قلنا: وكذلك سبق في علم الله أن الله تعالى ينزل الأمطار وينبت الثمار فلو لم يفعلها لكشف عن الجهل، وكذلك سبق في علم الله أن العبد يفعل الكسب فلو لم يفعله لكشف عن الجهل، فما أجابوا به فهو جوابنا، وهذا الجواب إلزامي ومعارضة للقول بمثله.
والجواب الحقيقي الذي به يقع حل السؤال ويندفع به نفس الإشكال هو أنا نقول: لا يلزم من سَبْق العلم بوقوع الفعل الجبر على فعله، لأنه سَبَق العلم أنه على جهة الاختيار فلو أجبره لكشف عن الجهل أيضاً، فلم يكن القول بالجبر مخلصاً عن الإشكال والسؤال بل المخلص عنه أن يقال لا يلزم من سبقه العلم الإجبار على فعل المعلوم وإلا لزم أن الله تعالى لا يقدر على ترك ما علم أنه سيفعله ولا على فعل ما علم أنه لا يفعله، وكذلك ما ألزمناهم به في الكسب فإنهم يقولون: إنه غير مجبر عليه وسبق في علم الله أنه سيفعله. وحينئذ فقد ورد عليهم فيه ما أوردوه علينا في نفس الفعل، فهم ملزمون الجواب في الكسب وفي فعل الله تعالى، ومن المعلوم أنهم لم يجيبوا على أيهما إلى الآن ونحن لم نكن مخطوبين إلا بجواب شيء واحد الذي هو نفس فعل العبد،وقد أجبنا بما لا محيص لهم عن الرجوع إليه حين يريدون الجواب علينا في ذينك السؤالين وحل كل واحد من الإشكالين.
إن قيل: هذا الجواب مبني على أنه سبق العلم أن العبد يفعل الفعل على سبيل الاختيار وهو محل النزاع.
قلنا: أما الاختيار فهو معلوم ضرورة بالبديهة وهم لا ينكرونه ولهذا ادعوا لأجله الكسب،وأما أن العبد يفعل الفعل على سبيل الاختيار فقد تقدم تقريره بما لا مزيد عليه ولأن الجبر ينافي الاختيار، فلا بد من القول بارتفاع أحدهما وبقاء الآخر، والمعلوم بالضرورة أن الاختيار باق، فيجب الحكم بارتفاع المناقض له وهو الإجبار.
قالوا: لو أحدث أحدنا فعله لسمي خالقاً.
قلنا: الخلق في أصل اللغة التقدير ومنه قول العرب: خلقت الأديم هل يجيء منه مِطْهَرة، -أي قَدَّرْتَه-،وقول الشاعر:(1/451)


ولأَنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ .... وبَعْضُ القومِ يخلقُ ثم لا يَفْرِي
-أي تقطع ما قَدَّرت-، فما كان من أفعالنا مُقَدَّراً على حسب ما يلزم أو يتوهم لزومه من الحكمة والمصلحة المعلومة أو الموهومة فملتزم وقد قال تعالى: ?وَإِذْ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ?{المائدة:110}، وهذا مثال ما يلزم من الحكمة والمصلحة المعلومة وقال تعالى: ?وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا?{العنكبوت:17}، وهذا مثال ما يتوهم من الحكمة والمصلحة المزعومة،وما كان منها غير مقدر فالسؤال ساقط عنه،وقد مر حكاية الخلاف هل يجوز تسمية أفعال العباد خلقاً أم لا وقررنا دليل من جوزه.
وبعد فلو سلمنا الامتناع لم يسلم تعليله بكون العبد ليس فاعلاً لفعله بل لأنه قد صار الخلق بعد ذلك غالباً ومستعملاً في خلق الأجسام والأرزاق والإحياء والإماتة، فامتنع إطلاقه على غير الله سبحانه وتعالى لإيهامه الخطأ.
وأما شبهتهم السمعية:
فنبطلها أولاً على سبيل العموم والإجمال، ثم نبطلها شبهة شبهة على سبيل الخصوص والتفصيل كما فعلنا في العقلية فنقول:(1/452)


