وروى الإمام المهدي في المنهاج وأبو العباس في المصابيح عن أبي الجارود عن الإمام زيد بن علي عليهما السلام أنه قال: سلوني قبل أن تفقدوني فإنكم لن تسألوا مثلي والله لا تسألوا عن آية في كتاب الله إلا أنبأتكم بها، ولا تسألوني عن حرف من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا أنبأتكم به ولكنكم ردتم ونقصتم وأخرتم فاشتبهت عليكم الأخبار.
وروى الإمام المهدي في المنهاج والإمام أبو طالب في الأمالي والسيد أبو العباس في المصابيح عن سعيد بن خثيم قال: إن زيداً عليه السلام كتَّب كتائبه فلما خفقت راياته رفع يديه إلى السماء فقال: الحمد لله الذي أكمل لي ديني، والله ما يسرني أني لقيت محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ولم أمر في أمته بالمعروف ولم أنههم عن المنكر، والله ما أبالي إذا أقمت كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أججت لي نار ثم قذفت فيها ثم صرت بعد ذلك إلى رحمة الله تعالى، والله لا ينصرني أحد إلا كان في الرفيق الأعلى مع محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، ويحكم أما ترون هذا القرآن بين أظهركم جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونحن بنوه يا معاشر الفقهاء ويا أهل الحجى، أنا حجة الله عليكم هذي يدي مع أيديكم على أن نقيم حدود الله ونعمل بكتاب الله ونقسم فيئكم بينكم بالسوية فسلوني عن معالم دينكم فإن لم أنبئكم عما سألتم فولوا من شئتم من علمتم أنه أعلم مني، والله لقد علمت علم أبي علي بن الحسين وعلم جدي الحسين وعلم علي بن أبي طالب وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعَيْبَة علمه، وأني لأعلم أهل بيتي، والله ما كذبت كذبة منذ عرفت يميني من شمالي ولا انتهكت محرماً لله عز وجل منذ عرفت أن الله يؤاخذني هاؤمفسلوني.(1/1536)
وروي في هداية الراغبين بإسناده إلى أبي الجارود أن زيداً عليه السلام خطب أصحابه حين ظهر فمما قاله: أنا اليوم أتكلم وتسمعون ولا تنصرون وغداً بين أظهرهم هامة فتندمون،ولكن الله ينصرني إذا ردني إليه وهو الحاكم بيننا وبين قومنا بالحق.
وفي هذه الروايات دليل واضح على ظنه بما سيصير إليه من الشهادة العظمى لا سيما بإخبار أخيه الباقر محمد بن علي عليهما السلام بما فهمه من علم الجفر ولم يصده ذلك عن المضي فيما أوجب الله عليه من إعلاء كلمة الدين ورفع منار اليقين، ولقد أصدق الله ظنه وأنجح مقصده وأحمد مسراه وأفلح مغزاه بما ترتب على خروجه وبذله لمهجته وفتح باب الجهاد الباقي وجوبه إلى يوم التناد، فكان بدعوته إلى الله وجهاد أعداء الله تمهيد قواعد الدين وتألف هذه العصابة المباركة فيها واهتدائهم بهدية الصالح واستباقهم إلى ذلك المتجر الرابح، ولم يزل منهم إمام بعد إمام في منابذة الظالمين وإخافة القاسطين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون شرائع الدين وأحكامه على مر الدهور وتعاقب العصور كله ببركة هذا الإمام السعيد وسعيه الصالح الحميد، فمن ذلك قيام الإمام الهادي إلى الحق وإبادته للقرامطة ومن دعا بعده من الأئمة في قطر اليمن إلى يومك هذا، وكذلك الإمام الناصر للحق الحسن بن علي في الجيل والديلم، وإسلام الجماهير من المشركين وما عقبه من قيام الأئمة هنالك وما نشروا من العلوم الدينية وما استقام عليه فريقهم من العصابة المرضية كما شهد به من أنصف من علماء الأمة كالدامغاني وغيره.(1/1537)
