و]الآخِرَةِ)). وقال أمير المؤمنين عليه السَّلام: آية من كتاب الله تركها النّاس وهي: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}. وقال زيد بن علي عليهما السلام: أما بعدُ يا قارئَ القرآن، فإنك لن تتلو القرآن حق تلاوته، حتى تعرف الذي حرفه [وهو الله تعالى]. وقال القاسم بن إبراهيم عليه السَّلام في مديح القرآن: كتابٌ أنزله الرحمنُ الأعلى برحمته من السماوات العلى، فأقرّ في أرضه قراره، وثبَّت في عباده أنواره ...إلى قوله: سَمَاويٌّ أحلّه الله برحمته أرضه، وأحكم به بين العباد فرضه. وذكر قوماً حرّفوه فقال: بل حتّى كادت تجعل فاءه ألِفاً وأَلِفَهُ فاءً، للجهل بالله. وقال في موضعٍ آخر: كيف بما في حَوَامِيمِهِ من غرائب حِكَمِهِ، وفي طَوَاسِينِهِ من عجائب مكنونه، وفي (ق)، و(طه)، و(يس)، من علمٍ جم للمتعلِّمين، وما في (كهيعص)، والمرسلات من سائر العلوم الخافيات. فبين أنّه كلامٌ، وأنه في الأرض حالٌّ، وأنّه حروفٌ، وأنّه مسموعٌ؛ لأنه قال فيه: فإنك إن تسمع منه بأذنٍ واعية ثم تقبل عليه منك بنفس لحكمة راعية، تسمع صوتاً منه بالهُدى صيِّتا، وتعرف مَن جعله الله حيًّا مِمَّن جعله ميِّتاً.(1/96)


وقال ولده محمد بن القاسم عليهما السلام في تفسير قول الله تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا }[النساء:164]، معنى كلام الله لموسى عليه السَّلام عند أهل العلم به أنه أنشأ كلاماً أحدثه كما شاء، فسمعه موسى وفهمه، ولم يجعل الله بينه وبين موسى مَلَكاً رسولاً، وأَسْمَعَهُ النِّداءَ فقال: {إِنّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ }[القصص:30]، والنداءُ غير المنادي، والمنادي هو الله جل ثناؤُهُ، والنِّداءُ غير الله تباركت أسماؤُه. وما كان غير الله فهو محدثٌ بعد أن لم يكن.
وقال الهادي للحق عليه السَّلام في كتاب الأصول: وإن القرآن أنزله الله على نبيئه صلى الله عليه وآله وسلم، وأنشأه وخلقهُ، ووصلهُ وفصّلهُ، وألَّفهُ وأحدثهُ. وقال عليه السَّلام في مسائل الرازي -وقد سأله: كيف يأخذ جبريل الوحيَ من الله، وكيف يَعْلَمُهُ، وكيف السبيل فيه حتى يفهمه؟- فقال الهادي للحق عليه السَّلام: اعلم هداك الله أن القول فيه عندنا كما قد روي فيه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه سأل جبريل عن ذلك فقال: ((آخذه من مَلَكٍ فوقي ، ويأخذه المَلَك من مَلَكٍ فوقه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: كيف يأخذه ذلك الملَك ويعلّمه؟ فقال جبريل صلى الله عليه: يُلقَى في قلبه إلقاءً، ويُلْهَمهُ إلهاماً)).
قال الهادي إلى الحق عليه السَّلام: وكذلك هو عندنا أنه يُلْهَمُهُ الملَك الأعلى إلهاماً. فيكون ذلك الإلهام من الله وحياً، كما ألهَمَ تبارك وتعالى النَّحل لِمَا تحتاج إليه، وعرّفها سبيلها.
وسأله: كيف كان الكلام من الله لموسى صلوات الله عليه؟(1/97)


فقال عليه السَّلام: كان معنى ذلك أن الله تعالى خلق له كلاماً في الشّجرة سمعه موسى بأُذنه، كما كان يسمع ما يأتي به الملَك إليه من وحي ربّه، فكان فَهْمُ موسى -صلى الله عليه- وسماعُهُ لذلك الكلام الذي شاء الله إسمَاعَهُ إيّاهُ لِمَا أراد من كرامته واجتبائه، ففي ما هاهنا كفاية.
ولم يقل أحدٌ مثل مقالة هذه الفرقة؛ إلا أن قوماً من المجبرة قالوا في القرآن قريباً من قول هذه الفرقة؛ في أن القرآن ليس بمسموعٍ ولا هو كلامٌ، ولا هو حروفٌ، وقالوا: هو قديمٌ، وهو معنًى في النّفس. فاحتجّ عليهم السيد أبو طالب عليه السَّلام في التَّبصرة في كتاب الهادي فقال: وأيضاً فإن كلامه تعالى لا يخلو من أن يكون من جنس الكلام المعقول فيما بيننا، وهو أن يتركَّب من جنس الأصوات والحروف، أو مخالفاً لذلك. فإن كان من جنس الأصوات والحروف وإلا لم يكن يدرك الأجسام والأعراض، فلا شبهة في حدوثه، وإن كان مخالفاً لذلك لم يصح أن يكون كلاماً وأن يُفهم به شيءٌ، فالمثبِتُ لكلامٍ مخالف للكلام المعقول فيما بيننا، فإنه في حكم من يُثبِتُ جسماً مخالفاً للأجسام المعقولة فيما بيننا، ويُثبِتُ مع الله تعالى جسماً قديماً مخالفاً لسائر الأجسام. ومن يزعم أن الكلام معنًى في النفس، وأن الحروف المسموعَةَ دلالةٌ عليه، فهو في التَّجاهل بمنزلة من يزعم أن الصوت معنًى في النفس، وأن المسموعَ منه دلالةٌ عليه؛ وأن اللونَ معنًى في النفس، والمرئيَّ منه دلالةٌ عليه، فتبيّن جهل من يقول بهذه المقالة، وقد قال الله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ(1/98)


حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ}[التوبة:6]. ورُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه سمع خفقَ نَعْلٍ وهو يُصلِّي، وهو ساجدٌ، فلمّا فرغ من صلاته قال: ((من هذا الذي سمعت خفق نعله ))، فقال أنا يا رسول الله، قال: ((فما صنعتَ؟)) قال: وجدتُّك ساجداً فسجدتُّ [معك]، قال: ((هكذا فاصنعوا، ولا تعتدُّوا بها ، ومن وجدني قائماً أو راكعاً أو ساجداً فليكن معي على حالتي التي أنا عليها)) فبيّن أنه سمع خفق النعل، وخفق النعل هو غير النعل.
وقول من يقول: إن كلام الله لا يُسْمَعُ مكذِّبٌ لكتاب الله، وقد قال الهادي إلى الحق عليه السَّلام في كتاب المسترشد: فلمّا سمعت حاسّة الأذن صوتاً علم السّامعُ أنه له مُصوِّتاً منه كانَ، ومن بعد خروجه من حلقه بانَ لسامعه. وهذا عكس ما قالوا: من أن المتكلم يسمع ويعلم الكلام، وقد قال الله تعالى: {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ}[النور:31]، فبيّن أن الجسم معلومٌ، وأن الصوتَ مسموعٌ، وقد قال تعالى: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ }[آل عمران:52]، بمعنى سَمِعَ منهم الكفر، فصحّ أن الكلام محسوسٌ، وفي هذا بيانٌ لمن كان له قلبٌ، ولا يمتنع أن نقول: سمعنا زيداً يتكلم، بمعنى أنا سمعنا الكلام منه، وأنه مُسْمِعٌ، وهذا معنى قول الله تعالى: {إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي للإِيمَانِ }[آل عمران:193].(1/99)


فصل في الكلام في الألوان والطعوم والروائح
اعلم أن هذه أعراضٌ؛ وهي صفاتٌ ضروريّةٌ للأجسام، والدليل على أنّها أعراضٌ أنها لا تقوم بنفسها، وأنها تبطُلُ بأضدادها؛ وكذلك الضياء والظلمةُ، واللينُ والخشونةُ، والحرارةُ والبرودةُ. ومعرفة هذه الجملة فروعٌ، ومن تأول في الفروع فأخطأ لم يُحكم عليه باسم الكفر، ولا يُحكم عليه باسم الفسق، ولا يُحكم عليه بأنّه مُعاقَبٌ بذلك.
فأما الأصول فإن من تأوَّلها فأخطأَ فإنه معاقبٌ مأثومٌ. فإن كان في خطائه مخالفاً للمسلمين، موافقاً فيه للكافرين، فهو كافرٌ لموافقة الكافرين في قولهم، مثال ذلك: من زعم أن القرآن قديمٌ، ومن يزعم أن الله يُرى يوم القيامة (بالأعيان)، ومن يزعم أن الله أجبره على فعله، وهؤلاءِ قد خالفوا المسلمين، ووافقوا الكفار في قولهم. أما موافقة الكفار فإن الكفّار الثنوية ادَّعو إلهينِ قديمينِ، وهؤلاءِ يقولون: القرآن قديمٌ مع الله، فأثبتوا إلَهَيْنِ قديمينِ. والذين يقولون: إن الله يُرى يوم القيامة وافقوا الكفار في توهُّمهم أن الله يُرى بالأعيان فَقَالُوا: يا موسى (أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً) . ومن يزعم أن الله أجبره على فعل القبيح والحسن، فإنهم وافقوا الكفار في قولهم: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا }[الأنعام:148]، وبموافقتهم للكافرين خالفوا المسلمين. ومن كان في خطائه وتأويله موافقاً للفاسقين مخالفاً للمؤمنين فهو فاسقٌ، من ذلك: من يتأول خلاف الكتاب والسُّنة والإجماع وليس معه علمٌ من الكتاب والسُّنة والإجماع، فيكون فاسقاً لحكمه بخلاف ما أنزل الله؛ قال الله تعالى:(1/100)

20 / 115
ع
En
A+
A-