والرد عليهم -من طريق العقل- أن المرئيَّ يحتاج إلى شروطٍ يصح أن يُرى لحصول الشروط، وهي المقابلة أو ما يكون في حكمها، كمن يَرى وجهه في المرآة، أو أن يكون المرئيُّ حالاًّ في المقابل كحلول السّواد والبياض في الجسم، وهذا اعتلالُ أهل العدل والتوحيد من الزيدية والمعتزلة، وإذا كان الله مُقابلاً، أو في حكم المقابل، أو حالاًّ في الْمُقابل، احتاج أن يُرى بالحاسّة، ولو جاز أن يُرى بغير هذه الشروط لاستوى في ذلك الأعمى والبصير، وهذا هو التّشبيه -جلّ الله عن ذلك، وتعالى علوًّا كبيراً.
ومن الشروط ألا يكون بين الرائي، والمرئي حائلٌ، يمنعُ من نظره.
ومن الشروط أن تكون آلة الرائي صحيحةً.
ومن الشروط أن لا يكون المرئيُّ لطيفاً تمنع لطافتُهُ من الرّؤية.
ومن الشروط التّحديق إلى المرئي وفتح العين وتقليب الحدقة.
وهذه الشروط كلها توجب أن المرئي محدودٌ (في مكانٍ) وأنه حالٌّ أو محلولٌ أو في حكم الحالِّ، أو جسمٌ أو لونٌ، وإذا كان بهذه الصفات كان محدثاً مصنوعاً -تعالى الله عن ذلك.(1/171)
وأيضاً فإن الله تعالى تمدّح بقوله: {لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}[الأنعام:103]، والآية تدلُّ على التّمدح من قوله: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ }[البقرة:117]، وإذا زال مُوجبُ التمدّح وجب النقص. وقد مدح نفسه بأنه لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، وأنه لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً، وأنه لا يظلم العباد. فلو جاز أن يفعل شيئاً مما نفاهُ عن نفسه في وقتٍ من الأوقات لزال التّمدحُ ووجب النقص، وكذلك الإدراكُ والرؤيةُ.(1/172)
وأما معنى قول الله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}[القيامة:22،23]، فهو أن يكون النظر إلى الله بالعقل، كما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظّلَّ }[الفرقان:45]، وقوله: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ }[الفيل:1]. وفي آخر الآية ما يدل على هذا التأويل؛ وهو قوله: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ ، تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ}[القيامة:24،25]، فعلّق ذكر الظنِّ بالوجوه، والظن لا يتعلَّق بالوجوه، فوجب أن يكون المرادُ بها العقلُ. ويحتمل أن يكون المراد بقوله تعالى: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} أي منتظرة، قال الله تعالى: {فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ }[البقرة:280]، والمعنى: فانتظار إلى ميسرةٍ. وقال تعالى حاكياً قول بلقيس: {وَإِنّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ}[النمل:35]، أي منتظرة، ومثل ذلك موجودٌ في لغة العرب، قال الشاعر:
وجوهٌ يومَ بدرٍ ناظراتٌ
إلى الرحمنِ يَأتِي بالخَلاَصِ
وقال غيره:
وكنّا ناظريك بكل فجٍّ
كما للغيث ينتظر الغمام
ويحتمل أن يكون المرادُ بقوله: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} أي إلى رحمة ربها ناظرة، كما قال الله حاكياً عن إبراهيم عليه السَّلام: {إِنّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ }[الصافات:99]، أراد إني ذاهبٌ إلى حيث أمرني ربّي؛ وقد رُوي هذا التفسير عن أمير المؤمنين عليه السَّلام وعن ابن عباس وغيرهما.(1/173)
وأيضاً فإن النظر غيرُ الرؤية. والنّظرُ هو تقليب الحدقة وفتحها إلى جهة المرئي؛ ويدل على ذلك أنّ من ينظر الهلالَ، يقال: نظر إلى الهلال، وإن لَّم يره.
وأما استدلالهم بالخبر: ((سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته)) فإنه من خبر الآحاد، وخبرُ الآحاد لا يُقبل في الأصول. وهذا الخبر أيضاً مرويٌّ عن قيس بن حازم، وقيس هذا لا تُقبل روايته لأنّها مطعونةٌ من وجوه:
أحدها: بُغْضُ عليٍّ عليه السَّلام وكفى بذلك طعناً فيه لأن أقلَّ أحواله الفسق. والذي يدل على ضعفه وأنه ليس من النبيء صلى الله عليه وآله وسلم أنه يقتضي التَّشبيه؛ ولأن الكافَ في لغة العرب تدخل للتشبيه؛ قال الله تعالى: {يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ ، وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ}[المعارج:8،9]، وقال: {يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ ، وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ}[القارعة:4،5]، والعرب تقول: زيدٌ كعمرِو، وفرسي كفرس فلان. وقوله: ((كما ترون القمر)) وهذا هو التشبيه المحض لأنَّ القمر يُرى في مكانٍ دون مكانٍ، ويُرى مُدوَّراً على صفةٍ مخصوصةٍ. وهو جسمٌ، وإذا كان الله يُرى في مكانٍ دون مكانٍ، وكان مَحْوِياً بالجهات، وكان مُدَوراً بصورةٍ مخصوصةٍ، فهل هو إلا جسمٌ مشبهٌ للأجسام، فكيف يكون التشبيه غيره هذا؟ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيراً. فصحّ أنه ليس من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.(1/174)
وإن قال قائل مستفيد: ما تقولون لو كان صحيحاً، ما يكون تأويلُهُ؟ قلنا: ليس هو بصحيحٍ، فإن صحّ فمعناه: تعلمون ربكم علمَ ضرورةٍ كما تعلمون القمر علمَ ضرورةٍ بالمشاهدة؛ لأن المشاهَدَ يُعلم علمَ ضرورةٍ، والله تعالى يُعلم في الدنيا عِلْمَ استدلالٍ، ويُعلم في الآخرة علمَ ضرورةٍ بغير مشاهدةٍ؛ ولأن الاستدلال يسقُطُ في الآخرة لأنه تكليفٌ وبحث وإزالة تشبيهٍ، وقد سقط في الآخرة التّكليفُ، فصحّ أنه يُعلم في الآخرة علم ضرورة. ولأن العبد عندما يَرى صدق الوعد والوعيد، يعلم ربه علمَ ضرورةٍ، وقد سأل موسى ربَّه أن يُريَهُ آية من آيات الآخرة حتى يعلم ربَّه علمَ ضرورةٍ، فقال: {رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي}[الأعراف:143]، ويحتمل أن يكون سأل ربَّه أن يبيِّن له نفيَ الرؤية إذ سأله قومُه الرؤيةَ، فقال: {لَنْ تَرَانِي}. و(لن) عند أهل اللغة للقطع والتأبيد، قال الله تعالى: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا ...}الآية[الحج:37]، وقال: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ }[آل عمران:92]، ولأن الله عاقب الذين سألوا موسى أن يُريهم الله ولم يُعاقب موسى، ولو كان موسى سأله كسؤالهم لكان معاقباً مثلهم. وقد حكى الله عن موسى عليه السَّلام أنه نسب ذلك إلى بعض قومه، ونفاه عن نفسه بقوله: {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا }[الأعراف:155]. وأما توبة موسى فإنها من سؤاله البيان قبل الاستئذان. والأنبياء لا يُقيمون(1/175)