قلت: وقد روي غير ذلك في تسميتهم روافض وذكرها، ثم قال الحافظ رحمه الله تعالى، وقال المقريزي في الخطط بعد أن حكى ما رواه نشوان وكانت طائفة قد أتت جعفر بن محمد الصادق قبل قيام زيد وأخبروه ببيعته فقال: بايعوه فهو والله أفضلنا وسيدنا، فعادوا وكتموا ذلك، قال أيضاً: وكان زيد قد واعد أصحابه أول ليلة من صفر، فبلغ ذلك يوسف بن عمر فبعث إلى الحكم بن الصلت عامله على الكوفة فأمره أن يجمع الناس إلى المسجد الأعظم يحصرهم فيه، فجمعهم وطلبوا زيداً فخرج ليلاً من دار معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري وكان بها، ورفعوا النيران ونادوا: يا منصور حتى طلع الفجر، فلما أصبحوا نادى أصحاب زيد بشعارهم وثاروا، فأغلق الحكم درب السوق وأبواب المسجد على الناس، وبعث إلى يوسف بن عمر وهو بالحيرة فأخبروه الخبر، فأرسل خمسين فارساً لتعرف الخبر، فساروا حتى عرفوا الخبر، وعادوا إليه فساروا من الحيرة بأشراف الناس، وبعث ألفين من الفرسان وثلاثمائة رجل معهم النِشاب، وأصبح زيد وكان جميع من وافاه تلك الليلة مائتي رجل وثمانية عشر رجلاً، فقال: سبحان الله أين الناس ؟ فقيل: إنهم بالمسجد الأعظم محصورون، فقال: والله ما هذا بعذر لمن بايعنا، وأقبل فلقيه على حصانه الصائد بين خمسمائة من أهل الشام، فحمل عليهم فيمن معه فهزموهم، وانتهى إلى دار أنس بن عمرو الأزدي، وكان فيمن بايعه وهو في الدار فنودي فلم يجب، فناداه زيد فلم يخرج إليه، فقال زيد: ما أخلفكم قد فعلتموها الله حسبكم، ثم صار إلى الكُنَاسة فحمل على من بها من أهل الشام فهزمهم، ثم ساروا ويوسف بن عمر ينظر إليه وهو في مائتي رجل ولو قصده زيد لقتله، والرايات تتبع آثار زيد بالكوفة في أهل الشام، فأخذ زيد في المسير حتى دخل الكوفة، فسار بعض أصحابه إلى الجبانة وواقعوا أهل الشام، فأسر أهل الشام منهم رجلاً ومضوا به إلى يوسف بن عمر فقتله، فلما رأى زيد عليه السلام خذلان الناس إياه قال: قد(1/1541)


فعلوها حسينية، وسار وهو يهزم من لقيه حتى انتهى إلى باب المسجد، فجعل أصحابه يدخلون راياتهم من فوق الأبواب ويقولون: يا أهل المسجد اخرجوا من الذل إلى العز، اخرجوا إلى الدين والدنيا، فإنكم لستم في دين ولا دنيا، وزيد يقول: والله ما خرجت ولا قمت مقامي هذا حتى قرأت القرآن وأتقنت الفرائض وأحكمت السنن والآداب، وعرفت التأويل كما عرفت التنزيل، وفهمت الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، والخاص والعام، وما تحتاج إليه الأمة في دينها مما لا بد لها منه ولا غنى لها عنه، وإني على بينة من ربي، فرماهم أهل المسجد بالحجارة من فوق المسجد، فانصرف زيد فيمن معه وأتاه ناس من أهل الكوفة، فنزل دار الرزق فأتاه الريان فقاتله، وخرج أهل الشام مساء يوم الأربعاء أسوء شيء ظنا، فاقتتلوا قتالاً شديداً فانهزم أصحاب العباس وقتل منهم نحواً من سبعين، فلما كان العشي عبأ يوسف بن عمر الجيوش وسرحهم فالتقاهم زيد بمن معه، وحمل عليهم حتى هزمهم وهو يتبعهم، فبعث يوسف بن عمر طائفة من الناشبة، فرموا أصحاب زيد وهو يقاتل حتى دخل الليل فرمي بسهم في جبهته اليسرى ثبت في دماغه، ورجع أصحابه ولا يظن أهل الشام أنهم رجعوا إلا للمساء والليل، فأنزلوا زيداً في دار وأتوه بطبيب فنزع السهم فصح زيد ومات رحمه الله لليلتين خلتا من صفر سنة اثنتين وعشرين ومائة وعمره اثنتان وأربعون سنة.(1/1542)


