الفصل الثالث: في صفة خروجه واستشهاده عليه السلام
في صفة خروجه واستشهاده، وما رفع الله به من قدره، ذكر الشيخ أحمد بن علي المقريزي الشافعي في كتابه الخطط والآثار صفة خروج الإمام عليه السلام ، وحكى اختلافاً في الروايات، وكذا أبو الفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبيين ، والسيد أبو العباس الحسني في المصابيح وغيرهم، فالذي ذكره أبو العباس رحمه الله تعالى ما لفظه: قال: أخبرنا عبد الله بن محمد التميمي بإسناده إلى الحارث بن عمرو النخعي قال: كان من أمر زيد بن علي عليهما السلام أن خالد بن عبد الله القسري كان ادعى عليه مالاً، وعلى داوود بن علي بن عبد الله بن عباس، وعلى سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وذلك حين عزل هشام خالداً عن العراق وولاّ يوسف بن عمر بن أبي عقيل الثقفي، وأمره باستخراج الأموال منه، وأن يبسط عليه العذاب، فكتب يوسف بن عمر في ذلك إلى هشام بن عبد الملك، وزيد يومئذ بالرصافة، فدعاه هشام فذكر له ذلك، وأمره أن يأتي يوسف، فقال له زيد: ما كان يوسف صانعاً بي فاصنعه، فأبى هشام، وكتب ليوسف: إن أقام خالد بن عبد الله على زيد بينة فخذه به، وإلا فاستحلف زيداً ما استودعه شيئاً ثم خل سبيله، فقدم زيد على يوسف فأبرق له وأرعد، فقال: دعني من إبراقك وإرعادك، فلستُ من الذين في يدك تعذبهم، اجمع بيني وبين خصمي، واحملني على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، لا سنتك وسنة هشام، فاستحيى يوسف وتصاعدت إليه نفسه، وعلم أن زيداً لا يحتمل الضيم، فدعا خالداً فجمع بينهما فبرأه خالد، فخلى سبيل زيد وقال لخالد: يا ابن اليهودية أفعلى أمير المؤمنين كنت تفتعل ؟(1/1531)


وأخبرنا علي بن الحسين بن الحارث الهمداني بإسناده عن أبي معمر سعيد بن خثيم قال: حدثني زيد بن علي عليهما السلام قال: لما لم يكن ليوسف علينا حجة شخص بي إلى الحجاز، وكان هشام كتب إلى يوسف بذلك، وقال: إني أتخوفه، وكنت أحب المقام بالكوفة للقاء الإخوان وكثرة شيعتنا فيها، وكان يوسف يبعث إليّ يستحثني على الخروج، فأتعلل وأقول: إني وجع، فيمكث ثم يسأل عني، فيقال: إنه مقيم بالكوفة، فلما رأيت جده في شخوصي تهيّأت وأتيتُ القادسية، فلما بلغه خروجي وجه معي رسولاً حتى بلغ العذيب، فلحقت الشيعة بي، وقالوا: أين تخرج ومعك مائة ألف سيف من أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الشام وخراسان والجبال - يعني عراق العجم - وليس قبلنا من أهل الشام إلا عدة يسيرة، فأبيت عليهم، وقالوا: ننشدك الله إلا رجعت ولم تمض، فأبيت وقلت: لست أأمن غدركم كفعلكم بجدي الحسين، وغدركم بعمي الحسن واختياركم عليه معاوية، فقالوا: لن نفعل أنفسنا دون نفسك، فلم يزالوا بي حتى أنعمت لهم، قال معمر: حدثني عبد الله بن محمد بن عمر بن علي: أن زيداً صلوات الله عليه قال لغلمانه: اعزلوا متاعي من متاع ابن عمي، قلت: ولم ذاك أصلحك الله ؟ قال: أجاهد بني أمية، والله لو أعلم أنه لو تُؤجَّج لي نار بالحطب الجزل فأقذف فيها، وأن الله أصلح لهذه الأمة أمرها لفعلت، فقلت له: الله الله في قوم خذلوا جدك وأهل بيتك، فأنشأ يقول:
وإن أبقى اشتفيتُ من العبيدِ

فإن أُقْتَلْ فلستُ بذي خُلُودٍ

انتهى .(1/1532)


