نقول فيه: بل احتجاجه بهذه الآية مذكور في خبر المناشدة يوم الشورى، إلا أن خبر الشورى مع طوله وكثرة احتجاجه اختلفت الروايات فيه، فمن الرواة من رواه بطوله، ومنهم من رواه على سبيل الاختصار، ومنهم من روى ما سمع، ومنهم نسي البعض أو لم ينقل إليه، وقد نقل الإمام الحسن بن بدر الدين عليهما السلام خبر الشورى بثلاث روايات، بعضها من رواية الطبري، وكلها مذكور فيها احتجاجه عليه السلام بهذه الآية الكريمة، فلعل الرازي قصر نظره على الروايات المختصرة، مع أن من يعلم حجة على من لا يعلم، والزيادة من العدل مقبولة كما هو المقرر في أصول الفقه.(1/1511)


كيف نحب آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟
ثم نقول لهم خطاباً لهم الجميع حيث ادعوا أن المحبة لآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحقيقية إنما حصلت من أهل السنة والجماعة، الذين جمعوا بين حب القرابة والصحابة، وأنهم هم الذين تصدق فيهم الأحاديث الواردة في فضل الشيعة ومحبي آل محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
ما تريدون بهذه المحبة التي زعمتم ؟ هل تريدون بها إرادة النفع ودفع الضرر عن آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الدنيا فقط ؟ فهذه المحبة غير خاصة بآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، بل يشاركهم فيها جميع المسلمين، بل الذمي الذي سلم الجزية وكذلك المعاهَد، فإن دفع الضرر عنه مدة العهد واجبة، أم تريدون النفع الدنيوي والأخروي ؟ فهذا أيضاً لا يختص به آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لمشاركة كل مؤمن لهم في ذلك، أم تريدون ذلك مع موالاة أوليائهم ومعاداة أعدائهم، ومتابعتهم في الاعتقادات أصولاً وفروعاً، وعدم مفارقة مذهبهم في شيء أجمعوا عليه ؟ فإن أردتم أحد المعنيين الأولين فلا فخر ولا كرامة، لمشاركة جميع المسلمين لكم في ذلك، وإن أردتم المعنى الثالث فلعمر الله ما هي إلا مباهتة ومكابرة للضرورة، لأنه لم تكن المحبة على هذا المعنى صادرة إلا من هذه الطائفة المعروفة في كل عصر بالعصابة الزيدية والشيعة الزكية.
وما ظنك بعصابة وطائفة شطرها وأعيانها الذرية النبوية والسلالة العلوية، والشطر الآخر أتباعهم الذين لم يفارقوهم، ولم يزالوا يقاتلون بين أيديهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال.(1/1512)


فأما محبة هذه الفرقة المتسمية بأهل السنة والجماعة، فما هي إلا دعوى يكذبها الواقع من أقوالهم وأفعالهم، ومباينتهم للعترة المطهرة والذرية الطاهرة في كل مكان وزمان، ألا ترى أنهم قد عادوا أولياءهم من الشيعة ولعنوهم، حتى قال ابن حجر في رأس الشيعة والمحبين وأنصار أمير المؤمنين مالك بن الحارث المعروف بالأشتر رضي الله عنه أنه مارق، واستحلوا لعنهم والبراءة منهم، كأنهم من عبدة الأوثان أو من أهل كبائر العصيان، وكذلك والوا أعداءهم، وألفوا المؤلفات في دعوى مناقب لهم، وجعلوهم خلفاء الإسلام والأئمة الذين يتعلق بهم استنباط الشرائع وإجراء الأحكام، وتولوا معاوية اللعين ومن بعده ممن سفك دماء عترة سيد المرسلين.
وكيف تصح دعوى محبة آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع تقديم غيرهم في الإمامة وتفضيله عليهم، وتكذيبهم أنهم أولى بأمر جدهم وأبيهم ؟ أم كيف تصح دعوى محبة الذرية مع انحرافهم، وعدم التفاتهم إلى أول داع دعا إلى الله تعالى بعد علي والحسنيين عليهم السلام، وهو الإمام السابق الولي أمير المؤمنين زيد بن علي بن الحسين بن علي، وإنما قام هذا الإمام سالكاً مسلك سلفه الأئمة الثلاثة المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، غير أن من بعده من أئمة العترة وأتباعهم نُسبوا إليه لأنه لما انطمس ذكر الآل المطهرين بعد وقعة كربلاء ووقعة الحرة، ولم يبق لهم ذكر، بل من ذكرهم بخير ضربت عنقه أو نحو ذلك من الحبس والخوف، وبقوا على ذلك برهة من الدهر نحو ستين سنة .(1/1513)


