قلنا: إنه قال: ?خَلَقَ لَكُمْ? والظلم والفساد علينا لا لنا، فلم تتناولهما الآية، وأسخف من هذا الاستدلال ما استدل به الرازي في مفاتيح الغيب بقوله تعالى: ?لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ?{التغابن:1}، ومن جملة ما في السماوات وما في الأرض الظلم والكفر وسائر أفعال العباد، ولو أنصف لعلم أن لا دلالة في الآية لأنها إنما تدل على مطلوبه أن سلم دلالة عموم لو لم يوجد المخصص عقلاً ولا سمعاً كيف وقد اعتضدا عليه، أما العقل فبما علم من الأدلة السابقة من توقفها على قصدنا وداعينا وحسن الأمر والنهي ونحوهما لها، وأما السمع فقوله تعالى: ?وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ?، ?اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ?{فصلت:40}، إلى غير ذلك من الآيات،والمعنى في ?خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ? أنه خلق كلما يصح الانتفاع به مما في الأرض من الثمار والأشجار والأنهار ونحو ذلك لأنه ساق الآية مساق الامتنان ولا امتنان على الإنسان في خلق الظلم والفساد عليه دل الامتنان في عدم إيصال ذلك إليه، وقوله: ?لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ?، يريد من الأجسام الحيوانات والجمادات والأعراض الضروريات كالروائح والطعوم والألوان وغير ذلك لا نحو أفعال العباد فهي خارجة عن ذلك يدل عليه قوله: ?وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ?{البقرة:284}، فلو أراد إدخال أفعال العباد في ذلك لما صح هذا التهديد ولا استقام ذلك الاستلام والوعيد.
قالوا: قال تعالى: ?هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ?{يونس:22}، فنص على أنه تعالى فاعل التسيير.(1/466)
قلنا: أما السير في البحر فلا كلام فيه لأن السفن تسير بهبوب الريح أو نحوها كالسفن التي تسير على وقيد النار في زماننا هذا لأن ذلك فعله تعالى بلا ريب، وأما السير في البر فإنما أضافه إلى نفسه سبحانه لأنه من حيث أنه أقدرهم عليه ومكنهم منه يخلق ما يحمل أثقالهم عليه من الأنعام والآلة وإزالة الموانع والتعويقات، فصح إسناده إليه بهذا المعنى لا بمعنى أنه يفعله فيهم حقيقة، وإلا لما صح أن يأمرهم به ويحضهم عليه للتفكر وينهاهم عن المشي مرحا.
قالوا: قال تعالى: ?وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً? {النساء:83}.
قلنا: ما أنكرتم أن ذلك الفضل هو إرسال الرسل وإيضاح السبل والتوفيق ومعلوم أنه لولا ذلك لما عرفت الشرائع والأحكام ولا اجتنب الحرام فيكونوا موافقين للشيطان في ارتكاب المحرمات والإخلال بالواجبات، فمن أين لكم أن المراد: ?وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ?بخلق الإيمان فيكم، ومثل هذه الآية قوله تعالى: ?وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أبداً? {النور:21}؟.
قالوا: قال تعالى: ?وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا? {الكهف:28}.(1/467)
قلنا: المعنى حَكَمنا على قلبه بالغفلة أو وجدنا قلبه غافلاً، ويستعمل الغُفْل في الطريق التي لا منار له، وفي القِدْح الذي لا نصيب له، وفي الشيء الذي لا سمة له يقال أغفل أبله إذا لم يسمها، والإغفال: الترك يقال: أغفل الموصي ذكر الدين الذي عليه- أي ترك ذكره- على أن المصدر وهو قوله: ?ذِكْرِنَا? مضاف يحتمل أنه من باب الإضافة إلى الفاعل فالمعنى تركنا ذكره لدينا مع من نذكره من المؤمنين، أو من باب الإضافة إلى المفعول كما هو مطلب الخصم فلا يسلم لزوم خلق الغفلة لأنها من باب العدم، فلا تحتاج إلى خلق، ومع أن الذكر يأتي تارة بمقابلة الغفلة فلا معنى له هاهنا، وتارة بمعنى ذكر الثناء والمدح، وتارة بمعنى الشرف والفضل ?وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ?{الزخرف:44}، وتارة بمعنى التذكر ?وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ?{القمر:17}، ويطلق اسماً للقرآن ?وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ?{النحل:44}، وتارة على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ذكراُ رسولا يتلو عليكم، وإذا كان الأمر كما ذكر من تعدد معاني الذكر ومعاني الغُفْل والإغفال بطل الاستدلال عند الخصم، لأن ذلك من المتشابه ولا يعلمه إلا الله.
