ومن السنة: بما رووه عن خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أين أطفالي منك يا رسول الله؟ قال: " في الجنة. قالت: فمن غيرك؟ قال: في النار ولو شئت لأسمعتك ضغاهم ".
والجواب: أنا قد قدمنا أنه لا يصح لهم الاستدلال بالسمع مهما كانوا على ذلك المذهب الباطل والاعتقاد العاطل، إذ لا وثوق بالسمع بناءً عليه لأنه تعالى غير منهي عن الكذب ولا عن إرسال من يكذب في خبره، ولأن ما تمسكوا به من جملة المتشابه وهو عندهم لا يعلم تأويله إلا الله، وأيضاً لا دلالة فيما ذكره على المدعى لأن قوله تعالى: ?وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ ?، يريد به مما لهم فيه التسبيب بِسَنِّ البدعة كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: " من سن سنة سيئة كان له وزرها ووزر من عمل بها "، وقوله تعالى: ?لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ?، المراد به: التحريض على النهي عن المنكر والتحذير عن ترك النهي عنه، لأنه إذا ترك العالم بالمنكر النهي عنه مع القدرة صار عاصياً في نفسه فإذا نزلت العقوبة على ذلك المنكر لم تخص فاعله بل تعم الفاعل وتارك الإنكار عليه، وأما قوله تعالى: ?كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا ?، فالجلد المبدل به لا يصح تعذيبه على انفراده وإنما التعذيب على جملة الحي الذي هو العاصي، وأما الحديث فليس فيه التصريح بأن المعذبين من أولادها عليها السلام من غيره صلى الله عليه وآله وسلم أنهم كانوا أطفالاً، وإنما ذلك مصرح به عند سؤاله عما ولدت منه صلى الله عليه وآله وسلم حيث قالت: أين أطفالي منك؟ ثم قالت: فمن غيرك؟ ومن الجائز أن التقدير فأولادي من غيرك وقد علم صلى الله عليه وآله وسلم أنهم ماتوا بَالِغِين على الكفر، فأجاب على مقتضى أنهم في النار، فلا حجة فيه، وإنما كان تتم للخصم حجته إن سلمنا صحة الحديث وبلغ حد التواتر وسلم عن المعارض من عقل أو نقل لو(1/481)


قالت: فأطفالي من غيرك؟ على أنها لو قالت كذلك لم يكن ثمة مانع من تأويله بأن أطلقت عليهم اسم الأطفال تجوزا مشاكلة، أو باسم ما كانوا عليه، وذلك شائع في كلام العرب كقوله:
ويُسْرِعُ بالفواحشِ كُلُّ طِفْلٍ .... يَجُرُّ المُخْزِيَاتِ ولا يُبَالِي
وقول الآخر:
عَرَضْتُ لِعَامِرٍ والخَيْلُ تُرْدِي .... بِأَطْفَالِ الحُرُوبِ مُشَمِّرَاتِ
وهو مُعَارَضٌ بما ذكرنا من الآيات الصريحات، ومثلها قوله تعالى: ?وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى?{النجم:39}، وقوله تعالى: ?مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ?{النساء:147}، وقوله تعالى: ?كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ?{المدثر:38}، وقوله تعالى: ?لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ?{البقرة:286}، ?فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه o وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه?{الزلزلة:7،8}، والقرآن مملوء من نحو هذا.
ومن السنة:
ما أخرجه مسلم بن الحجاج من قوله صلى الله عليه وآله وسلم حاكياً ومبلغاً عن الله عز وجل: " يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ".
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق وعن الصبي حتى يحتلم ".
وعن عائشة: " ليس على ولد الزنا من وزر أبيه شيء لا تزر وازرة وزر أخرى "، وروي عنها أنها ردت خبر تعذيب الميت ببكاء أهله، وتأوله بعض أصحابنا إن صح على أنه أوصى به فحينئذ لا حجة فيه.(1/482)


