وكذلك فعلُ طالوت حيث بعثه النبيء شمؤول، حيث مرّ على النهر فقال: من شرب منه فليس منّي، ومن لم يطعمه فإنه مني؛ ولأنه لمّا خرج لجالوت وكثر جنده -وكان منهم الصادق والمنافق- فخشي أن يتواكنوا ويفشلوا ويتنازعوا في الأمر فينكسروا، فينكسر ولا يبلغون في عدوهم مبلغاً، فأراد أن يتميَّز بعضهم من بعضٍ فامتحنهم بالنّهر، وعَلِمَ أنه من صبر منهم على الظمأ فهو يصبر على [الحروب و]القتل، ومن لم يصبر عن الماءِ لم يصبر في الحَرب. وكان أيضاً لا يمكنه تمييزهم إلا بما فعل، ومثلُ ذلك كثيرٌ موجودٌ في أفعال العقلاء، قال الشاعر:
يَدِقُّ على الأفكارِ ما أنتَ صانعُ
فَيُتْرَكُ ما يَخفى ويُؤخَذُ ما بَدَى
فإذا كان في أفعال الناس ما يَدِقُّ على بعضهم -وكان ذلك حسناً- كان ذلك في فعل الله أولى.
وقد جهل هذا المعنى أصحابُ مطرّف بن شهابٍ، فنفوا عن الله تعالى خلق بعض هذه الأشياء التي يستقبحها الناس، مثل نقصان الخلق، واحتجُّوا بقول الله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ }[التين:4]، وقالوا: لم يقصد الله الخنثى لكونها خنثى، وكذلك من وُلِدَ أعمى، أو مُقعداً، أو أصمّ، أو بغير يدين، وقالوا: ذلك من العوارض وليس بقصدٍ من الله وعمدٍ. وكذلك خلق الدُّود وشبهه. وقالوا: إن الله قد فطر الأشياءَ؛ تحيل وتستحيل، ونسبوا ذلك إلى الفطرة والعوارض. وقد قدّمنا الكلام في أن الجمادات لا فعل لها. ولو صحّ ما قالوا لكانت الفطرةُ مشاركةً لله في الصنع، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيراً.(1/196)
وإذا كان العقلاء من الملائكة عليه السَّلام والإنس والجنّ لو اجتمعوا وتظاهروا على خلق بعوضةٍ ما قَدَرُوا، ولا تمّ لهم ذلك، مع أنهم قد جعلهم الله عقّالاً، أحياءً قادرين، فكيف يصح للفطرة فعلٌ وليست بعاقلةٍ ولا حيّةٍ ولا قادرةٍ؟!
وأما احتجاجهم بقول الله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} فالمراد به الأعم والأكثر، ولم يُرد الكل بل خصّ ناساً دون ناسٍ، ومذهبنا بناء العام على الخاص، قال الله تعالى: {وَالْعَصْرِ ، إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}[العصر:1-3]، فلو أراد به كل الناس لكان الطفل من أهل الخسر، إذ لم يستثنه مع الذين آمنوا من الخسر فلا حجة لهم بهذه الآية. وأيضاً فقد قدّمنا الحديث في أن الله لا يخلق قبيحاً وإن قبح في أعين النّاس، فلعلّ ذلك المعنى دقّ عليهم علمه. ألا ترى أن الخُنثى من أكثر الناس بليّةً وحسرةً، وأقلّهم في الدنيا نعمةً؛ لأنها ممنوعةٌ من النكاح ومن مجالسة الرّجال -إلا من يحرم عليها- لو كانت امرأةً؛ ومن مجالسة النساء -إلا من يحرم عليه- لو كان رجلاً، فهذا من أكبر البلايا والمحن، فإذا صبر وقَدَرَ على منع نفسه عما حرّم الله عليه كان له في الآخرة عند الله منزلة رفيعة وأجرٌ عظيمٌ، ومن نظره أيضاً من أهل الكمال، فشكر فله أجرٌ كبيرٌ على شكره، ومن جهل هذه الجملة فقد جهل خلق الله ونعمته وبليته، ومن جهل نعمة الله وبليته فقد جهله وجَهِلَ لِمَاذَا خلق الخلْقَ، وكفى بالجهل لذلك ذنباً وخطيئةً.(1/197)
فصل في الكلام في اختلاف أهل القبلة في العدل وذكر ما أجمعوا عليه وما اختلفوا فيه
(فإنهم) أجمعوا على القول: (أن الله عدلٌ، وأنه مُنزّهٌ عن صفة النقص) لأنهم جميعاً يقولون لله: سبوحٌ قُدُّوسٌ. وتأويله التنزيه له من صفات النقص. وأجمعوا على أنه لا يظلم العباد، ولا يُحبّ الفساد ولا يرضاه، وأجمعوا على أنه صادقُ الوعد، وأجمعوا على أنه لا يكلّف نفساً إلا وسعها، وأن المؤمن مُخلّدٌ في الجنة، وأن الكافر مُخلّدٌ في النار.
