وفي أنوار اليقين عن سفينة الحاكم عن أبي معاذ الخزان قال: سمعت عبد الله بن الحسن بن الحسن عليهم السلام يقول: العلم بيننا وبين هذه الأمة علي بن أبي طالب، والعلم بيننا وبين الشيعة زيد بن علي عليهما السلام، فمن تبعه فهو شيعي، ومن لم يتبعه فليس بشيعي.
إلى هنا انتهى شيخنا العزي رحمه الله تعالى، وعاقه عن إتمام ما وعد به الحِمَام، وقد علمت رحمك الله وإياي أنه وعد بذكر مخرج الإمام زيد بن علي رضوان الله عليه ومن خرج معه من أهل العلم ونقلة الآثار والفقهاء، وذكر مقتله واستشهاده رحمة الله عليهم أجمعين، وحيث وقد حقق الكلام في هذا وأشبع النقل العلامة شارح مجموع زيد بن علي الكبير الحافظ الحجة الحسين بن أحمد السياغي رحمه الله تعالى، فيحسن مني أن أنقل جملة مما في شرح المجموع مختصراً وفاءً بما وعد به رحمة الله عليه وعلينا وعلى عباده الصالحين:
قال الحافظ في شرحه: أما الإمام الشهيد والولي السعيد عقيد الفرقة الناجية الزيدية، ورباني الأمة المرحومة المحمدية، وارث علوم آبائه الأكرمين، وفاتح باب الجهاد لتشييد معالم الدين، ومبلغ حجة الله إلى الناس أجمعين زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المدني مولده على ما رواه الإمام المرشد بالله في أماليه بإسناده إلى الحسين بن زيد بن علي في سنة خمس وسبعين، واستشهد سنة اثنتين وعشرين ومائة.
والكلام في ترجمته يأتي في أربعة فصول:
الأول في صفته وحليته وسِمَتِه، وما حكاه أهل العلم من أوصافه الحميدة، وما رووه من الأحاديث الواردة فيه عن جده المصطفى عليه السلام ، أقول وقد ذكر الشارح رحمه الله تعالى أكثره كما ترى.(1/1526)


الفصل الأول: في صفته وحليته وسِمَتِه عليه السلام
قال الشيخ أبو محمد يحيى بن يوسف بن محمد الحجوري الشافعي في ترجمة صفته عليه السلام : كان أبيض اللون، أعين مقرون الحاجبين، تام الخلق، طويل القامة، كث اللحية، عريض الصدر، أقنى الأنف، أسود الرأس واللحية إلا أنه خالطه الشيب في عارضيه، وذكر مثل هذه الأوصاف أبو العباس رحمه الله تعالى في المصابيح، وقال في مشكاة الأنوار للفقيه الإمام الزاهد بدر الدين بن محمد الزبيري الديلمي المؤيدي في وصفه، وقد ذكر له ترجمة في أوراق كثيرة ما لفظه:(1/1527)


اعلم أن الإمام السابق إلى طاعة الله، والمجاهد في سبيل الله، الداعي إلى الله الناصح في الله، الفاضل التقي والبر التقي الطاهر الزكي الهادي المهدي الليث الكمي، والبطل الحمي زيد بن علي عليه سلام ربه العلي، كان مثل جده عليه السلام في شجاعته وسخاوته وفصاحته وبلاغته وعلمه وحلمه، وكان أفضل أهل زمانه في الخصال، وأجمعهم لشرائط الكمال، إلى أن قال: وأما الصيام: فكان يصوم يوماً ويفطر يوماً، ثم قال: وروي أن أبا الخطاب وجماعة دخلوا على زيد بن علي عليهما السلام، فسألوه عن مذهبه، فقال: إني أبرأ إلى الله من المشبهة الذين شبهوا الله بخلقه، ومن المجبرة الذين حملوا ذنوبهم على الله، ومن المرجئة الذين طمعوا الفساق في عفو الله، ومن المارقة الذين كفروا أمير المؤمنين، ومن الرافضة الذين كفروا أبا بكر وعمر، وهذا عين مذهب أهل العدل، وكان إمام هذه الطائفة بعد أمير المؤمنين والحسن والحسين ومحمد - قال في هامشه يعني ابن الحنفية - وعلي بن الحسين بن علي عليهم السلام ورحمة الله وبركاته، وجميع أولاد أمير المؤمنين إلا أن زيداً تقدمهم في العلم والفضل والجهاد في سبيل الله، وروي أنه لما ولد سنة خمس وسبعين بشر به علي بن الحسين، فأخذ المصحف وفتحه ونظر فيه، فخرج أول سطر: ?إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ ?{التوبة:111}، فأطبقه وفتح الثانية فخرج: ?وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ?{آل عمران:169}، فأطبقه ثم فتح، فخرج: ?وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ ?{النساء:95}، فأطبقه وقال: عزيت في هذا المولود، وإنه لمن الشهداء، حتى قال رحمه الله تعالى: وقال نشوان الحميري في شرح رسالته الحور العين: وروى السيد الإمام أبو طالب يحيى بن الحسين الهاروني في كتاب الدعامة: أن جميع فرق الأمة اجتمعت(1/1528)