وقال المنصور بالله عبد الله بن حمزة في الشافي: وكان ديوانه قد انطوى على خمسة عشر ألف مقاتل خارجاً عمن بايع من جميع أهل الأمصار وسائر البلدان، ثم قال: ولما خرج عليه السلام خرج معه القراء والفقهاء وأهل البصائر قدر خمسة آلاف رجل في زي لم ير الناس مثله، وتخلف باقي الناس عنه، فقال: أين الناس ؟ قال احتبسوا في المسجد، فقال: لا يسعنا عند الله خذلانهم، فسار حتى وصل إليهم وأمرهم بالخروج فلم يفعلوا، فقال نصر بن جذيمة: يا أهل الكوفة اخرجوا من الذل إلى العز إلى خير الدنيا والآخرة، وأدخلوا عليهم الرايات من طاقات المسجد، فلم ينجح ذلك فيهم شيئاً، وأقبلت جنود الشام من تلقاء الحيرة، فحمل عليهم عليه السلام كأنه الليث المغضب، فقتل منهم أكثر من ألفي قتيل بين الحيرة والكوفة، وأقام بين الحيرة والكوفة ودخلت جيوش الشام الكوفة ففرق أصحابه فرقتين، فرقة بإزاء أهل الكوفة وفرقة بإزاء أهل الحيرة، ولم يزل أهل الكوفة يخرج الواحد منهم إلى أخيه والمرأة إلى زوجها والبنت إلى أبيها والصديق إلى صديقه فيبكي عليه حتى يرده، فأمسى عليه السلام وقد رق عسكره، وخذله كثير ممن كان معه، وأهل الشام في اثني عشر ألفاً، وحاربهم عليه السلام يوم الأربعاء ويوم الخميس، وحمل عليهم عشية الخميس فقتل من فرسانهم زيادة على مائتي فارس، وأصيب عليه السلام آخر يوم الجمعة بنشابة في جبينه، فحمل إلى دور أرحب وشاكر، وجيء بطبيب نزع النصل بعد أن عهد إلى ولده يحيى بجهاد الظالمين، ثم مات من ساعته ودفن في مجرى ماء، وأجري عليه الماء، فأبصرهم غلام سندي، فلما ظهر قتله وصاح صائح يوسف بن عمر بطلبه دل عليه فصلبوه في الكناسة، وحرقوه بعد ذلك وخبطوه بالشماريخ والعثاكيل حتى صار رماداً، وسفوه في البر والبحر وذروه في الرياح، فحرق الله هشام في الدنيا وله في الآخرة عذاب النار.(1/1543)


وروى السيد أبو طالب في أماليه بإسناده إلى ابن شهاب الزهري قال: دخلت على هشام بعد قتل زيد بن علي عليهما السلام، فقال هشام: ما أراني إلا أوبقت نفسي، فقال الزهري: وكيف ذاك ؟ قال: أتاني آت فقال إنه ما أصاب أحد من دماء آل محمد شيئاً إلا أوبق نفسه من رحمة الله، قال: فخرجت وأنا أقول: لقد أوبقت نفسك من قبل ذلك وأنت الآن أوبق وأوبق، انتهى كلام الشافي.
وقال المقريزي بعد أن ذكر صفة دفنه وإخراجه وصلبه، وأنه لم تر عورته ستراً من الله عليه وإنزاله بعد سنين وإحراقه ما لفظه: وقال عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي: سمعت أبي يقول: اللهم إن هشاماً رضي بصلب زيد، فاسلبه ملكه، وإن يوسف بن عمر أحرق زيداً، اللهم فسلط عليه من لا يرحمه، اللهم أحرق هشاماً في حياته إن شئت وإلا فأحرقه بعد موته، قال: فرأيت هشاماً والله محرقاً لما أخذ بنو العباس دمشق، ورأيت يوسف بن عمر مقطعاً على كل باب من أبواب دمشق منه عضو، فقلت: يا أبتاه وافقت دعوتك ليلة القدر، فقال: يا بني لا بل صمت ثلاثة أيام من شهر رجب وثلاثة من شهر شعبان وشهر رمضان وكنت أصوم الأربعاء والخميس والجمعة، ثم أدعو الله عليهما من صلاة العصر يوم الجمعة حتى أصلي المغرب.(1/1544)


وبعد قتل زيد انتقض ملك بني أمية وتلاشى إلى أن أزالهم الله تعالى ببني العباس، قال: ولما قتل الإمام سودت الشيعة - أي لبست السواد - وكان أول من سود على زيد شيخ بني هاشم في وقته الفضل بن عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، ورثاه بقصيدة طويلة، وشعره حجة احتج به سيبويه، توفي سنة تسع وعشرين ومائة، ثم قال عند ذكر المشاهد في مصر: قال القضاعي مسجد محرسي الخصا بني على رأس زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب حين أنفذ هشام بن عبد الملك إلى مصر ونصب على منبر الجامع فسرقه أهل مصر ودفنوه في هذا الموضع، ثم قال المقريزي وهذا المشهد باق بين كيمان مدينة مصر يتبرك الناس بزيارته ويقصدونه لا سيما يوم عاشوراء، والعامة تسميه زين العابدين وهو وهم، وإنما زين العابدين أبوه، وليس قبره بمصر بل قبره بالبقيع، وذكر بن عبد الطاعة أن الأفضل من أمير الجيوش لما بلغه حكاية رأس زيد بن علي أمر بكشف المسجد، وكان وسط الأكوام ولم يبق من معالمه إلا محراب، فوجد هذا العضو الشريف رأيته وهو هامة وافرة، في الجبهة أثر في سعة الدرهم، فضمخ وعطر وحمل إلى داره حتى عمر هذا المشهد، وكان وجدانه في يوم الأحد تاسع وعشرين من ربيع الأول سنة خمس وعشرين ومائة، وكان الوصول به في يوم أحد ووجدانه في يوم أحد انتهى كلامه.(1/1545)

309 / 311
ع
En
A+
A-