وبما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم لما سُئل عن أطفال المشركين فقال: " لم يعملوا الحسنات فيكونوا من أهل الجنة ولم يعملوا الذنوب فيكونوا من أهل النار ولكنهم خدم أهل الجنة " أخرجه الدارمي والقاضي، ونحوه أخرجه السيد أبو طالب وابن عَدِي عن سَمُرَة بلفظ: هم خدم أهل الجنة.
والمرشد بالله عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً: " أطفال المشركين في الجنة فمن زعم أنهم في النار فقد كذب بقوله تعالى: ?وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْoبِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ? "{التكوير:8،9}.
وأخرج المرشد بالله عليه السلام وابن أبي حاتم عن مُلَيكَة: سمع ابن عمر بكاءً فقال: ألا تنتهي عن البكاء فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إن الميت ليعذب ببكاء الحي عليه " فأتيت عائشة فذكرت ذلك لها فقالت: والله لتخبرن عن غير كاذب ولكن السمع يخطي، وفي القرآن ما يكفيكم ?لا تزر وازرة وزر أخرى?.
نقلنا هذه الجملة من كتاب شيخنا صفي الإسلام رحمه الله تعالى قال رحمه الله تعالى بعد نقله لهذه الأحاديث وغيرها تركناه اختصاراً ما لفظه: فانظر أيها الحشوي كم عارضنا حديثك المختلف المخالف لعقل كل موفق. ويلزمهم على ذلك أنه لا فائدة للطاعة ولا مضرة في المعصية ولا ثمرة للحساب ونصب الموازين ونشر الصحف وإنزال الكتب وإرسال الرسل لأن الثواب والعقاب ليسا مترتبين على شيء من الطاعات والمعاصي.
وحكي أن مجبراً قص فقال لمن يسمع: يغفر الله يوم القيامة لجميع مذنبي أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ثم ينادي يا عبادي أبمثل هذا يؤتى إن كان لكم عناء في الطاعة فمالكم لا تأتوني بالمعاصي لأغفر لكم. فقال عدلي: هذا إغراء بالمعاصي. فقال: نعم رغماً لك!
وقال عدلي لمجبر: ما تقول إذا كانت ذنوب المسلمين تُحمل على الكفار فهي إذاً أولى ما يفعل لأنه يزداد بها غم الكفار.(1/483)


وقال عدلي لمجبر: ما تقول في مشرك مات طفله حال الشرك، ثم أسلم هو؟ فقال المجبر: المشرك الذي أسلم في الجنة وولده في النار.
واحتضر مجبر وعليه دين فجمع أولاده وقال: قد علمت أني في إحدى القبضتين فاحتفظوا بمالكم ولا تقضوا من ديني شيئاً، فإن كنت من أهل الجنة لم يضرني ذلك، وإن كنت من أهل النار لم ينفعني شيء.
فانظر إلى هذا المخذول كيف حدثته نفسه مسلوبة التوفيق أن قضاء الدين لا ينفع وتَرَكَ العمل بما هو واجب شرعاً إجماعاً من الوصية بقضاء الدين ولم يعلم أنه أحد أسباب دخول الجنة وترك الايصاء به ومطله أحد أسباب دخول النار،وليس ذلك ببعيد أن يكون هذا وأمثاله من أهل الجبر يصدر منهم تفريعاً على ذلك الاعتقاد الفاسد والمسلك الكاسد.
واعلم أنه يلزم الأشعرية وغيرهم من سائر المجبرة الذين منعوا وقوع التعذيب والإثابة لغير من يستحق ذلك وقطعوا بأن المؤمن في الجنة والكافر في النار، وإنما خالفوا في الجواز فقط أنها إذا كانت أفعال العباد مخلوقة فيهم فقد عذب وأثاب سبحانه من لا يستحق ذلك، ففرارهم عن موافقة الحشوية في القول بالوقوع لا معنى له، واستدلالهم بالآيات التي مرت يدل على أنهم يقولون: بالوقوع، ولكن جرينا على وفق ما ينقله الأصحاب عنهم وهو الذي صرحت به مؤلفاتهم، فلينظر في ترقيع خرافاتهم حيث يمنعون الوقوع مع أنهم متوحلون فيه.
I(1/484)


فصل في الكلام في القضاء والقدر وغيرهما من المتشابه
اعلم أن القضاء والقدر والهدى والضلال، والطبع والختم، والإغواء والفتنة، والتزيين من الألفاظ المتشابهة، وقد علمت أن الناس فيه بين قائل: لا يعلم تأويله إلا الله، وقائل يعلمه الراسخون في العلم، فمن ذهب إلى الأول لا يصح له التمسك بالآيات التي فيها ما ذكر من القضاء والقدر ونحوهما على أن الله خلق أفعال العباد وأرادها منهم، لأن ذلك ينقض عليه أصله من أنه لا يعلم تأويله إلا الله، ومن ذهب إلى الثاني صح له البحث والنظر في معاني تلك الألفاظ بمقتضى اللغة العربية فيحملها على الوجه الأنسب لتنزيه الله تعالى عن فعل القبيح والأقرب إلى موافقة الآيات المحكمة نحو: ?وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ?{غافر:20}، ?وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ?{الزمر:7}،?لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ?{البقرة:205}، وقد خالف أهل الجبر أصلهم وقاعدتهم أن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله، وزعموا أن تلك الألفاظ دالة على أن الله تعالى خلق أفعال العباد وأضلهم وأغواهم عن الدين وفتنهم عنه وزين لهم الكفر وأراده منهم وكذلك الفسق وسائر العصيان، تعالى الله عن إفكهم علواً كبيراً، وقد سبق في هذا المختصر أن الله تعالى إنما أنزل المتشابه ليبتلي عباده العلماء ويتعبدهم بالتأمل والتدبر لاستخراج معانيه الصحيحة المرادة واجتناب التأويلات الباطلة القبيحة الكاسدة التي أشار الله تعالى إليها بقوله: ?فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ? {آل عمران:7}.(1/485)

97 / 311
ع
En
A+
A-