وروى الإمام المهدي في المنهاج، والإمام أبو طالب في الأمالي من طريق كليب الحارثي أن زيد بن علي عليهما السلام دخل على هشام بن عبد الملك، وقد جمع له هشام الشاميين، ثم قال له زيد: إنه ليس أحد من عباد الله فوق أن يوصى بتقوى الله، وليس أحد من عباد الله دون أن يوصى بتقوى الله، وأنا أوصيك بتقوى الله، فقال له هشام: أنت زيد المؤمل للخلافة الراجي لها، وما أنت والخلافة وأنت ابن أمة ؟ فقال له زيد عليه السلام : إني لا أعلم أحداً أعظم منزلة عند الله من الأنبياء صلوات الله عليهم، وقد بعث الله نبياً هو ابن أمة، فلو كان ذلك تقصراً عن ختم الغاية لم يبعث وهو إسماعيل بن إبراهيم، والنبوة أعظم منزلة عند الله من الخلافة، فكانت أم إسماعيل مع أم إسحاق كأمي مع أمك لم يمنع ذلك أن جعله الله أبا العرب وأبا خير النبيين محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وما تقصيرك برجل جده رسول الله وأبوه علي بن أبي طالب، فوثب هشام من مجلسه وتفرق الشاميون، ودعا قهرمانه، القهرمان: الخازن والوكيل، فقال: لا يبيتن هذا في عسكري، فخرج أبو الحسين زيد بن علي وهو يقول: لم يكره قوم حر السيوف إلا ذلوا. ورواه أيضاً أبو العباس في المصابيح، والإمام أبو طالب في الأمالي، وقد أخذ معنى قوله: لم يكره قوم حر السيوف إلا ذلوا ولده الإمام يحيى بن زيد عليهما السلام فقال:
من أحب الحياة عاش ذليلاً
واتخذ في الجنان ظلاً ظليلاً

يا ابن زيد أليس قد قال زيد
كن كزيد فأنت مهجة زيد(1/1533)


وروى السيد أبو طالب في الأمالي بإسناده إلى سعيد بن خثيم عن أخيه معمر قال: قال زيد ابن علي عليهما السلام: كنت أماري هشام بن عبد الملك وأكابده في الكلام، فدخل عليه يوماً فذكر بني أمية فقال: هم أشد قريش أركاناً، وأشد قريش مكاناً وأشد قريش سلطاناً، وأكثر قريش أعواناً، كانوا رؤوس قريش في جاهليتها وملوكها في إسلامها، فقلت: على من تفتخر ؟ على هاشم أول من أطعم الطعام، وضرب الهام، وخضعت له قريش بإرغام، أم على عبد المطلب سيد مضر جميعها، وإن قلت معد كلها صدقت، إذا ركب مشوا، وإذا انتعل احتفوا، وإذا تكلم سكتوا، وكان يطعم الوحش في رؤوس الجبال والطير والسباع، والإنس في السهل، حافر زمزم وساقي الحجيج وربيع العمرتين، أم على بنيه أشراف الرجال، أم على سيد ولد آدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حمله الله على البراق، وجعل الجنة بيمينه والنار بشماله، فمن تبعه دخل الجنة، ومن تأخر عنه دخل النار، أم على أمير المؤمنين وسيد الوصيين علي بن أبي طالب، وصي رسول الله وابن عمه، والمفرج عنه الكرب، وأول من قال: لا إله إلا الله بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لم يبارزه فارس قط إلا قتله، وقال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما لم يقله في أحد من أصحابه، ولا لأحد من أهل بيته، قال: فاحمر وجهه وبهت.(1/1534)


وروى الإمام المهدي في منهاجه والسيد أبو طالب في أماليه بإسناده إلى جابر الجعفي أنه قال لزيد بن علي حين أزمع على الخروج بكلام ذكره له محمد الباقر من صفة خروج الإمام زيد بن علي وأنه مقتول، فقال الإمام زيد بن علي أأسكن وقد خولف كتاب الله وتحوكم إلى الجبت والطاغوت وذلك أني شهدت هشام ورجل عنده يسب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت للساب له: ويلك يا كافر أما أني لو تمكنت منك لاختطفت روحك وعجلتك إلى النار، فقال هشام: مه عن جليسنا يا زيد، فوالله لو لم نكن إلا أنا ويحيى ابني لخرجت عليه وجاهدته حتى أفنى، وروى هذه القصة الإمام أبو العباس الحسني في المصابيح، وفيه أن الرجل الساب كان يهودياً، وزاد في روايته فخرج عليه السلام وهو يقول: من استشعر البقاء استدثر الذل إلى الفناء، فذلك الذي هاجه إلى الخروج على هشام انتهى.
وروى الإمام المهدي أيضاً والسيد أبو العباس الحسني وأبو طالب في الأمالي بالإسناد إلى سهل بن سليمان الرازي عن أبيه قال: شهدت زيد بن علي يوم خرج لمحاربة القوم بالكوفة فلم أر يوماً قط كان أبهى ولا رجالاً أشهر قرى ولا فقهاء ولا أوفر سلاحاً من أصحاب زيد بن علي عليهما السلام، فخرج على بغلة شهبا - الشهب محركة بياض يعلوه سواد - وعليه عمامة سوداء بين يدي قربوس سرجه مصحف فقال: يا أيها الناس أعينوني على أنباط الشام فوالله لا يعينني عليهم منكم أحد إلا رجوت أن يأتيني يوم القيامة آمناً حتى يجوز على الصراط ويدخل الجنة، والله ما وقفت هذا الموقف حتى علمت التأويل والتنزيل والمحكم والمتشابه والحلال والحرام بين الدفتين.(1/1535)

307 / 311
ع
En
A+
A-