الفصل الرابع: في الكرامات التي ظهرت بعد مقتله عليه السلام
فمنها: ما تقدم ذكره عن تهذيب الكمال للمزي، ورواه أبو طالب في الأمالي والديلمي في المشكاة والحاكم في جلاء الأبصار بإسناده إلى جرير بن حازم عن أبيه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام وهو مسند ظهره إلى جذع زيد بن علي وهو مصلوب ويقول: أهكذا تفعلون بولدي، أهذا جزائي منكم ؟! وقال السلمي في مشكاة الأنوار: وروينا بالإسناد الموثوق به: أنهم لما صلبوه مجرداً من ثيابه كانت العنكبوت بالليل تنسج على عورته فكانوا لعنهم الله يهتكون نسجها بالرماح، فإذا أصبح كان كذلك.
ومنها: ما روي أنه لما صلب عرياناً عليه السلام مرت به امرأة مؤمنة وطرحت خمارها فالتاثت على عورته وهم ينظرون، فصعدوا فحلوه، فاسترخت سرته حتى غطت عورته.
ومنها: ما روي عن جمهور قال: رأيت رجلين مقبلين من بني ظبة كل واحد منهما يده في يد صاحبه حتى إذا جاءا إلى خشبة زيد بن علي عليهما السلام ضرب أحدهما بيده على الخشبة وهو يقول: ?إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ? الآية، فذهب لينحي يده فانتثرت بالآكلة، ووقع على شقه الأيمن فمات إلى النار.
ومنها: ما روي أن طائرين أبيضين جاءا فسقط أحدهما على قصر والآخر على قصر، فقال أحدهما للآخر: تنعي زيداً أو أنعاه، بل قاتل زيد لا نجاة، فأجابه الآخر: يا ويحه باع آخرته بدنياه.
ومنها: ما رويناه عن سعيد بن خثيم قال: حدثني شبيب بن غرقدة قال: قدمنا حجاجاً من مكة، فدخلنا الكناسة ليلاً فلما كنا بالقرب من خشبة زيد بن علي أضاء الليل، فلم نزل نسير قريباً من الخشبة، فنفحت رائحة المسك، فقلت لصاحبي: هكذا رائحة المصلبين ! فهتف بي هاتف يقول: هكذا توجد رائحة النبيئين الذين يقضون بالحق وبه يعدلون.(1/1546)
ومنها: ما روينا عن الربيع بن حبيب قال: لما أصيب زيد بن علي عليهما السلام خرجنا إلى المدينة أنا وأبي وجيء برأس زيد بن علي، فجعلت قريش يصعدون المنبر ويشتمون ويلعنون زيداً عليه السلام ، فجاء شيخ فقال: أما من تبرأ منه وشتمه فإنه يطلب دنيا، وإني لست أطلب دنيا، ثم أقبل في شتمه والبراءة منه، قال فبينما هو كذلك إذ قال: ما هذه الظلمة التي قد غشيتنا ؟ فما خرج من المسجد إلا أعمى يقاد.
ومنها: ما روينا عن عيسى بن سوادة قال: كنت بالمدينة عند القبر عند رأس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد جيء برأس زيد بن علي عليهما السلام في رهط فنصب في مؤخر المسجد على الرمح، ونودي أهل المدينة برئت الذمة من رجل لم يحضر، فحشر الناس الغرباء وغيرهم، فمكثنا سبعة أيام يخرج الوالي محمد بن هشام المخزومي فيقوم الخطباء الذين جاءوا بالرؤوس فيخطبون ويلعنون علياً والحسين وزيداً وأشياعهم، فقام رجل من قريش وهو محمد بن صفوان فتكلم في خطبته ثم أخذ يلعن علياً وأهل بيته والحسين بن علي وزيد بن علي جميعاً عليهم السلام ومن كان يحبهم، فبينما هو كذلك إذ وضع يده على رأسه ووقع على الأرض فرماه الله بصداع لا يتمالك منه حتى ذهب بصره في تلك الساعة، وكان رجل مستنداً فضرب بيده إلي فقال: ما رأيت ؟ قال: انشق القبر فخرج منه رجل عليه ثياب بيض فاستقبل المنبر فقال كذبت لعنك الله تعالى.
