والرد عليهم في قولهم: (إن الله يُريد بهمَّةٍ ونيّةٍ) أن الهمة والنيّة لا يكونان إلا لمن يعمل الشيءِ بآلةٍ ومِثَالٍ وجَوَلاَنِ فِكرٍ، وتصوُّرٍ للصنع وضميرٍ، وهذه الأشياءُ كلُّها من صفات المحدثين -تعالى عنها رب العالمين- وهذه الأشياء (كلها) تكلُّفٌ وإدَارَةُ حيلةٍ، ولا يتكلَّف ويحتال ويفعل الشيء بالمثال إلا عاجزٌ ضعيفٌ، والضّمير والنيّةُ لا يكونان إلا عرضان، ولا يكون العرضُ إلا حَالاًّ في غيره، وإذا كان محلاًّ للعرض كان جسماً -تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيراً- فبطل قول المشبهة.
واعلم أن إرادة الله هي فعلُهُ، وهي تخرُجُ على وجوه:
منها إرادة حَتْمٍ وجَبْرٍ كخلق السماوات والأرض ومن فيهن وما خلق الله.
ومنها إرادةُ أمرٍ ونهيٍ، فهذه الإرادةُ إرادة تخْييرٍ وتمكينٍ وليست إرادةَ حتمٍ وجبرٍ؛ لأنه قد أراد من عباده الطاعة، فلو كانت الإرادةُ إرادة حتمٍ وجبرٍ لأنفذ ما أراده وأمضاه، ولَمَا قَدَرَ أحدٌ (على) أن يخرجَ من الطاعة إلى المعصية، فصحّ أن هذه الإرادة منه إرادة تخييرٍ وتمكينٍ.
ومنها إرادة حكمٍ ووعدٍ ووعيدٍ، وهي إرادة خَبَرٍ وليست إرادةَ حتمٍ وجبرٍ؛ لأنها لو كانت إرادة حتمٍ وجبرٍ لأنفذ ما أراده وأمضاه، ولكان قد خلق الوعد والوعيد والآخرة وما فيها، فصحّ أنها إرادة خبرٍ لا غيرُ.(1/186)
واعلم أن أممَ الأنبياءِ " قد اختلفوا مثل اختلاف أمة نبيئنا محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك ما قالت اليهود وهم [على] ثلاثة أصناف: فقال منهم رأسُ الجالوت -وهو سلطانُهُم الذي يقولون: هو من ذريّة موسى وهارون-: إن إلههم أبيض الرأس واللحية، وقالوا: وجدوا في سِفْر شعيا: رأيت قديم الأيام قاعداً على كرسي حوله الأملاك، فرأيته أبيض الرأس واللحية.
وقالت العنانية منهم بنفي التَّشبيه، وزعمت أن العزير ابن الله على مثل قولك: إبراهيم خليل اللهِ.
وقالت الأصبهانية -وهم عامة اليهود- بنفي التشبيه، إلا أنهم قالو: عزيرٌ ابن الله على معنى القُربة.
وقالت السامرية بنفي التشبيه، والاستطاعة قبل الفعل، وأنكرت نبوءة داود، ولم تُؤمن إلا بما في التوراة.
وقالت النصارى: إن الله ثلاثة أقانيم-: أبٌ وابنٌ وروحُ قدس- جوهر واحد؛ وهذا منهم غلط في الحساب فضلاً عن خطائهم في اعتقادهم؛ لأن ثلاثة في العدد لا تكون واحداً؛ ولو جاز ذلك في ثلاثة لجاز في أكثر منها؛ من أربعةٍ وخمسةٍ وعشرةٍ وغير ذلك.
وإن كانت الأعدادُ الكثيرةُ شيئاً واحداً فهذا غلطٌ بَيِّنٌ لا يغبى على عاقلٍ ولا جاهلٍ.
وقالت الملكانيّة منهم: [إن] اللهُ اسمٌ لمعنيين: لماسح وممسوح. فالماسح هو الله، والممسوحَ هو الإنس، وهو متحيز بالبدنِ، قالوا: والعلمُ غيرُهُ وهو قديمٌ. وقالوا: كان عيسى عليه السَّلام ناسوتاً فصار لاهوتاً.(1/187)
وقالت القولية منهم: قولك: (الله) اسمٌ لمعنًى واحدٍ، والعلم غيره، وزعمت أن المسيح ابن الله على وجه الرَّحمة، كما سُمّي إبراهيم خليلاً، وقد قال الله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ}[المائدة:73].
واختلفوا قبلنا في الاستطاعة، فقالت اليهود قولين:
فقال رأس الجالوت ومن تبعه: لا إرادة لله غير ما يستطيع العبد، ولا يستطيع العبد غير ما فعل.
وقالت العنانية: الاستطاعةُ قبل الفعل، وإن شاء العبدُ صرف استطاعته في طاعةٍ أو معصيةٍ.
