ومما يُبيّنُ أن أفعال العباد منسوبةٌ إليهم قول الله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ ، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه}[الزلزلة:6-8]، وقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُنِي‍رٍ ، ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ ، ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ}[الحج:8-10]، وقال تعالى: {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}[المؤمنون:75]، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً...}الآية[النور:39]، وقال تعالى: {أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}[النور:50]، وقال تعالى حاكياً قول السحرة لفرعون: {إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}[طه:73]، ولم يقولوا: وما أكرهنا عليه الله. وقال تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلاَّ مَا(1/201)


كَانُوا يَعْمَلُونَ}[القصص:84]، وقال تعالى: {فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}[الروم:9]، وقال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الإِسْلاَمِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}[الصف:7]، وقال تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ}[النحل:105]، وهل يكون أحدٌ أكذب ممن يفعل الفاحشة ثم يُبَرِّئُ نفسه ويُنزّهها وينسبها إلى الله؟ وقد قال الله تعالى: {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أو إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا}[النساء:112]، وهذا كثيرٌ في القرآن، وقد قال الله تعالى: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ }[التوبة:1]، والله لم يتبرّأ من خلقهم ولا من رزقهم، فلم يبق إلا أنه تبرّأ من أفعالهم، فلو كان فاعلاً لها لَمَا تَبَرَّأَ منها. وأيضاً فلو كان أفعالُ العباد من الله لَمَا استحقّوا عليها الثواب والعقاب في الآخرة، ولا المدح والذّم في الدنيا.(1/202)


وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((القدريّةُ مجوسُ هذه الأ ُمَّة))، وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((القدريّة خُصماء اللهِ ، وشهداء إبليس)) ومعنى شهداء إبليس أن الله حكى عنه أنه قال: {فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي }[الأعراف:16]، فنسب الإغواء إلى الله، ولم يفعل كذلك آدم عليه السَّلام بل قال: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا }[الأعراف:23].
وروي عن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((يُنادي مُنادٍ يوم القيامة: أين القدريّةُ خصماء الله وشهداء إبليس، فتقوم طائفةٌ من أمّتي يخرجُ من أفواههم دخانٌ أسود)).
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إضمنوا لي ستّةً أضمن لكم الجنّة: لا تَظلموا عند قَسْمِ مواريثكم، ولا تغلُّوا غنائمكم، ولا تَجَبنوا عن قتال عدوِّكم، وامنعوا ظالمكم من مظلومكم، وأنصفوا الناس من أنفسكم، ولا تحملوا على الله ذنوبكم)).
وروي عن مكحول عن أبي هريرة أن رجلاً من خثعم قام إلى النبيء صلى الله عليه وآله وسلم فقال: متى يرحم الله عباده؟ قال: ((ما لم يعملوا بالمعاصي ثم يزعمون أنها من الله تعالى، فإذا فعلوا ذلك انتزعت عنهم الرحمة انتزاعاً. قال الخثعمي: يا رسول الله، أيَضِلُّ الرّجلُ وهو يقرأُ القرآن؟ قال: إذا قال هذا القول طُبِعَ على قلبه)).
وروي عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((ما هلكت أمّةٌ حتى يكون الجبرُ قولهم )).(1/203)


وعن أبي ذرٍّ رحمه الله عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((يقول الله عزّ وجلّ: يا عبادي إني حرمتُ الظُّلمَ على نفسي وجعلتُهُ بينكم محرّماً فلا تَظَالموا)).
واعلم أن القول بالعدل هو إجماع المهاجرين والأنصار، فمن ذلك: ما روي عن أمير المؤمنين عليه السَّلام أنه لما انصرف من صِفِّينَ، قام إليه شيخٌ من أهل الحجاز، فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن مسيرنا إلى الشام أكانَ بقضاءِ الله وقدره؟ فقال أمير المؤمنين عليه السَّلام: والذي فلق الحبَّة وبرأَ النَّسمة ما هبطنا وادياً ولا عَلَونا تَلْعَةً إلا بقضاء من الله وقدرٍ. فقال الشيخ: في الله أحتسب عنائي ومسيري، والله ما أحسب لي من الأجر شيئاً. فقال أمير المؤمنين عليه السَّلام: لقد عظَّم الله لكم الأجر في مسيركم وأنتم ذاهبون، وفي مُنقلبكم وأنتم منصرفون، ولم تكونوا في شيءٍ من حالاتكم مكرهين، ولا إليها مضطرين.
قال الشيخ: كيف يكون ذلك والقضاءُ والقدرُ سَاقَانَا، وعنهما كان مسيرنا؟(1/204)


قال أمير المؤمنين عليه السَّلام: لعلّك تظنُّ قضاءً لازماً وقدراً حتْماً؛ لو كان ذلك كذلك لبطل الثّواب والعقابُ، وسقط الوعدُ والوعيدُ، وما كانت تأتي من الله لائمةٌ لمذنبٍ ولا مَحْمَدَةٌ لمُحسنٍ، وما كان المحسنُ أولى بثواب الإحسان من المذنبِ، ولا المذنبُ أولى بعقوبة الذنب من المحسن، تلك مقالةُ إخوان الشيطان، وعبدةِ الأوثان، وخصماءِ الرحمن، وشهداءِ الزور، وأهل البغي والفجورِ، هم قدريّة هذه الأمة ومجوسها، إن الله تعالى أمَرَ تَخْيِيراً، ونَهَى تحذيراً، ولم يُكلّف عسيراً، ولا بعث الأنبياء عبثاً، ولا أرى عجائب الآيات باطلاً {ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ}[ص:27]. فقال: وما ذلك القضاء الذي ساقنا؟ فقال أمير المؤمنين عليه السَّلام: أمْرُ الله تعالى بذلك وإرادته لهُ، ثم تلا عليهم: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}[الإسراء:23].
فنهض الشيخ مسروراً بما سمع وهو يقول:
أنتَ الإمامُ الذي نرجو بطاعتهِ

يومِ النُّشُورِ منَ الرحمنِ رضواناً

أوضحتَ من ديننا ما كانَ مُشتبهاً

جزاكَ ربُّكَ عنّا فيهِ إحساناً

وروي أن أبا بكر سُئل وهو على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الكلالة فقال: ما سمعتُ فيها شيئاً، وسأقول فيها برأيي -فإن أصبتُ فالله وفّقني، وإن أخطأتُ فالخطأ منّي، ومن الشيطان، والله ورسولُهُ منه بَريَّانِ- أراه ما خلا الوالد والولد. فلما وليَ عمرُ قال: أستحي أن أردَّ قضاءً، قضى به أبو بكر.(1/205)

41 / 115
ع
En
A+
A-