إنتماء الزيدية إلى الإمام الأعظم زيد بن علي عليهما السلام
إلى أن قام الإمام زيد بن علي عليهما السلام سنة 122، فدعا إلى دين جده خاتم النبيين وسيرة آبائه الطاهرين، فلم يكن لمن تابعه سمة يعرف بها حينئذ إلا أن يقال لهم: الزيدية، إذ لو سموا بالمحمدية أو العلوية لنازعهم في تلك التسمية جميع المسلمين، أو جميع من يدعي محبة علي عليه السلام ، فلم يصح حينئذ تعيينهم إلا بنسبتهم إلى إمامهم السالك بهم نهج نبيهم.
ولنعم المعتزي ونعم المهتدي بهديه، وإلا فهذه الفرقة في الحقيقة منتسبة إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما هؤلاء الأئمة عليهم السلام وصلة وواسطة لتصحيح الاتصال إلى دينه القويم، والتمسك بهديه المستقيم، إذ قد صار المسلمون بعده فرقاً وأحزاباً، وتقسموا الدين الواحد مذاهباً وأبواباً، وكل حزب بما لديهم فرحون، ويوم تقوم الساعة يحشر المبطلون، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.(1/1514)


نبذة عن الإمام الأعظم زيد بن علي عليهما السلام
ولا بأس بذكر نبذة تشتمل على ذكر ما ورد فيه من الأحاديث النبوية والآثار المروية، وذكر فضائله ومخرجه، ومن خرج معه من أهل العلم ونقلة الآثار والفقهاء، وذكر مقتله واستشهاده عليه السلام .
ليعلم المطلع أن هذه العصابة الزيدية من العترة النبوية وأتباعهم الشيعة الزكية، ما انتموا إلى هذا الإمام إلا بعد أن ثبت أنه عليه السلام جار على نهج شرع جده المختار وأبيه علي الكرار، وأنه أكمل أهل عصره علماً وزهداً ونجدة وبأساً وكرماً وفضلاً وورعاً وحرصاً على إحياء ما اندرس من شريعة الإسلام ودين جده سيد الأنام صلى الله عليه وآله وسلم.
أما الأحاديث والآثار الواردة فيه عليه السلام :
فمن ذلك ما ذكره الشيخ أبو الفرج الأصفهاني رحمه لله تعالى علي بن الحسين الأموي ينتهي نسبه إلى مروان بن الحكم بينهما ستة أجداد في كتاب مقاتل الطالبيين رحمهم الله تعالى، وقد روى تلك الأحاديث بأسانيدها بطرق عديدة وأسانيد أكيدة، غير أني تركت ذكر الأسانيد ولم أذكر إلا ما انتهت إليه قصداً للاختصار:
فأخرج رحمه الله تعالى بإسناده إلى جعفر بن محمد الباقر عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للحسين عليه السلام : " يخرج رجل من صلبك يقال له زيد يتخطى هو وأصحابه يوم القيامة رقاب الناس، غراً محجلين يدخلون الجنة بغير حساب ".
وأخرج أيضاً بإسناده إلى عبد الملك بن سليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " يقتل رجل من أهل بيتي فيصلب، لا ترى الجنة عين رأت عورته ".(1/1515)

303 / 311
ع
En
A+
A-