وقالت النصارى: الاستطاعة قبل الفعل.
وقالت المجوس -لعنهم الله- والثنوية والدّيصانيَّة بالجبر كلها، فزعم المجوسيُّ أن الله قضى عليه بنكاح أمِّه وابنته وغيرهما من المحرّمات، وأنه لا يستطيع ترك ذلك، وأنه لَوِ استطاع غيره لتركَهُ، وهذه علّة القدريّة من هذه الأمة ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((القدرية مجوس هذه الأمّة )).(1/188)
باب حقيقة معرفة العدل
اعلم أن معنى قولنا: (إن الله عدلٌ) هو أنه مُنزَّهٌ عن صفات النّقص في أفعاله، وهو أنه لا يفعل القبيحَ، ولا يرضاهُ، ولا يُحبهُ، ولا يُريدهُ، ولا يُجبر العبدَ عليه، ولا يكلِّف أحداً فوق طاقته، وأنه لا يمنع المكلّف الاستطاعةَ، وأنه لا يجورُ ولا يظلم أحداً، ولا يكذبُ، ولا يخلف الوعد والوعيد.
والدليل على أنه مُنزّهٌ عن هذه الصفات التي تُوجب النقصَ من طريق العقل أنه قد ثبت أنَّ الله عالمٌ لنفسه، قادرٌ، حكيمٌ، غنيٌّ، فثبت أن العالِمَ القادرَ الحكيمَ الغنيَّ لا يفعل القبيح، ولا يرضاه، ولا يأمر به، والعقل يشهد أن فعل القبيح قبيحٌ، وأن من أمر به أو رضيَ بفعله يكون كمن فعل القبيح. والعقل أيضاً يحكمُ ويشهد على أنه لا يفعل القبيح إلا من جهل قبحه، أو احتاج إلى فعل القبيح لشهوةٍ داعيةٍ، أو غضبٍ مؤذٍ، أو طمع فيما لا يجوز، أو سفاهةٍ أو سخف رأيٍ، أو استماع مَشُورةِ مُضلّ أو جاهلٍ.
فمن كان فيه بعض هذه الصفات لم يُؤمن منه فعلُ القبيح، أو الرِّضَى به، أو الأمر به، مع ان فاعله وإن كان بهذه الصفات مذموماً بفعله للقبيح، أو أمره به، أو رضاه به.(1/189)
وكلُّ مكلَّف من مُوحِّدٍ أو مُلحِدٍ يستحسنُ فعل الحَسَنِ ويُحبُّ أن يُذكرَ به، ويستقبح القبيح ويكره أن يُذكر به. ألا ترى أن الملحد لو رأى صبياً يُريد أن يتردّى في بئرٍ أو في نارٍ، أو يمدَّ يده ليلزم حيّةً، أنه يمنعه من ذلك، ويستحسن منعه، ويستقبح تركه وإن لم يكن بِرَحِمٍ؟ فإذا كان فعل القبيح يقبحُ بالعبد الجاهل المحتاج الضعيف، فكيف لا يقبُحُ من العالِمِ الحكيمِ القادرِ؟ فوجب أن يكون القديمُ تعالى مُنزّهاً مُتعالياً عن فعل القبيح. لأنه تعالى عالمٌ بقبح القبيح، ولأنه غيرُ محتاجٍ إليه، لا لجرِّ نفعٍ إليه، ولا لدفع ضررٍ عنه، ولا لسخفِ رأيٍ، ولا لطمعٍ فيما ليس له، ولا لمشُورةِ مُضلٍّ أو جاهلٍ. فلما كان مُنزّهاً عن فعل القبيح، وكان الظلمُ والْجَورُ والكذبُ وخلفُ الوعد والوعيد، وفعل الفواحش وجميع المنكرات قبيحاً، والرِّضى بذلك والأمر به، صحّ أن الله تعالى لا يفعل شيئاً من ذلك ولا يرضى به ولا يأمر به، ولو فعل ذلك لدخل عليه من النقص والذم أكثر مما يدخل على العبد؛ لأنه عالمٌ لذاته، قادرٌ لذاته، والعبد جاهلٌ محتاجٌ، فكان ذمُّ العبد أقلَّ لجهله وحاجته. ألا ترى أن العالم الغنيَّ من النّاس إذا فعل قبيحاً؛ كان ذمّه عند الناس ولومُهُ أكثر من ذمِّ الجاهل الفقير إذا فعل مثل فعل العالم؟ فصحّ أن الله تعالى لا يفعل ظلماً ولا جَوْراً، ولا يُجبر الخلقَ على فعلٍ، ولا يُكلّف أحداً فوق طاقته، ولا يفعل قبيحاً، ولا يريده، ولا يحبه، ولا يرضاه، ولا يأمر به، ولا يكذبُ، ولا يخلف وعداً ولا وعيداً؛ قال عز من قائلٍ: {إِنَّ اللَّهَ(1/190)