على صغيرةٍ ولا يسألون ربّهم حتى يستأذنوه؛ قال الله تعالى حاكياً عن نوح: {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ، قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ، قَالَ رَبِّ إِنّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ}[هود:45-47]، فاستغفر ربّه من سؤاله قبل استئذانه. ولو كان موسى سأل ربه أن يُرِيَهُ نفسه، كما سأله قومه، لأصابه ما أصابهم من العقوبة، ولَمَا قال: {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا} وقد حكى الله قولهم فقال: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ...}[البقرة:55]، وقال عزّ من قائلٍ لنبيئنا صلى الله عليه وآله وسلم: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً...}الآية[النساء:153]، فلو كان يجوز أن يُرى في وقتٍ من الأوقاتِ، لَمَا عاقبهم الله على ما يجوز في وقتٍ من الأوقات. ألا ترى أن العبد يسأل ربَّه وهو في الدنيا المغفرة والجنّة والثواب فلا يُعاقب في ذلك. وقد سأل قوم عيسى صلى الله عليه المائدة فلم يُعاقبوا بسؤالهم ذلك قبل(1/176)


وقته؛ فبطل قول المشبهة.
وقد وردت الأخبار عن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم تُعارض خبر المشبهة، وتوافق العقول والقرآن، منها قوله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إنكم لن تروا اللهَ في الدنيا و[لا في] الآخرة)). ورُوي عن عائشة عن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم مثله.
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((المصوِّرون لن يدخلوا الجنة ، قيل: يا رسول الله، ومَنِ الْمُصوِّرون؟ قال: الذين يُصورون الله بعقولهم)). وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من شبَّه الخالقَ بالمخلوقِ فقد كفر ، ومن شبَّه اللهَ بخلقه فقد كفر)). وعن علي عليه السَّلام في خُطَبِهِ ما يدل على ذلك.
وأما استدلال الحشوية بقول الله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ }[يونس:26]، بأن قالوا: الزِّيادة هي الرؤية. فهذا غلطٌ من وجوه:
منها أن الزيادة لا تكون أرفع من المزيد عليه.
ومنها أن الزيادة لا تكون إلا من جنس المزيد عليه، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ }[محمد:17]، وقال تعالى: {فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ }[النساء:173].
ومنها أنه قد روي أن الزيادة قصرٌ في الجنة، فلا تعلُّق لهم بهذا.(1/177)


فإن قال قائل [منهم] متعنّتٌ أو مستفيدٌ: إذا لم يكن يُرى ولا تُدركه الأبصارُ، فهل هو يرى نفسه؟ قلنا: إن كنتَ تعني بقولك: يَرى ذَاتهُ، أي يعلمها فكذلك نقول. وإن كنت تقول: يرى نفسه كما يَرى الواحدُ منا نفسه فلا؛ لأنا قد بيّنا أن ذاته غيرُ مرئيّةٍ، فلا يجوز أن يَرَى نفسه، كما يرى الرائي المرئي.
وإذا قيل: إذا لم يكن جسماً، ولا عرضاً، ولا حالاًّ، ولا محلُولاً، ولا تدركه الأبصار في دنيا ولا في آخرةٍ، فكيف يتصوره المكلَّفُ في نفسه؟!(1/178)


قلنا: لا يجوز أن يُتصور القديمُ تعالى؛ لأن الصورة لا تقع إلا على ما لَهُ مِثْلٌ يُشاهد، فيتصور على حسب ما شوهد من مثلهِ. فلما كان الله تعالى لا مثلَ له، علمنا أنه لا يجوز أن يتصوره المتصوِّرون، ولا يُتصور إلا ما يجب عليه الحِدَثُ، ويلحقُهُ النّقص، فصحّ أن الله لا يُتصوّر، ولهذا سمّى نفسه لطيفاً باطناً، وسمّى نفسه ظاهراً قريباً، فقال تعالى: {لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِي‍رُ}[الأنعام:103]، وقال تعالى: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ }[الحديد:3]، وقال تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}[ق:16]، وقال: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لاَ تُبْصِرُونَ }[الواقعة:85]، وقال: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ}[المجادلة:7]، فدلّ على أنه ظاهرٌ باطنٌ، قريبٌ بعيد. فمن رام إدراكه بالعقل، أو بالحواس، أو بالوهمِ، أو بالظنِّ أو التّصوُّرِ، فهو أبعدُ ما يكون، ولن يبلُغ إلى شيءٍ مما طلب، بل ترجع الأبصارُ حاسرةً والعقول والأوهام حائرةً. ومن طلب معرفته واستدل عليه بصنعه فهو أقرب من كل قريبٍ وأكبرُ من كلِّ موجودٍ، فهو الظاهر القريبُ بما أوجد من صنعه، وهو الباطن، البعيد، اللطيف من أن يُدرَكَ أو يُتوهَّم أو يُتصوّر، وقد قصرت الأبصارُ والحواسُّ والعقول عن صفة جسمٍ مرئيٍّ بصورةٍ مخصوصةٍ -وهو(1/179)


الشّمس- فلم يُقف على حقيقتها، فكيف من خلقها وصوّرها؟! فإذا قصُرت عن صفة حقيقيّة جسمٍ مشاهدة فهي عن دَرَكِ صانعه أقصرُ.
وقد حكي عن أهل النجوم وأهل الطب والفلاسفة أنهم اختلفوا في الشمس وحقيقة صفتها؛ فقال قوم: هي فلكٌ أجوفُ مملوءٌ ناراً، له فمٌ يجيش بهذا الوهج والشُّعاع.
وقال قوم: هي اجتماع أجزاءٍ ناريّة، يرفعها البخار الرطب.
وقال قوم: هي سحابة ملتهبة.
وقال قوم: هي جسمٌ زجاجيٌّ يُرسل علينا شعاعه.
وقال قومٌ: هي صفوةٌ لطيفةٌ تصعد من البحر.
وقال قوم: هي أجزاءٌ كثيرةٌ مجتمعةٌ من النار.
وقال قوم: هي من جوهرٍ خامسٍ سوى الجواهر الأربعة.
وقال قوم: هي بمنزلة صحيفة عريضةٍ.
وقال قوم: هي كالجرّة المدحرجة.
وقال قوم: هي مثل الأرض.
وقال قوم: هي أضعاف ذلك.
وقال قوم: هي أعظم من الجزيرة الكبيرة.
ذكر ذلك عنهم وحكاه أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في كتاب الدلائل. وقال: ففي اختلاف هذه الأقاويل منهم في الشمس دليلٌ على أنهم لم يقفوا على الحقيقة من أمرها. فإذا كانت هذه الشمس التي يقع عليها البصر، ويُدركها الحسُّ، قد عجزت العقولُ عن الوقوف على حقيقتها، فكيف بالحدِّ لِمَا لَطُفَ عن الحسِّ واستسر عن الوهمِ.
فإن قالوا: لِمَ استسر؟ قلنا: لم يستسر بحيلةٍ يخلُص إليها كمن احتجب عن الناس بالأبواب والستور. وإنما معنى قولنا: (إنه استسر) أنه لَطُفَ عن مَدى ما تبلُغُهُ الأوهامُ كما لَطُفَتِ الشّمس وارتفعت عن إدراكها بالبصر.(1/180)

36 / 115
ع
En
A+
A-