فالله المستعان أولا ترى إلى التعريض في كلامهم أنهم محتاجون إلى سفينة غير معيوبة ومثقوبة، يعرضون بأئمة الزيدية أن سفينتهم قد صارت معيوبة ومثقوبة فلا عمل عليها، أو ما تنظر إلى مجانبتهم إلى الرواية عن أئمة الزيدية وأتباعهم، وإنما دأبهم الاعتزاء والانتماء إلى غير العترة العلوية أصولاً وفروعاً وجرحاً وتعديلاً، بل يجعلونهم عرضة لوصمهم وسبهم، ويفسدون أقوالهم ولا يذكرون أقوالهم ومذاهبهم، ولا يعتدون بها من جملة أقوال المسلمين ومذاهبهم، والأمر كما قيل:
لم تذكروا الآلَ فيها قط بالقلمِ
والعلمُ ميراثُهمٍ من سيد الأممِ
لو تعلمون شفاءً من لوى السقمِ
فكمْ ألوفٌ لكم تأليف قد رُقمتْ
كأنهم عندكم بالعلم ما عرفوا
نبذتُمُ الآل ظهرياً وهم لكمو(1/1506)
أبطال ما ذكره ابن حجر والرازي في الشيعة
ولنعد إلى إبطال ما ذكره ابن حجر والرازي في كلامهما المتقدم.
فنقول: قول ابن حجر الذي حكاه عن الوصي عليه السلام : شيعتنا هم العارفون بالله العاملون بأمر الله، أهل الفضائل، الناطقون بالصواب.
فنقول له: نعم، هؤلاء الشيعة حقيقة، ولكن انظر من صدقت عليه هذه الحقيقة، وجرى على نهج هذه الطريقة، فإنك لو أنصفت لعلمت أن هذه الخصال لا توجد إلا في العترة الزكية وأتباعهم الفرقة الزيدية، لأن معتقدهم في العدل والتوحيد هو الحق الذي أجمعت على أصوله الأمة، كما مر تقريره في الجمل الأربع المذكورة، فيكونون هم العارفون بالله، ولأنهم الذين قاموا بنصرة الحق وبه يعدلون، ولم يزالوا عليه يقاتلون، المجيبون داعي الله في كل عصر، والمناصرون لعترة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كل دهر، الآمرون بكل معروف، والناهون عن كل منكر مخوف على أبلغ وجوههما والترتيب المألوف، فهم العاملون بأمر الله، وهم المباينون للظلمة وأرباب الفجور والعصيان، الناقمون عليهم أفعالهم بالقول والجنان والسيف والسنان على ممر الأزمان، فهم أهل الفضائل الناطقون بالصواب.
وأما ما ذكر من السبّ واللعن فنطوي عنه كشحاً، ونضرب عنه صفحاً، وإن كان مقابلة المسيء بمثل إساءته جائز عقلاً وسمعاً، لقوله تعالى: ?وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ?{النحل:126}، لكنا نتكلم على قوله وكيف يزعم محبة قوم من لم يتخلق قط بخلق من أخلاقهم، ولا عمل في عمره بقول من أقوالهم، ولا تأسى في دهره بفعل من أفعالهم؟(1/1507)
فيقال له: هذا قول حق ومقال صدق، فلننظر أي الفريقين صدقت هذه المقالة الفصيحة والمقدمة الصحيحة، هل من تسمى باسم أكبر أئمتهم، وأخذ عنهم دينه ومذهبه أصولاً وفروعاً، ومعقولاً ومسموعاً، أم من اتخذ له مذهباً واعتقاداً وأئمة في الدين غيرهم، وتابع السلاطين الجائرين، ووالى من سفك دماء العترة المطهرين، كل ذلك خلاف ما عليه ذرية خاتم النبيين.
وأما قوله في وصفه الشيعة وذمه لهم بأنهم: إخوان الشياطين وأعداء الدين، وأنهم شيعة إبليس اللعين وخلفاء أبنائه المتمردين، فقد قدمنا في باب العدل ما يدل على أن المجبرة هم إخوان الشياطين وأعداء الدين، وليت شعري من يوافق إبليس على قوله: ?رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي?{الحجر:39}،ومن يوافق أعداء الدين في قولهم: ?لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا? {الأنعام:148}، رمتني يداها وانسلت
وقال ابن حجر بعد سياقه ذلك الكلام البذيء والمقال الأذي ما لفظه: ومن ثمة قال علي كرم الله وجهه: لا يجتمع حبي وبغض أبي بكر وعمر، لأنهم ضدان لا يجتمعان، وقال في موضع آخر: ومر خبر: لا يجتمع حب علي وبغض أبي بكر وعمر في قلب مؤمن.