اعلم أيها الطالب الرشاد وفقك الله تعالى وإيانا أن الله سبحانه وتعالى أنزل الكتاب لإرشاد خلقه وهدايتهم وجعله نوراً يمشون به في ظلم المهمات، ومناراً يكشفون به دياجي المشكلات، وجعله هدىً وشفاءً ورحمة للمؤمنين، وحجة وبرهاناً بأيديهم إلى منقطع التكليف يبرزونه على من شاققهم من المجرمين، وهذا المعنى إنما يستقيم إذا قلنا: إن أفعال العباد إليهم فيها الإيجاد والإعدام والإقدام، وإنهم على الصفة التي هي شرط صحة التكليف وحسنه وهي التمكن من الترك والفعل والعقل الكامل الذي يميز به الخطاب بين الجد منه والهزل، أما لو كانوا بمثابة الطفل في حِجر أمه تنقله أينما أرادت وتقلبه كيفما شاءت أو كالسطيحة الملقاة على سطيحة الأرض لا تحرك له إلا بتحريك وليه ولا انتقال له عن موضعه إلا بتنقيل متوليه، لم يكن لإرسال الرسل بالكتب والتحريض فيها على الاتباع والزجر عن المخالفة والامتناع لم يكن لذلك معنى، بل بطلانه معلوم إن لم يكن بديهياً فقياساً على هذا الطفل والسطيحة،وإن فرضناه عاقلاً فإن بطلان إرسال الرسل والكتب إليهما بجميع التكاليف أو بشيء منها غير العقليات في حق السطيحة العاقل معلوم بالضرورة لا يدفعه إلا من خرج عن دائرة العقلاء ولا ينكره إلا من انخرط مع أهل العناد الخذلاء، ولا علة لذلك إلا أن كلاً من الطفل والسطيحة لا فعل لهما يتوجه طلبه منهما البتة، وما يتعلق بهما من مصالحهما من الأكل والشرب واللباس وترك ما يضرهم فهو موكول إلى المتولي عليهما والقائم بأمورهما، فيتوجه طلب ذلك وإلزامه المتولي،وقد كان عند الخصم جميع المكلفين بهذه المثابة لا فعل لأحد منهم يتعلق بمصالحه الدينية أو الدنيوية أو يعود إلى المضار عليه والمفاسد في دينه أو دنياه إلا وذلك الفعل من الله تعالى، وإذا كان الأمر كذلك فالاستدلال من الكتاب أو غيره على أن أفعال العباد من الله تعالى لا حاجة إليه لأن الاستدلال من جملة الأفعال المخلوقة فإن حصل(1/453)


فذاك وإن لم يحصل فلا لزوم على المكلف في تحصيله ولا ذم عليه في الإعراض عن القرآن ودليله، فينتج عدم وجوب النظر شرعاً بعد أن صرحوا بانتفائه عقلاً، ويلزم تصويب الكفار في إعراضهم عن النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى حق معرفته، وعن النظر في صحة دعوة الأنبياء النبوة وذلك كفر فيلزم تصويب الكافر في كفره.
لا يقال: هذا الكلام إنما هو إلزام عقلي، فكيف قلتم إنه ينتج منه عدم وجوب النظر شرعاً مع أن الوجوب الشرعي بمعزل عن ذلك لأن مستنده الأوامر الصريحة كقوله تعالى: ?قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ?{يونس:101}؟ فلا يصح أن تجعلوا هذا الكلام ناتجاً عن عدم وجوب النظر شرعاً وتلزموا خصمكم القول به وإن كان قد نفى وجوبه عقلاً.
لا نقول: محصل هذا الكلام الذي مر ذكره إلزامهم أن لا يستدلوا بالكتاب ما داموا قائلين بالجبر، ويلزم من منع الاستدلال بالدليل منع دلالة الدليل فلا يحصل الوجوب الشرعي حينئذ للنظر ولا لغيره من جميع ما وجب شرعاً، وهذا هو الوجه الأول من الوجوه التي يرمى بها في وجه العدو عند استدلاله بالسمع حتى يفيء إلى أمر الله ويرجع إلى الإذعان والتصديق بعدله وحكمته، ويتوب إلى الله تعالى من نسبة القبائح إليه، ويستغفر الله من الافتراء عليه.(1/454)


الوجه الثاني: أن القرآن كما ذكرنا في صدر الوجه الأول أنه هدىً وشفاء ورحمة، فهو لاشك لكونه هدىً وشفاءً ورحمة يكون نعمة من الله تعالى على المكلف، ولا يصح أن يكون نعمة إلا باعتبار أنه تعالى أحدثه وخلقه وجعل فيه الإرشاد إلى معرفة ما أمر الله به ومعرفة ما نهى عنه، وهذا كما لزم المجبرة بطلانه من جهة قولهم إن القرآن قديم، لأنه إذا كان قديماً لم يصح القول بأنه من عند الله، لأن القديم ليس من عند أحد لأنه موجود بنفسه بما لا ابتداء لوجوده فصار نسبته إلى الله تعالى، والقول بأنه من عنده مجرد عبارة لا دليل عليها بل قام الدليل في زعم المخالف على بطلانها، فيبطل الاحتجاج بجميع أوامره ونواهيه وجميع دلائله لأنها ليست من عند الله إذا كانت قديمة بذاتها موجودة دائمة بما ليس له ابتداء ولا انتهاء مستغنية عن الله أن يوجد كلماتها أو يُحكِم آياتها لأن هذا كله شأن القديم، فحيث قد قال المخالف بقدم القرآن، فقد سد على نفسه الباب وضرب بينه وبين الاستدلال به كثيف الحجاب.(1/455)

91 / 311
ع
En
A+
A-