ومن هاهنا يظهر أن ما ذكره الذهبي في ترجمة الإمام عليه السلام بقوله: خرج على هشام فليته لم يخرج، غباوة عن مدارك الحق وبناء على أصل منهار وهو تحريم الخروج على الظالم المتغلب، وفساد هذا المذهب أوضح من أن يقام عليه الدليل وهو مبسوط في موضعه، وذكرنا في ترجمة أبي خالد طرفاً من ذلك، وما ذلك إلا كقول من أطلق التخطئة للحسين بن علي عليه السلام في الخروج على يزيد، ولم يزل اعتقاد ذلك سهلاً عند بعض من انتحل العلم حتى قال قائل منهم: إنه قتل بسيف جده، فإنا لله وإنا إليه راجعون.(1/1538)
قال السيد أبو العباس الحسني: ورجع إلى الكوفة وأقبلت الشيعة تختلف إليه يبايعونه حتى أحصي في ديوانه خمسة عشر ألف رجل من أهل الكوفة سوى غيرهم، قال أبو معمر: فبايعه ثمانون ألفاً، قال: وكان دعاته عليه السلام نصر بن معاوية بن شداد العبسي، ومعمر بن خثيم العامري، وفضيل بن الزبير الأسدي، ومعاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري، وكان معمر بن خثيم وفضيل بن الزبير يدخلان الناس عليه وعليهم براقع لا يعرفون موضع زيد فيأتيان بهم من مكان لا يبصرون شيئاً حتى يدخلوا عليه فيبايعونه، فأقام في الكوفة ثلاثة عشر شهراً إلا أنه كان بالبصرة نحو شهر، قال: وكانت بيعته التي يبايع الناس عليها أنه يبدأ فيقول: إنا ندعوكم أيها الناس إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وإلى جهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين، وقسم الفي بين أهله، ورد المظالم، ونصرنا أهل البيت على من نصب لنا الحرب أتبايعونا على هذا، فإذا قالوا نعم وضع يد الرجل على يده فيقول: عليك عهد الله لتفين ببيعتي ولتقاتلن معي عدونا ولتنصحن لنا في السر والعلانية، فإذا قال نعم مسح يده على يده ثم قال: اللهم اشهد، قال: فلبث بضع عشرة شهراً يدعو ويبايع حتى دخل عليه قوم فقالوا: إلى ما تدعونا، قال: إلى كتاب الله وإحياء السنن وإطفاء البدع فإن أجبتمونا سعدتم وإن أبيتم فما أنا عليكم بوكيل، قالوا: لا يسعنا ذلك، وخرجوا يقولون: سَبَقَ الإمام.(1/1539)
قال أبو العباس: وأخبرنا أبو الطيب أحمد بن فيروز الكوفي بإسناده عن يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم قال: حدثني أبي عن أبيه قال: لما ظهر زيد بن علي ودعا الناس إلى نصرة الحق فأجابته الشيعة وكثير من غيرها وقعد قوم وقالوا له: لست أنت الإمام قال: فمن هو ؟ قالوا: ابن أخيك جعفر، قال: إن قال جعفر أنه الإمام فقد صدق فاكتبوا إليه واسألوه، قالوا: الطريق مقطوع ولا نجد رسولاً إلا بأربعين ديناراً، قال: هذه أربعون ديناراً فاكتبوا وأرسلوا إليه، فلما كان من الغد أتوه، فقالوا إنه يداريك، قال: ويلكم إمام يداري إمام من غير بأس أو يكتم حقاً أو يخش في الله أحد فاختاروا مني أن تقاتلوا معي وتبايعوني على ما بويع عليه علي والحسن والحسين عليهم السلام أو تعينوني بسلاحكم وتكفوا عني ألسنتكم، قالوا: لا نفعل، قال: الله أكبر أنتم الروافض الذي ذكر جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " سيكون من بعدي قوم يرفضون الجهاد مع الأخيار من أهل بيتي ويقولون ليس عليهم أمر بمعروف ولا نهي عن منكر يقلدون دينهم ويتبعون أهواءهم ".(1/1540)