نقول عليه: أما قولك: ومن ثمة قال علي كرم الله وجهه: لا يجتمع حبي وبغض أبي بكر وعمر، فمما لا يسلم لك صحته عن علي عليه السلام ، ومن أين أخذت هذا الكلام عنه، وأي رواية استندت فيها إلى صحته عنه، لذلك لم تعز له راوٍ مبين ولا كتاب معين، بل حكيت ذلك إرسالاً محضاً.(1/1508)
وأما قولك: ومر خبر لا يجتمع حب علي وبغض أبي بكر وعمر في قلب مؤمن، فالذي وجدنا فيما مر من كلامك، ليس خبراً نبوياً كما توهمه العبارة، وإنما هو ما حكيته عن علي عليه السلام لا يجتمع حبي وبغض أبي بكر وعمر الخ، ثم نقول: لو كان هذا الكلام صحيحاً عن أمير المؤمنين عليه السلام وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لانتفى الإيمان عن الزهراء سيدة نساء الدنيا والأخرى، لأن رواية البخاري وغيره بلا خلاف فيه أن فاطمة عليها السلام ماتت وهي غاضبة على أبي بكر وعمر، فكيف يصح ما زعمته من تلك المقالة عن علي عليه السلام أو عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان بموجبها أن لا إيمان للزهراء صلوات الله عليها، وهذا لا يلتزمه إلا من مرق من الدين، والتحق بأعداء الله المعتدين، وأيضاً فالإيمان عندكم هو التصديق بالله ورسوله وما جاء به صلى الله عليه وآله وسلم، والمحبة لفلان أو لفلان خارجة عن حد الإيمان لأنها من العمل، وليس العمل من الإيمان عندكم أيها الأشاعرة وسائر المجبرة، فلا تصح هذه المقالة على أصلكم.
وأما قول الرازي في تفسير قوله تعالى: ?قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ?، فيه منصب عظيم للصحابة، واحتج على ذلك بقوله تعالى: ?وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ o أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ?، قال: فكل من أطاع الله كان مقرباً، فدخل تحت قوله: إلا المودة في القربى، وقوله: إن هذه الآية تدل على وجوب حب آل محمد وحب أصحابه.(1/1509)
فنقول فيه: هذا من تحريف الكلم عن مواضعه والخبط والغلط في المأخذ والاشتقاق، حيث جعل المقربين داخلاً تحت القربى، ومن المعلوم أن القربى قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنها لما نزلت، قالت الصحابة: من قرابتك يا رسول الله، الذين أوجب الله علينا مودتهم ؟ قال: " علي وفاطمة وابناهما "، وأما المقربون فهو: اسم عام لمن يستحق التقريب من رحمة الله تعالى ورفع الدرجة، فكيف يصح إدراج العام تحت الخاص !، وكيف تستقيم هذه الدعوى وقد عقلت الصحابة خلافها، وعلموا أنهم هم المخاطبون بتأدية المودة للقرابة، حتى سألوا عن القرابة الذين افترضت عليهم مودتهم!، ولو كان الأمر كما زعم هذا المدعي، لقال: قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة فيكم من الناس أو ممن بعدكم أو من المسلمين أو من المؤمنين، لأن هذا محصل كلام هذا المدعي، وحاشى كلام الله أن يخرج على هذه المعاني الفاسدة، ويتنزل على هذه المباني المنهدة.
وقوله: إن هذه الآية تدل على وجوب حب آل محمد وحب أصحابه.
فنقول: أما وجوب حب آلا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فنعم، وأما أن فيها ما يدل على وجوب حب الصحابة، فمحض الدعوى بل محض الافتراء، لأنها إنما أوجبت على الصحابة حب القرابة كما هو صريح اللفظ، فأما حب أصحابه الموفون بعهدهم، وهم الذين وصفهم الله بقوله: ?وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً?، فواجب بأدلة أخر، ولا تدخل في ذلك محبة من غَيَّر وبَدَّل وأَخَّر الوصي عن منزلته، وخلفه صلى الله عليه وآله وسلم بشر خلافته في ابنته وعترته.
وقوله في تفسير آية ?إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ?، أن علياً عليه السلام لم يحتج على إمامته بهذه الآية، لأنه احتج يوم الشورى بخبر الغدير وخبر المباهلة وجميع فضائله، ولم يتمسك البتة بهذه الآية.(1/1510)