فإن قالوا: ولِمَ لَطُفَ؟ -وتعالى عن ذلك- كان خطأً من القول لأنه لا يليق بالذي هو صانعُ كل شيءٍ إلا أن يكون فائتاً لكل شيءٍ، متعالياً عن كل شيءٍ.
فإن قالوا: فكيف يُعقل إن كان فائتاً لكل شيءٍ مُتعالياً عن كل شيءٍ؟ قلنا: إن الذي يطلب معرفته من الشيءِ أربعة أوجهٍ:
أولها: أن ينظر أهو موجودٌ؟
والثاني: أن يعرف ما هو في ذاته وجوهره.
الثالث: أن ينظر كيف هو وما صفته؟
الرابع: لِمَاذا هو؟ ولأي علّة هو؟
فليس من هذه الوجوه شيءٌ يمكن المخلوق أن يعرفه من الخالق حق معرفته سوى أنه موجودٌ فقط. فأما ما هو؟ وكيف هو؟ فممتنع عليه كنهه وكمال المعرفة به، وأما لماذا؟ فهو ساقط في صفة الخالق؛ لأنه جلّ ثناؤه صانعُ كلِّ شيءٍ، وليس شيءٌ بصانعٍ له.
ثم ليس علم الإنسان بأنه موجودٌ يوجب له أن يعلم ما هو؟ وكيف هو؟ كما أن علمه بوجود النفس لا يوجب له أن يعلم ما هي؟ وكيف هي؟ وكذلك الأمور الروحانية اللطيفة.
فإن قالوا: أفَرَطْتُمْ فيما تصفون، من قصور العلم عنه حتى كأنه غير معلومٍ. قلنا: كذلك من جهةِ إذا رام العقل معرفة كنهه، والإحاطة به، وهو من جهة أخرى أقرب من كل قريب إذا استدل عليه بالدلائل الشافية.
وقال أرسطاطاليس في الجوِّ تشبيهاً بهذا القول في كتابه الذي يُسميه بغذاء الطبيعة، فإنه وصفه بهذه الصفة فقال: هو قريبٌ بعيدٌ؛ لأنه من جهةٍ كالواضح لا يخفى على أحدٍ، وهو من جهة كالغائب لا يُدركه أحدٌ، وكذلك العقل أيضاً ظاهرٌ بشواهده مستترٌ في ذاته.(1/181)


فصل في الكلام في الإرادة
أجمعت الأمة أن الله سبحانه يُريد ويشاءُ، واختلفوا في حقيقة الإرادة والمشيئة؛ فعندنا أن إرادة الله ومشيئته في فعله: إرادةُ حَتْمٍ وخَلْقٍ وإحْدَاثٍ وجَبْرٍ وحُكمٍ ووعدٍ ووعيدٍ، وأنه لا تسبق إرادته مرادَهُ، وأن إرادته خلقهُ، وأن خلق الشيءِ هو الشيءُ، وفناء الأجسام هو هي، وليس هو غيرها، وأن إرادته في فعل خلقه: إرادة نَهيٍ، وأمرٍ، وأنّ رضى الله ومحبته [هما] رحمته وثوابه، وأن سخط الله وكراهته وغضبه نقمته وعقابه، فمن رضي الله عنه وأحبه فقد حكم له بالرحمة والثواب، ومن سخط عليه وكره أفعاله فقد حكم عليه بالنقمة والعقاب، فهذه إرادةُ الحكم.
وقالت المعتزلة: لله إرادةٌ غير المراد، وهي محدثةٌ، وهي في غير محلٍّ، وقالوا: لا يكون مُريداً لنفسه؛ لأنه لو كان مريداً لنفسه، لكان مُريداً لكل المرادات، كما أنه لما كان عالماً لنفسه كان عالماً بجميع المعلومات.(1/182)