على إمامة زيد بن علي عليهما السلام إلا هذه الفرقة - يعني الرافضة - قال: فلما شهر فضله وتقدمه وبراعته، وعرف كماله الذي تقدم به أهل عصره، اجتمع طوائف الناس على اختلاف آرائهم على مبايعته فلم يكن الزيدي أحرص عليها من المعتزلي، ولا المعتزلي أحرص عليها من المرجيء، ولا المرجيء من الخارجي، فكانت بيعته عليه السلام مشتملة على فرق الأمة مع اختلافهم، ولم يشذ عن بيعته إلا هذه الفرقة القليلة التوفيق أخزاهم الله تعالى.
ومن الواضح الذي لا إشكال فيه أن زيد بن علي عليهما السلام يذكر مع المتكلمين إن ذكروا، ويذكر مع الزهاد، ويذكر مع الشجعان وأهل المعرفة بالضبط والسياسة، فكان أفضل العترة لأنه كان مشاركاً لجماعتهم في جميع خصال الفضل، ومتميزاً عنهم بوجوه لم يشاركوه فيها.
ثم قال شارح المجموع رحمه الله تعالى بعد كلام طويل:(1/1529)


الفصل الثاني: في ذكر من روى عنه عليه السلام
في ذكر من روى عنه والآخذين منه وما يتصل بذلك، قال الشيخ العالم الزاهد القاسم بن عبد العزيز بن إسحاق بن جعفر البغدادي رحمه الله تعالى: كان زيد بن علي شامة أهل زمانه، وجوهرة أقرانه، وإمام أهل بيت النبوة في وقته عليهم السلام، يعرف في زمانه بحليف القرآن، له في الزهد والكرم ومحاسن الأخلاق ما ليس لغيره من أهل زمانه، فتح الله عليه بالعلم بعد أن أخذ منه على جماعة من فضلاء الأمة كأبيه زين العابدين علي بن الحسين عليهما السلام، وجابر بن عبد الله الأنصاري الصحابي، ومحمد بن أسامة بن زيد وغيرهم من أبناء الصحابة، وفتح الله عليه بأعظم مما أخذ من الثقات، حتى قال أخوه محمد بن علي: لقد أوتي أخي زيد علماً لَدُنِيًّا فاسألوه، فإنه يعلم ما لا نعلم.
وتلامذة زيد بن علي عليهما السلام: أولاده السادة الأبرار: عيسى بن زيد، ومحمد بن زيد، وحسين بن زيد، ويحيى بن زيد، فعيسى بن زيد الأوحد أخذ عنه سفيان الثوري وكان زاهد أهل زمانه، وهو جد العراقيين، ومحمد بن زيد جد الذين ببلاد العجم، وحسين بن زيد جد المشهورين من ذرية زيد بن علي عليهما السلام، ويحيى بن زيد هو القائم بعده، وأصحاب زيد الذين أخذوا العلم عنه جماعة كثيرة، فالمشهور منهم: منصور بن المعتمر أحد دعاته، وكان فقيهاً وورعاً محدثاً.
قلت: وقد احتج به البخاري ومسلم وأبو داوود والترمذي والنسائي وغيرهم، ورووا عنه انتهى.
ثم عد جماعة منهم الفقيه النعمان بن ثابت المعروف بأبي حنيفة، وله فضائل كثيرة حتى قال: روي عن جعفر الصادق أنه لم يخرج عمي لجهاد هشام بن عبد الملك حتى رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول له: يا زيد جاهد هشاماً ولو بنفسك.
ثم عدّ جماعة وساق كلاماً طويلاً ثم قال:(1/1530)

306 / 311
ع
En
A+
A-