قالوا: قال تعالى حاكياً لحال الكفار: ?وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ?{النساء:78}، ثم رد عليهم بقوله: ?قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ?.(1/468)
قلنا: لم يرد هاهنا بالحسنة والسيئة الطاعة والمعصية إذ لو أرادهما لنقضه بقوله بعدها ?مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ?{النساء:79}، وإذاً لما كان لقوله: ? فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا?{النساء:78}، معنىً، وإنما أراد بالحسنة ما يستحسنه ويستحليه الطبع من الخصب والرخاء وسعة الأرزاق وكثرة الأمطار وصلاح الثمار وصحة الأبدان وصلاح الأولاد والبهائم وإدرار الضرع ويناع الزرع، وأراد بالسيئة أضداد هذه المذكورة وهي ما يسُؤ الطباع ويستنفره من القحط والشدة وتضييق الأرزاق وقلة الأمطار واجتياح الثمار ومرض الأبدان وموت الأولاد والبهائم وشحة الضرع وعدم نبات الزرع، فإن حصل لهم الضرب الأول المسمى بالحسنة أقروا أنه من الله وأن الفضل في ذلك له، وإن حصل الضرب الثاني المسمى بالسيئة نسبوه إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من باب التشاؤم والتطير حيث كانوا يقولون: هذا من شؤم محمد وأصحابه كما كان من قوم موسى عليه السلام حيث حكى الله عنهم ?فَإِذَا جَاءَتْهُمْ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ?{الأعراف:131}، فرد عليهم بقوله: ?قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ?، يعني النعمة والبلية بالخصب والقحط والشدة والرخاء وسائر ما ذكر من عند الله، ولا نزاع في ذلك وهو حسن وحكمة وصواب، لأن النعمة واقعة على سبيل التفضل والتكرم والرحمة وذلك حسن بلا ريب، والبلية واقعة بسبب ما سبق من المعاصي والذنوب كما بينه بقوله: ?مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ?، يعني تفضلاً وتكرماً لا عن استحقاق سابق ?وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ?، أي فسببه من نفسك وهو المعاصي والذنوب، ويدل عليه قوله تعالى: ?ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي(1/469)
النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ?{الروم:41}، أراد بالفساد نقائص الثمار واجتياحها ونحو ذلك سبب كسب الذنوب، ثم قال معللاً حسن تلك النقائص والاجتياح ? لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا?، وليكون فيه ارتداعهم وانزجارهم ليتوبوا ويرجعوا إلى الله، ويصح في هذه الآية معنى آخر وهو أن المراد بالفساد تغلب الظلمة وولاة الجور وهو من جهتهم وليس من الله تعالى إلا التمكين منه لا غير مع أنه نهاهم وزجرهم وتوعدهم على نفس الفساد، ثم علل التمكين للظلمة بقوله: ?بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ?، وهم الرعية من المعاصي ومخالفة الأئمة الهادين ليذيق الرعية بعض الذي عملوا ولعلهم يرجعون إلى طاعة الله وطاعة ولاة الأمر المحقين، وهذا أمر حسن وتأديب من الله تعالى، وإليه الإشارة في قوله: ? وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ?{الأنعام:129}،وقوله تعالى: ?وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ? {الأنعام:65}.
قالوا: ?وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى?{الأنفال:17}، فأخبر تعالى أنه هو الذي رمى.(1/470)