واختلفوا في فعل العباد وفي الاستطاعة، وفي الوعيد وفي الإرادة، وفي الهداية والإضلال. فعندنا وعند المعتزلة: أن أفعال العبد له خالصة، وأنها لا تُنسب إلى الله، وأنه لا يجبرهم على فعلها، ولا يأمر بالمعاصي، ولا يرضى بها.
وعند جهم بن صفوان ومن قال بقوله من الصفاتية: هي أفعال الله خالصةً، وليس للعبد فيها صنع وإنما هو كالظرف والوعاءِ.
وقالت النجارية والأشعريّة: إن الله وعبده مشتركان في فعل العبد؛ فقالوا: إن الله يخلُق أفعال العباد، ويُحدثها، والعبدُ مع ذلك مكتسبٌ لفعله.
وقالت النّجاريّة: هي فعله على الحقيقة.
وقالت الأشعرية: هي فعلُهُ على المجاز، وحجتهم قول الله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء }[الزمر:62]، وقوله: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ، وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}[الصافات:95،96].(1/198)
وقد قدّمنا الرد عليهم من المعقول أن الله مُنزّهٌ عن صفات النقص، وأيُّ نقصٍ أكبر من أن يكون فاعلاً لكل فاحشةٍ ومنكرٍ ومعروفٍ وخيرٍ وشرٍّ، ولو صحّ ذلك لكان جائراً ظالماً عابثاً؛ لأنه إذا كان يُجبر العبادَ على أفعالهم كانوا مطيعين له كلهم، وإذا أجبر العبد على الكفر ثم أدخله النار كان جائراً ظالماً، وإذا نهى العبدَ عن فعل شيءٍ وجَبَرَهُ على فعله لكان عابثاً -تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيراً. وكذلك إذا أمره بالإيمان، وسلبه الاستطاعة عليه يكونُ أيضاً ظالماً عابثاً -تعالى الله عما يقول الْمُشَبِّهُون.
ونردُّ عليهم من المسموع: أما احتجاجهم بقول الله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء} فهو خاصٌّ فيما خلق الله دون ما فعل العباد. كما قال تعالى في بلقيس: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ }[النمل:23]، المراد به خاصٌّ فيما يصلُح لها، ويكون لمثلها في عصرها؛ لأنها لم تُؤتَ ذَكَراً ولا لحيةً، وقال الله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ}[النحل:112]، المراد به من كثير من المواضع، وليس من جميع الأماكن حتى لا يبقى مكانٌ لا يأتيها رزقُها منه، فسقط تعلُّقهم بهذا.(1/199)
واستدلوا أيضاً على قولهم بقول الله تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ}[آل عمران:26]، وتأويل الآية: أن الله تعالى يُؤتِي الملك من يستحقّه وهو النبوءة والرسالة والإمامة، كما قال تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ }[الأنعام:124]، وينزعه ممن لا يستحقه، ويُعزّ أولياءَه ويُذِلُّ أعداءهُ.
وأما ما حكى الله من قول إبراهيم: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ، وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}[الصافات:95،96]، فالمراد به: الله خلقكم وخلق ما تنحتون، فسمّى محل الفعل فِعلاً، والمراد به محل الفعل، قال الله تعالى في عصا موسى عليه السَّلام: {فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ }[الأعراف:117]، وهي لم تلقف أفعالهم، وإنما تلقف محل الفعل.(1/200)