يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}[النحل:90]، فصحّ أن الله عادلٌ، وأنه منزّهٌ عن القبائح.
فإن اعترضَ علينا معترض في هذه الجملة فقال: إنه قد يُوجد في خلق الله القبيح والناقص، كالسّباع والهوامِّ والقمْل والدُّود والذُّباب والبقِّ، وما لا صلاح ظاهراً في خلقه، وكالصورة القبيحة من الناس، وكمن يُولد أعمى، أو أصمّ، أو مُقعداً، أو ناقصاً في جوارحه، كأنْ يولد بغير يدين أو شبه ذلك.
قلنا: لا يلزمنا هذا الاعتراض؛ لأن فعل جميع هذه الأشياء حَسَنٌ وليس بقبيح -وإن قَبُحَ عند الجهّال. فأما من أنصف عقله، وفكّر في حكمة الله، ونظر في دقائق التدبير فإن عقله يحكم بأن فعل هذه الأشياءِ التي يستقبح فعلها الجُهّال حسنٌ وصوابٌ في الحكمة والتدبير، إما في الحالِ أو في المآلِ، وإما لها وإما لغيرها. فإنك إذا نظرتَ وفكّرتَ في خلق السّباع والحيّات والعقارب؛ وجدت في خلقها وكونها مصالح للعبد؛ منها أنها تُذكِّر بمصائب الآخرة وهوامِّها، ولعل عبداً مُوقِناً إذا رآها ذكّرته العقاب ويوم الحساب فازدجر واتّعظ.
ومنها أن من نظرها وفكّر في حالها علم أنها بليّة ابتلى الله بها العباد ليصغِّر الدنيا في أعينهم ويزهدهم في نعمها، إذ لو كان فيها نعيمٌ دائمٌ لم يكن فيها هذه الأشياء.(1/191)


ومنها أن من أراد السُّرى في ما لا يرضاه الله، وذكرها، امتنع من السُّرَى من خوفها. وهذه الأشياءُ تدلُّ على أن فعل اللهِ لها حسنٌ وأنه غيرُ قبيحٍ. وكذلك الدّود والقملُ والبقُّ والبعوضُ والذباب وجميع ما يُؤذي الإنسان فيها مصالحٌ، عَرَفها من عرفها، وجهلها من جهلها؛ وجملتها البليّة والتّذكير، وتصغير الدنيا في أعين الناس.
فأما قبحُ خلق بعض الناس والنقصان الذي يكون فيه فليس ذلك بقبيحٍ قطعاً وإن قَبُحَ في أعين الناس، بل هو حَسَنٌ، وذلك أن المنقوص ينتفع بما نقص فيه في الحال وفي المآل؛ أما في الحال فيمنعُهُ النٌّقصان عن ارتكاب المعاصي، وتصغُرُ في عينه الدنيا، ويُخفّف عليه التكليفُ.
وأما في المآل فإنه بليّةٌ ابتلاه الله بها، فإن صبر عليها عوّضه الله في الآخرة أفضل مما نقصه في الدنيا؛ من تمام الخلق والزيادة في الدّرجات.
وكذلك من يكون خَلْقُهُ جَافياً يستقبحه الناس، فإذا صبر على البليّة عوّضه الله أضعاف ذلك. وإذا رأى حَسَنُ الخلْقِ الكامل قبيح الخلْقِ ـ أو الناقص ـ وشكر الله على حُسْنِ خَلْقِهِ وتمامه زاده الله في الآخرة من الأجر والثواب، فكان النُّقصان نافعاً للمنقوص وغيره.
وكذلك جفا الخلْق. ألا ترى أن العبد الزِّنجي غليظُ الخلْقِ قويّ البُنْيَةِ وهو مع ذلك راضٍ بخلقه غير مستوحش من نفسه. فإذا نظر إليه الكامل العاقل المالك لنفسه عَلِمَ أن الله قد فضّله عليه وأتمّ خلقه وأحسن إليه، فإذا علم ذلك وشكر الله على ذلك استحق الأجر والزيادة بالشكر. وإذا صبر العبد وأطاع ربه جزاه أيضاً، وأعطاه عِوضَ ذلك في الآخرة.(1/192)


واعلم أن الدنيا دار بليّة وامتحانٍ، والله يبتلي عباده بالخير والشّر لعلهم يرجعون.
وأيضاً فإن أكثر العبيد المماليك لو ملكوا نفوسهم، وسَلِمُوا من الرقِّ واستخدام الأحرار لهم لخرجوا من الحدود ولظهر منهم البطرُ والأشرُ والضّررُ ما لا يظهر من غيرهم، وهذه الأمورُ المؤذيةُ موجودةٌ فيهم إذا اجتمعوا في موضعٍ مع الرّقِّ، فكيف لو ملكوا أنفسهم.
وأيضاً فإن في خلق الله كثيراً من الأشياء يَدِقُّ علينا النظر فيها، ويخفى علينا كثير من معانيه، بل إنا نقطع ونقول: إن الله حكيمٌ، ولا يفعل الحكيمُ شيئاً إلا وفيه حكمةٌ أو حِكَمٌ. وقد يُوجد في أفعال العقلاءِ من المكلفين ما يدقُّ ويخفى على أكثر الناس، وقد حكى الله ذلك من أفعال الأنبياء والصالحين؛ من ذلك ما أخبر الله من أفعال الخضر عليه السَّلام حيث صحبه موسى عليه السَّلام وقدّم إليه أن لا يسأله عن أمرٍ حتّى يُبيّنه له، ففعل فِعَالاً استنكرها موسى ودقّ عليه ولم يعلم معناها، وذلك قوله تعالى: {فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا ، فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ، قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلّمَنِي مِمَّا عُلّمْتَ رُشْدًا ، قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا ، وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ، قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلاَ أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ، قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ(1/193)


مِنْهُ ذِكْرًا ، فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ، قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا ، قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ، فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاَمًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا ، قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا ، قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنّي عُذْرًا ، فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ، قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ، أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ، وَأَمَّا الْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ، فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ، وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي(1/194)


الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا}[الكهف:64ـ82]، فكان هذه الفعال مما دَقَّ على موسى عليه السَّلام ولم يعلمه حتّى أعلمه الخضرُ عليه السَّلام بتأويله.
وكذلك فِعل يوسف عليه السَّلام جَعْلَ السّقاية في رحل أخيه، ثم أذّن مُؤذنٌ: أيتها العير إنكم لسارقون. وهم لم يسرقوا الصّواع، وإنما سرقوا يوسف عليه السَّلام وألقوه في الجُبِّ، وقد قيل: إنهم أيضاً هم الذين باعوه بالدراهم المعدودة، وذلك أنه لمّا عرَّس السّفْرُ عند البئر، فأتى رجلٌ منهم يَرِدُ الماءَ، فأطلعه من البئر، وكان إخوة يوسف في جبلٍ قريباً منهم، فلما رأوهم أقبلوا إليهم وقالوا: هو عبدٌ، فباعوه إلى السَّفْرِ بثمنٍ بَخْسٍ -كما قال الله تعالى- فكان فعال يوسف عليه السَّلام ذلك من أمر الصّواع مما دقَّ على الناس.(1/195)

39 / 115
ع
En
A+
A-