{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }[المائدة:47].
فأما من تأول في مسائل الاجتهاد فأخطأ فلا إثم عليه إذا لم يجد المسألة في كتاب الله، ولا في سنّة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا في الإجماع، وكان عالماً بالكتاب والسُّنة والإجماع.
ويؤيد هذا ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: ((بِمَ تحكم ؟)) قال: بكتاب الله، قال: ((فإن لم تجد؟)) قال: فبسنّة رسول الله، قال: ((فإن لم تجد)) قال: فأجتهد رأيي لا آلو اجتهاداً، فقال: ((الحمد لله الذي وفَّق رسول رسول الله لِمَا وفّق له رسول الله )). والصفات التي ذكرنا هي من مسائل الاجتهاد، وليس في الكتاب ولا في السُّنة أن الله تعبّد الخلق بمعرفتها. وقد اختلف فيها العلماءُ من العامّة، وفي غيرها من الأعراض.
فقال أبو الهذيل، ومعمر، ومن قال بقولهما بالأعراض وأثبتوا جوهراً قابلاً للأعراض، قالوا: والدليل على الجوهر أنهم لَمَّا رأوا البُسرةَ خضراءَ وعينها قائمة، ثم رأوها حمراءَ وعينها قائمة علموا أن ثَمَّ معنًى وجوهراً قابلاً للألوان، ومُحالٌ أن يكون اللونُ والطعمُ جسماً واحداً، ومُحالٌ أن يكونا جسمينِ في مكانٍ واحدٍ. وقال هشام بن الحكم ومن قال بقوله، وأبو بكر الأصم ومن قال بقوله: ليس في العالم عرضٌ لأنه لا يُعقل إلا الجسم الطويل العريض الشاغل للمكان، ومُحالٌ أن يكون ليس بشاغلٍ، ومن ثَمَّ نفوا الأعراضَ.(1/101)


وقال بشر بن المعتمر ومن قال بقوله: اللونُ والطّعمُ والرّائحةُ والصّوتُ والحسُّ وما أشبه ذلك أعراضٌ وأن جوهراً قابلاً لها، وزعموا أن الحركة ليست بأعراضٍ ولا أجسامٍ؛ لأن الأعراض تبقَى زمنين، والحركة لا تبقَى زمنينِ ماضٍ وحالٍ. قال: وقد كفانا أبو الهذيل مُؤنة مناظرتهم. ذكر الإمام الناصر لدين الله أحمد بن يحيى عليهما السلام في كتاب النّجاة: أن أبا الهذيل ناظر حفصاً ـ من أصحاب بشر بن المعتمر ـ وقد نَفَى الحركات، فقال له أبو الهذيل: أخبرني كم حدّ الزّاني؟ قال حفصٌ: مائة جلدةٍ. قال أبو الهذيل: فكم حدّ القاذف؟ قال حفصٌ: ثمانون. قال أبو الهذيل: فأخبرني هل الجلد هو الجلاّد؟ قال حفصٌ: لا. قال أبو الهذيل: فهل هو جنب المجلود؟ قال حفصٌ: لا. قال: فهل هو السّوط؟ قال: لا. قال أبو الهذيل: فأرِنِي لا شيءَ، زاد على لا شيء عشرين. فانقطع حفصٌ ولم يجد جواباً.
وقال إبراهيم النّظّام، ومن قال بقوله: إن الألوان وما أشبه ذلك أجسامٌ، وإنه ليس في العالم إلا جسمٌ، إلا الحركات فإنها أعراضٌ، قالوا: والدليل على ذلك أنه لما رُؤيَ الجسمُ الطويلُ العريضُ العميقُ، فمن حيث ما رُؤِيَ الجسمُ واللونُ فيه فكان كذلك اللونُ جسماً طويلاً عريضاً عميقاً.(1/102)


هذا ما علمناه من خلاف المتقدمين من أهل الإسلام. فأما أهل البيت" فلا خلاف بينهم في العرض وثبوته، وأنه مُدْرَكٌ إلا الحركات. وأن المُدْرَكَ بالحواسِّ تسعةٌ: الألوانُ، والروائحُ، والطّعومُ، والحرارةُ، والبرودةُ، والرُّطوبةُ، واليبوسةُ، والأصواتُ، والآلامُ، وسنورد أقوالهم في ذلك في موضع الاحتجاج ـ إن شاء الله تعالى ـ على مخالفيهم.
وقالت المطرفيَّة: الأعراضُ كلُّها تُعلم ولا تُدركُ بالحواسِّ، وقالوا: هي لا تَحلُّ ولا تُحلُّ ولا تُتوهَّمُ، وأثبتوها شيئاً لا يُرى.
وقالوا: لا يُرى اللونُ ولكنه يُعلمُ، ولا يُسمع الصّوتُ لكنه يسمع الجسم المصوتُ، ولا يُدرَكُ عندهم الطَّعمُ، ولا الرّائحةُ، ولا الحرارةُ، ولا البرودةُ، ولا الآلامُ، لكن تُدرَكُ الأجسامُ وتُعلمُ الأعراضُ.
فأوَّل ما يُحتج به عليهم من العقل أن الله قد خلق للإنسان، وغيره من الحيوان خُرُوقاً في جسده لِمَا يدخل ويخرج. فمنها ما خلق لِمَا يدخل ويخرج لصلاح العبد وهو: الفمُ والمنخرانِ، فالدّاخل هو المطعومُ، والمشروبُ، والرائحةُ، وما يستنشق من الهواءِ. والخارجُ: الأنفاسُ، والقيءُ، وشبهه. ومنها ما خلق لِمَا يخرج وهو السبيلانِ. ومنها ما خلق لِمَا يدخل وهما الأذنانِ، ولا خلاف في ذلك.
فنقول لهم: أخبرونا عن هذا الدّاخل في الأذنينِ ما هو أجِسْمٌ أَمْ عَرَضٌ؟
فإن قالوا: جسمٌ. قلنا: وأيُّ الأجسام هو؟ أتقولون: هو المتكلّم على الكمال، أو جزء من جسمه؟
فإن قالوا: هو الإنسانُ على الكمال، فالخرق ضيّقٌ لا يسعه. وأيضاً فلم ينتقل من موضعه الذي يتكلم فيه إلى أذن السّامع.(1/103)