قالوا: والدليل على أن إرادة الله غير مراده أنه آمرٌ ومخبرٌ، ولا يكون الآمرُ آمِراً إلا أن يُريد كون المأمور، ولا يكون مُخْبراً إلا إذا أراد إيقاع الحروف، واستدلُّوا بقول الله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}[النساء:26]، وبقوله: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا} [النساء:27]، وبقوله: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}[البقرة:185]، وذلك كثيرٌ، وهذا مذهبُ البصريين منهم. فأما قول البغداديين فمثل قولنا.
والرد على المعتزلة أن الأمة مجمعة على أنه لا يكون شيءٌ موجودٌ -غير الله- إلا في العالَم. فإن كانت الإرادة في العالَم فقد صار العالَمُ لها مكاناً، وإن كانت في غير العالَمِ فماذا غير العالم إلا الله أو العدمُ؟(1/183)


فإن قالوا: هي في العدم، فيكون العدم باطلاً، فكيف كون شيء فيه فإذا لم تكن نيّة ولا ضميراً، ولا كانت الخلقَ نفسه، ولا كانت في مكانٍ، فهل هي إلا عَدَمٌ؟ ولا يعقل شيءٌ موجودٌ لا يكون حالاًّ ولا محلولاً إلا الله تعالى. فبطل ما قالوا، وصح أن إرادة الله هي خلقُهُ لا غير. وقول الله تعالى: {يُريد} بمعنى: يخلقُ، ويحكُمُ، ويُثيبُ، ويُعاقبُ. وإنما خاطب الله العرب بلغتهم وبما يعرفون؛ كما قال تعالى: {يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رسول إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون}[يس:30]، فخاطبهم بما يعرفون. والله تعالى لا يتحسَّر؛ لأنه لا يتحسّر على شيءٍ إلا من فاته وأعجزه، والله لا يفوته شيءٌ ولا يعجزه؛ ولأنه لو كانت إرادته غير مُراده لم تكن إلا نيّةً أو هِمَّةً، أو مشبهةً للنيّة والهمّة. وهم فلا يقولون هي همّةٌ ولا نيّةٌ، إذا كانت شيئاً غير المراد أشبهت النيّةَ المتقدِّمةَ للفعل، ولا يتقدّم الفعلُ ويُريد فعله قبل فعله إلا من يفعل بآلةٍ، والله يتعالى عن ذلك.
وأما قول الله تعالى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }[النحل:40]، فإنهم مجمعون معنا أنه ليس ثَمَّ قول غير إيجاد الشيء كما لم يكن ثمّ قول غير إيجاد القول، كذلك ليس ثَمَّ إرادة غير إيجاد الشيءِ.(1/184)


وإذا كان الكلام مع الصفاتية قلنا: إذا كان الكافُ والنونُ غيرَ الكائنِ كَانَا قولاً، وإذا كانا قولاً فلا يكون القولُ هذا إلا أمراً. فإذا كان القول لموجودٍ فإيجادُ الموجود محالٌ، وإذا كان لمعدومٍ فمُحالٌ أيضاً أن يُؤمر المعدوم، فبطل ما قالوا، وصحّ أنه لا قول غير إيجاد الشيءِ. ومثل هذا موجود في لغة العرب قال الشاعر:
امتلأ الحوضُ وقال قطني

مهلاً رُويداً قد ملأتُ بطني

والحوضُ لم يكن منه قول غير الامتلاء.
وقال آخر:
وقالت له العينان سمعاً وطاعةً

وحدّرتا كالدُّر لَمَّا يُثقب

ولم يكن من العينين قول غير تحدير الدمع.
وقالت الصفاتية: (الله مريدٌ بإرادة قديمةٍ)، كما قالوا: (عالمٌ بعلمٍ قديمٍ).
والدليل على أن إرادة الله محدثةٌ أنك تقول: الله يُريد، ولا يُريد، كما تقول: يخلُقُ ولا يخلُقٌ، ويرزُقُ ولا يرزُقُ. فجاز أن تصفه بصفات الفعل وأضدادها. وليس كذلك صفات الأزل. ألا ترى أن الله لما كان عالماً فيما لم يزل استحال الجهل عليه، ويُؤيد ذلك أن الله إذا أراد حياةَ زيدٍ ثم أراد موته، ألا ترى أن الإرادة التي هي الموتُ حادثةٌ، وقد قال الله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}[البقرة:185].(1/185)

37 / 115
ع
En
A+
A-