ومنها: النور الذي يرى موضع تذريته في البئر ويسمونه بئر زيد بن علي عليهما السلام، ويرون فيه شبه الهلال وقد رأيناه ويراه الصديق والعدو بلا منازع ولا مكابر، ولله در القائل:
وما فضله عمن على الأرض خافيا
فأصمت شهاباً عاليا القدر ساميا
بنفسي شهيداً أخفت العين شخصه
فشلت يمين الحادثات لقد رمت
انتهى كلام الديلمي.(1/1547)
ثم قال الحافظ رحمه الله بعد كلام قلت: ومن كراماته ظهور مذهبه في أقطار البلاد الإسلامية على تعاقب العصور، قال الدامغاني في رسالته المشهورة التي تكلم فيها على طوائف المسلمين وأهل النحل بعد أن ذكر الزيدية ما لفظه: ولم تزل الإمامة في أهل بيته قرناً بعد قرن معروفين عند جميع الطوائف باسمه، وبلدانهم الذين يظهرون فيها وتكون لهم الشوكة على أهلها، بالعجم جيلان وديلمان وبعض جرجان وأصبهان والري، وبالعراق الأعلى الكوفة والأنبار، وبالحجاز مكة وجميع بلدان الحجاز إلا المدينة، فإن الشوكة فيها للإثني عشرية، وهم في نجد اليمن ظاهرون على مدنه صنعاء وصعدة وذمار ونحوها، ولهم في سهولها بلدان كمدينة حلا وما بينها وبين اليمن من بلد المخلاف، ومنهم في الغرب جماعة كثيرة في جبال يقال لها جبال أوراس، ومنهم أخلاط في أمصار السنية يتسترون بمذهب الحنفية لأن أبا حنيفة كان من رجال زيد بن علي ومن أتباعه، وهم من أتقياء الشيعة لولا ما نُقِم عليهم انتهى.
قلت: والذي ذكره من المطاعن فيهم أن الشفاعة ليست لعصاة هذه الأمة، وأن الإنسان لا يدخل الجنة إلا بعمله، وأنهم يعتقدون كفر بعض من خالفهم في العقيدة، ويشترطون في الخليفة شروطاً لم يرد الشرع بها، ويجوزون خليفتين في زمان واحد إذا تباعد قطراهما، ولا يعتقدون في الصالحين، والوسواس في الطهارة، ويخالفون زيداً في أكثر الفروع، قال العلامة البكري بعد أن حكى معنى ما ذكره الدامغاني: وهذه التي عدها مثالب هي في التحقيق مناقب.(1/1548)
ومن كراماته: ما قرأته بخط القاضي العلامة أبي محمد أحمد بن ناصر بن محمد بن عبد الحق المخلافي قال: رأيت بخط شيخي عماد الدين - يعني به يحيى بن الحسين بن المؤيد بالله - قال: نقلت من خط والدي أمير المؤمنين المنصور بالله القاسم بن محمد لطف الله به آمين، أخبرني شيخنا العلامة الفقيه نور الدين المهدي بن أحمد الرجمي يوم الإثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر جمادي الآخرة سنة تسع وألف بعد أن أخبرني قبل هذا التاريخ مراراً أن رجلا يسمى صلاح بن أبي الخير من جازة جبل تيس من جازة بني موسى بالقرب من الربض أدركه في زمانه، وكان زيدي المذهب، ثم انتقل إلى مذهب الشافعية وأفرط في سب زيد بن علي حتى نسبه إلى غير أبيه فابتلاه الله بأدلم في رأسه لا يستطيع معه الاضطجاع والرقاد، وكان إذا أراد النوم جعل حبلاً في عنقه وكان يصرخ من ذلك الألم مقدار سنتين ثم مات إلى غير رحمة الله، وهذا من بركات زيد بن علي انتهى.(1/1549)
ومن كراماته أيضاً: ما قرأته بخط القاضي المذكور رحمه الله تعالى قال: نقلت عن خط القاضي أحمد بن صالح بن أبي الرجال،قال: نقلته عن خط العلامة الحسن بن علي، قال: قرأت نقله عن خط قديم ونصه: وروى الشيخ العلامة عبد الله بن صالح بن بدر الشرفي عن السيد الفضل بن يحيى الحسيني أنه قال: كنت أنا ورجل من أصحابنا في تعز المدينة، فدخلت أنا وهو بعض مدارسهم وحضر بعض الصلوات، فقال صاحبي في أذانه: حي على خير العمل، فسمعه بعضهم، فقال شيخ تلك المدرسة: ما هذا المذهب الذي يذكر فيه حي على خير العمل ؟ فقال له الشيخ: هذا المذهب مذهب الزيدية، فقال: وإلى من ينسبون ؟ فقال الشيخ المقري: إلى رجل يقال له زيد بن علي، ولعنه المقري وأنا أسمع أنا وصاحبي، فهممنا بقتله، وخرجنا من المسجد على أن نقتله فلما بلغنا المنزل الذي نحن فيه أدركتنا ندامة على ترك قتله، فأمسينا نعمل كل حيلة، ثم عزمنا على أن نقتله الصبح وإن قتلنا له غضباً لله تعالى ولابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما طلع الفجر غدونا عليه وإذا قد رمي به إلى مكان عال مذبوحاً، والأبواب من المسجد مغلقة موثقة فطلب لينال فلم يمكن الصعود إليه إلا بالسلالم، وبلغ ذلك السلطان المجاهد فوقع عنده غاية الوقع ونظروا موضع الذبح منه أسود لم ينزل منه قطرة كأنه حم بنار.
وهذا قليل من فضائله عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام انتهى، فهذا أنموذج يسير من مناقبه الشريفة وكرماته الجليلة وهي أكثر من أن تحصى، وقد وشحت بها الأسفار وشنف أسماع البادين والحضار.
وغَنَّى بها من لا يغني مُغرِّدا
وسار بها من لا يسير مشمراً
رحمة الله عليه وسلامه انتهى.(1/1550)