وإن قالوا: الدّاخل هو جزء منه. قلنا: هذا باطلٌ من القول أن يكون الإنسان بعضه مستقرًّا وبعضه منتقلاً، فبطل دخول الجسم من هذا المعنى، وصح أنَّ الله تعالى ما جعل خرق الأذنين إلا طريقاً للأصوات دون المصوِّتين.
فإن قالوا: فإذا قلتم: العرضُ مسموعٌ فكيف يدخل العرض في أذن السّامع، والعرضُ لا يقوم بنفسه؟ قلنا: إنا قد بيّنا الكلام فيما تقدم أنّ الهواء هو الذي يحمل الأصوات، وقد فطره الله على حمل الأصوات، والدخول بها في الآذان السّامعات، وهو شبحُها بعد انقطاع كلام المتكلم، والمتكلّمُ شبحُها في حال كلامه.
ومما يدل على أن الهواء هو الذي يحمل الأصوات: أن المصوِّت إذا كان منتزحاً من المستمع، لم يسمع المستمع الصوت عند نطق المصوِّت به، بل يلبث على قدر بُعْدِهِ، وذلك مشاهدٌ فيمن يضرب بزبرةٍ في حجرٍ أجْوَفَ أن المستمع له من مكانٍ بعيدٍ يراهُ عند ما يُهَوِّي بالزُّبرة إلى الحجر، ولا يسمع صوت الزبرة هَوِيِّهِ للضرب، بل يسمعه بعدُ، فلما كان الصوت يلبث شيئاً، علمنا أن الهواء هو الذي لبث به، وقطع به المسافة، ومما يؤيد ذلك أنّ الرياح تردّه إذا قابلته.
ومما يُبيّن لك أنّ الهواء هو الذي يحمل الأصوات أن المنادي قد ينادي في عسكرٍ كثيرٍ يكون فيه ألوفٌ من النّاس، فيسمع كلُّهم صوتَهُ، فلم يكن المصوِّتُ ينقسم بين أُلُوفٍ من الآذان فصح أن الهواء هو الذي يحمل الصوت.(1/104)


ودليل آخر: أنه لا يُعلم الكلامُ من غير طريق السمع، ألا ترى أن الأصمّ، ومن يَسُدَّ أذنيه لو رأى إنساناً يُحرِّك لسانه وشفتيه بغير كلامٍ أنه لا يفرق بينه وبين من يتكلم، فبطل قولهم: أن المتكلم يُسمعُ ويُعلمُ الكلامَ. وقد قدمنا الاحتجاج عليهم من كتاب الله في هذا، ومن سُنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن أقوال الأئمة الهادين ".
فأما قولهم: إن العرضَ شيءٌ لا يُوهَمُ ولا يَحِلُّ ولا يُحَلّ، وهو يُعلمُ ولا يُحسُّ؛ ولأنهم يقولون في العرض: كونُهُ فَنَاؤه، فإنهم لو نفوا العرض ولم يثبتوه شيئاً معلوماً لكان أصلح لهم وأوفق لهم من أن يصفوه بصفات الله تعالى؛ لأن الله شيءٌ يُعلم ولا يَحِلُّ ولا يُحَلُّ ولا يُحسُّ ولا يُوهَمُ، وقد غلطوا في هذا غلطاً كبيراً؛ ولأنه إذا لم يكن حالاًّ في الجسم فليس هو في الهواءِ، ولا في الأرض، ولا في السماءِ، وإذا لم يكن في الهواءِ، ولا في الأرض، ولا في السماء فعدمُهُ ووجودُهُ [على] سواءٌ، ولا معنى له ولا نفاعة فيه.
وإذا لم يكن أيضاً محْسوساً، ولا مَوْهُوماً، لم يكن مشابهاً للأجسام ولا للأعراض؛ وكان متنزّهاً عن النقصان والأعراض.(1/105)

21 / 115
ع
En
A+
A-