فقال له رجلٌ: يا أبا العباس إن هاهنا قوماً يزعمون أنهم أُتُوا من قِبَلِ الله تعالى، وأنّ الله أجبرهم على المعاصي. فقال: لو علمتُ أن هاهنا أحداً منهم لقبضتُ على حلقه فعصرته حتى تزهق نفسُهُ.
وروي مثل ذلك في العدل عن جابر بن عبد الله، وحذيفة بن اليمان، وغيرهم، وهو قول أهل البيت " والمعتزلة.
وروي أن الحجاج بن يوسف كتب إلى الحسن بن أبي الحسن البصري، وإلى واصل بن عطاء، وإلى عمرو بن عبيد؛ يسألهم عن العقوبة على أفعال الشَّر، وهل هي من أفعال الله تعالى، أو من أفعال الفاعلين؟
فكتب إليه الحسن يقول: ما سمعتُ في ذلك إلا قول عليّ عليه السَّلام، فإنه قال: (أترى الذي نهاك دهاك؟! إنما دهاك أسفلُك وأعلاك، والله بريءٌ من ذاك).
وكتب إليه واصل بن عطاء: ما سمعتُ فيه إلا قول عليّ عليه السَّلام، فإنه قال: (أيَدُلُّكَ الطّريق ويلزم عليك المضيق تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيراً).(1/206)
وكتب إليه عمرو بن عبيد: ما سمعتُ في ذلك إلا قول علي عليه السَّلام، فإنه قال: (إذا كان القضاءُ حتماً كانت عقوبة المأمور ظلماً).
فلما وصلت الكتب وكلُّها مسندةٌ إلى أمير المؤمنين عليه السَّلام قال: قاتلهم الله، لقد أخذوها من عينٍ صافية.
وروي أن أوَّل من أظهر الجبر: معاوية -لعنه الله، فروي عنه أنه قام خطيباً بالشام فقال: يا أهل الشّام إنما أنا خازنٌ من خزَّان الله، أعطي من أعطى الله، وأمنع من منع الله. فقام إليه أبو ذر فقال: كذبتَ يا معاوية، إنك تُعطي من منعه الله، وتمنع من أعطاه الله. فقام عُبادة بن الصامت فقال: صدق أبو ذر. فقام أبو الدرداء فقال: صدق عبادة. قال: فنزل من المنبر وهو يقول: فنعم إذاً، فنعم إذاً.
ومعاوية ممن لا يُعتدّ بقوله؛ لأن العلماءَ من الأمّة والفضلاءِ مجمعون على فسقه، ومنهم من يعدُّه كافراً مرتدًّا، ورووا فيه أخباراً عن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم.(1/207)
روي عن أبي سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله الأنصاري وحذيفة بن اليمان؛ كلُّهم يروون عن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاضربوا عنقه)) قال: فلم يفعلوا فأذلّهم الله. وروي عن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إذا رأيتم معاوية يطلُبُ الملك فاضربوا عنقه)). وروي عن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إن هذا يُريد الأمر من بعدي -يريد معاوية- وأشار بيده إليه، فمن أدركه منكم وهو يُريده فليبقُر بطنَهُ)). وروي عن عبد الله بن عمر قال: تركتُ أبي يتهيَّأ للمضيُّ إلى النبيء صلى الله عليه وآله وسلم فدخلتُ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسمعته يقول: ((ليدخلنّ عليَّ رجل يكون على غير ملتي )) فرهبت أن يكون أبي فما زالت عيني إلى الطريق حتى دخل معاوية)). وروي أنه مات وفي عنقه صليبٌ. فَمِنْ قِبَلِ هذا أنه لا يُقتدى بقوله.(1/208)
فصل في الكلام في الاستطاعة
اختلفوا في الاستطاعة قبل الفعل وبعده (ومعه):
فعندنا وعند علماء المعتزلة أن الاستطاعة قبل الفعل، والاستطاعة الواحدةُ تكون على الشيء وضدِّه، وإن الله لا يسلُبُ عبدهُ الاستطاعة على شيءٍ ثمّ يأمره بفعله.
وقالت المجبرة من النّجارية والجهمية والأشعرية: الاستطاعة مع الفعل، وقالوا: الاستطاعة على الكفر هي غير الاستطاعةِ على الإيمان، ولا تكون الاستطاعة على الشيء وضدّه، فمن كان مستطيعاً للإيمان لا يكون مستطيعاً للكفر، ومن كان مستطيعاً للكفر لا يكون مستطيعاً للإيمان، ودليلهم أنهم قالوا: إنَّا مُحتاجون إلى الله في كل وقتٍ نحتاج فيه إلى الاستطاعة، فلما كانت حاجتنا إليه عند كل فعلٍ، والتمكين منه عند كل شيءٍ، علمنا أن استطاعتنا مع فعلنا. قالوا: ولأن أحدنا قد يُريد الفعلَ قبل أن يُريد الحركةَ، فإذا فعل تحرَّكَ، وإذا تحرَّك فَعَلَ، فصح الاستطاعة مع الفعل.
وقال أبو حنيفة، ومن قال بقوله من المرجئة، (وابن النّجار) وابن التَّمَّار، ومن قال بقوله من الزيدية: الاستطاعة مع الفعل، والشيءُ الذي يفعل به الإيمان هو الشيء الذي يفعل به الكفرُ، وعلتهم: أنّ الكافر لما أُمِرَ بالإيمان، حوَّل القوّةَ والحركة التي كان يستعملها في الكفر.
وقال أبو حنيفة: الأمرُ مع الفعل.
وقال ابن التّمار: الأمر قبل الفعل، وهو مشغول مع الفعل، ودليله: أنّك لا تفعل فعلينِ في وقتٍ واحدٍ.(1/209)
وقال صاحب الطَّاق، وهشام الجواليقي: الاستطاعة قبل الفعل، ولا يكون الفعل إلا أن يشاءَ الله؛ وعلتهم: أن أحداً لا يفعل في سلطان الله شيئاً إلا أن يشاء الله ذلك.
وقال هشام بن جرول: الاستطاعة مثل الفاس والدَّلو والإبرة.
وقالت الفضليَّة -وهم أصحاب فُضيل الرَّقاشي- والشمريّة -وهم أصحاب أبي شمر- والميمونيّة -وهم صنفٌ من الخوارج-: الاستطاعة قبل الفعل، وإنما هي سلامة الجوارح.
وقال بشر بن المعتمر، ومن قال بقوله: الاستطاعةُ قبل الفعل، وهي عَرَضٌ، وهي السّلامة وحدها، [قال] وعند الله عونٌ أعطاه أولياءَهُ ومنعه أعداءهُ، ودليله قوله تعالى: {إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ}[الشعراء:4]، وقال تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ }[الأنعام:125]،.
وقال أبو الهذيل العلاّف، ومن قال بقوله: الاستطاعةُ قبل الفعل، وهي عرضٌ من الأعراض، ودليله أن الاستطاعة لا تبقى زمنين لأنه إذا فعل الفعل كان غير محتاجٍ إلى الاستطاعة يفعل بها الفعل الموجود.
وقال معمّر: الاستطاعة قبل الفعل، والبدنُ مَوَاتٌ يفعل بالطبيعة، والإنسان يفعل بالاختيار.
وقال حفص الفرد، وصالح قبة: الاستطاعة قبل الفعل، وهي مع الفعل.
وقال بعضُ الإماميّة، منهم أبو مالك الحضرمي: الاستطاعة مع الفعل له، ولتركه، وقبل الفعل.(1/210)