قال: ومن ذلك ما رويناه عنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: " يقتل من ولدي رجل اسمه زيد بموضع يعرف بالكناسة، يدعو إلى الحق يتبعه كل مؤمن ومؤمنة ". قال: وفي حديث الحسن بن علي عليهما السلام أنه قال: إن أبي حدثني أنه سيكون منا رجل اسمه زيد يخرج فيقتل، فلا يبقى في السماء ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا يلقى روحه، يرفعه أهل سماء إلى سماء حتى ينتهي بروحه إلى الملأ، فقد بلغت، يبعث هو وأصحابه يتخللون رقاب الناس، يقال هؤلاء خلف الخلف ودعاة الحق.
قال: ومن ذلك ما روينا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بينما علي عليه السلام بين أصحابه، إذ بكى بكاءً شديداً حتى التثت لحيته، فقال له ابنه الحسن عليه السلام : يا أبت مالك تبكي ؟ فقال: لأمور خفيت عليك أنبأني بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: وما أنبأك به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قال: لولا أنك سألتني لم أخبرك لئلا تحزن ويطول غمك، أنبأني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فذكر حديثاً طويلاً قال فيه: " يا علي: كيف أنت إذا وليها الأحول الذميم، الكافر اللئيم، فيخرج عليه خير أهل الأرض من طولها والعرض ؟ قلت: يا رسول الله: ومن هو ؟ قال: يا علي: رجل أيده الله بالإيمان، وألبسه قميص البر والإحسان، فيخرج في عصابة يدعو إلى الرحمن، أعوانه من خير أعوان، فيقتله الأحول ذو الشنئان، ثم يصلبه على جذوع من رمان، ثم يحرقه بالنيران، ثم يضربه بالعسبان حتى يصير رماداً كرماد النيران، ثم تصير إلى الله عز وجل روحه وأرواح شيعته إلى الجنان ".(1/1521)
قال: وروينا بالإسناد إلى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن الحسين بن علي عليهم السلام أن علياً أمير المؤمنين صلوات الله عليه خطب خطبة على منبر الكوفة، فذكر أشياءً وقتها حتى ذكر أنه قال: ثم يملك هشام تسعة عشر سنة، وتواريه أرض رصافة رصفت عليه النار، مالي ولهشام جبار عنيد، قاتل ولدي الطيب، لا تأخذه رأفة ولا رحمة، يصلب ولدي بالكناسة بالكوفة، زيد في الذروة الكبرى من الدرجات العلا، فإن يقتل زيد فعلى سنة أبيه، ثم الوليد فرعون خبيث، شقي غير سعيد، يا له من مخلوع قتيل، فاسقها وليد وكافرها يزيد وطاغوتها أزيرق، مقدمها ابن آكلة الأكباد ذره يأكل ويتمتع ويلهيه الأمل، فسوف يعلم غداً من الكذاب الأشر.
قال: وروينا عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: الشهيد من ذريتي القائم بالحق من ولدي، المصلوب بكناسة كوفان، إمام المجاهدين وقائد الغر المحجلين، يأتي يوم القيامة هو وأصحابه تتلقاهم الملائكة المقربون، ينادونهم ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون.
وقد روى شيخنا رحمه الله تعالى بعض هذه الأحاديث في السمط، وذكر مخرجيها من أئمتنا عليهم السلام وغيرهم، فمن أهل الحديث كالناصر للحق والناطق بالحق وأبي العباس الحسني والمرشد بالله والحاكم والديلمي وابن عساكر وعبد العزيز والفقيه حسام الدين حميد بن أحمد الشهيد رحمه الله تعالى، بعضها عن حذيفة وبعضها عن علي عليه السلام وبعضها عن الحسين عليه السلام مرفوعاً، قال: وعن أنس عنه صلى الله عليه وآله وسلم: " يقتل من ولدي رجل يدعا بزيد بموضع يعرف بالكناسة، يدعو إلى الحق يتبعه عليه كل مؤمن ".
قال: وأخرج الناطق بالحق كذا عن سلمة بن كُهَيل: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على خشبة زيد بن علي وهو يقول: أهكذا تفعلون بولدي، هذا جزائي منكم ؟!.(1/1522)
وقد ذكر بعض هذه الأحاديث في الأساس وشرحه وفي الإرشاد الهادي وغير ذلك من سائر الكتب، فلا نطيل بذكر ذلك فالمسترشد يكفيه القليل، والمستبعد لا ينفعه التطويل.(1/1523)
فضائله عليه السلام
وأما فضائله عليه السلام من العلم والزهد والورع والخشية لله تعالى وبذل النفس في رضاء الله، والتخلق بالأخلاق الحسنة المرضية منذ عقل يمينه من شماله، فيتعذر أو يتعسر النقل لما يدل على ذلك بالاستقصاء، لكن نذكر ما سنح مما فيه إفادة المسترشد الزكي، وإقامة الحجة على المعاند الشقي:
قال الإمام الحسن بن بدر الدين عليهما السلام ما لفظه: وروينا عن ابن غسّان الأزدي قال: قدم علينا زيد بن علي عليهما السلام إلى الشام أيام هشام بن عبد الملك، فما رأيت رجلاً كان أعلم بكتاب الله منه، ولقد حبسه هشام خمسة أشهر، يقص علينا ونحن معه في الحبس بتفسير الحمد وسورة البقرة يَهُذُّ ذلك هَذّاً.
قال: وروينا بالإسناد الموثوق به أيضاً أن زيد بن علي عليهما السلام سأَل أخاه محمد بن علي عليهما السلام كتاباً كان لأبيه، فقال له محمد بن علي: نعم، ثم نسي فلم يبعث إليه، فمكث سنة ثم ذكر، فلقي زيداً فقال: أي أخي ألم تسأل كتاب أبيك ؟ قال: بلى، قال: والله ما منعني أن أبعث به إلا النسيان، قال زيد: قد استغنيت عنه، قال: تستغني عن كتاب أبيك ! قال: نعم قد استغنيت بكتاب الله تعالى، قال: فأسألك عما فيه ؟ قال زيد: نعم، قال: فبعث محمد إلى الكتاب ثم أقبل يسأله عن حرف حرف، وأقبل زيد يجيبه حتى فرغ من آخر الكتاب، فقال له محمد: والله ما خرمت منه حرفاً واحداً.
قال وروينا عن بشر بن عبد الله قال: صحبت علي بن الحسين وأبا جعفر وزيد بن علي وعبد الله بن الحسن وجعفر بن محمد، فما رأيت منهم أحداً كان أحضر جواباً من زيد بن علي عليهما السلام.(1/1524)
قال وروينا عن أبي سُدَيرَة قال: دخلنا على أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام، فأصبنا منه خلوة فقلنا اليوم نسأله عن حوائجنا كما نريد، فبينما نحن كذلك إذ دخل زيد بن علي عليهما السلام وقد كشفت ثيابه، فقال له أبو جعفر: بنفسي أنت، ادخل فأفض عليك من الماء ثم اخرج إلينا، فخرج إلينا متفضلاً فأقبل أبو جعفر يسأله وأقبل زيد يخبره بما يحتج عليه والذي يحتج به، قال: فنظروا إلى وجه أبي جعفر يتهلهل، قال: ثم التفت إلينا أبو جعفر، فقال: يا أبا سُدَيرَة هذا والله سيد بني هاشم، إن دعاكم فأجيبوه، وإن استنصركم فانصروه انتهى، قال: ومعنى فخرج إلينا متفضلاً أي: متبذلاً.
وفي شرح الأساس ما لفظه: قال الهادي عليه السلام : روي عن جعفر الصادق عليه السلام لما جاءه خبر قتل عمه زيد وأصحابه أنه قال: ذهب والله زيد كما ذهب علي بن أبي طالب والحسن والحسين وأصحابهم شهداء إلى الجنة التابع لهم مؤمن والشاك فيهم ضال والراد عليهم كافر إلى آخر ما ذكره عليه السلام .
قال: وقال الحاكم في السفينة: وعن بشر النبال قال: كنت جالساً عند الصادق، فقلت: إني تركت فلاناً في الطواف تبرأ من عمك، فقال: أنت سمعته ثلاثاً، فقلت: نعم، فطلع الرجل، فقال له جعفر: أنت تبرأ من عمي ؟ فقال: أوليس قد سبق الإمام ؟ فقال له جعفر: برأ الله منك برأ الله منك أن تتبع إلا أثر عمي زيد، إن علم عمي لينهال انهيال الكثيب ما نظر أحد إلى عمي شامتاً إلا كفر أو كان كافراً. قال: وقال فيها أيضاً عن جابر عن أبي جعفر: ليس منا إمام مفترض طاعته أرخى عليه ستوره والناس يظلمون خلف بابه، إن الإمام المفترض طاعته منا، من شهر سيفه ودعا إلى سبيل ربه.(1/1525)