وقال الرازي في تفسير قوله تعالى: ?قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا?{الشورى:23}، فقال ما لفظه: قوله: إلا المودة في القربى: فيه منصب عظيم للصحابة، لأنه تعالى قال: ?وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ o أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ o فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ?{الواقعة:10،11،12}، فكل من أطاع الله تعالى كان مقرباً عند الله تعالى، فدخل تحت قوله: إلا المودة في القربى. والحاصل أن هذه الآية تدل على وجوب حب آل محمد وحب أصحابه، وهذا المنصب لا يُسَلِّم إلا على قول أصحابنا أهل السنة والجماعة الذين جمعوا بين حب العترة والصحابة، قال: وسمعت بعض المذاكرين قال: إنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: " مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا "، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: " أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم "، ونحن الآن في بحر التكليف، وتضربنا أمواج الشبهات والشهوات، وراكب البحر يحتاج إلى أمرين: أحدهما: السفينة الخالية عن العيوب والثقب. وثانيهما: الكواكب الظاهرة الطالعة النيرة، فإذا ركب تلك السفينة ووقع نظره على تلك الكواكب الظاهرة كان رجاء السلامة غالباً، فكذلك ركب أصحابنا أهل السنة سفينة حب آل محمد، ووضعوا أبصارهم على نجوم الصحابة، فرجوا من الله أن يفوزوا بالسلامة والسعادة في الدنيا والآخرة.
ثم قال في قوله تعالى: ?وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا?، قيل: نزلت في أبي بكر، والظاهر العموم في أي حسنة كانت، إلا أنها لما ذكرت عقيب ذكر المودة في القرآن دل ذلك أن المقصود التأكيد في تلك المودة.(1/1501)


وقال عند تفسير قوله تعالى: ?إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ?{المائدة:55}، بعد أن سلم نزول الآية في علي عليه السلام ، وحَمَل الولي بمعنى: الناصر والمحب، لا بمعنى: مالك الأمر والمتصرف فيه، فقال ما لفظه: الحجة الخامسة: أن علي بن أبي طالب كان أعرف بتفسير القرآن من هؤلاء الروافض، فلو كانت هذه الآية دالة على إمامته لاحتج بها في محفل من المحافل، وليس للقوم أن يقولوا: أنه تركه للتقية، فإنهم ينقلون عنه أنه تمسك يوم الشورى بخبر الغدير وخبر المباهلة وجميع فضائله ومناقبه، ولم يتمسك البتة بهذه الآية في إثبات إمامته، وذلك يوجب القطع بسقوط قول هؤلاء الروافض لعنهم الله تعالى انتهى بلفظه.(1/1502)


فتأمل أيها المسترشد: كلام القوم مشتملاً على ثلاثة أطراف: دعوى أنهم هم الشيعة المحبون المتمسكون بأهل البيت عليهم السلام، واشتراط تقديم أبي بكر ومن بعده ومحبتهم على أمير المؤمنين، واستحلال لعنهم من خالفهم في ذلك والبراءة منه، وأنه من خلفاء الشيطان وأعداء أهل البيت عليهم السلام، وأنه يسمى رافضياً وشيعياً مذموماً لا شيعياً محموداً، بل الشيعي المحمود: من كان على مذهبهم في تأخير الوصي عن الثلاثة، بل قد سمى ابن حجر من قدم علياً عليه السلام مبتدعاً زنديقاً، فحكموا بالابتداع والرفض والزندقة على جميع أهل البيت، لأن المعلوم من مذهبهم بالضرورة أنهم يدينون ويعتقدون أن علياً عليه السلام هو الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يختلفون في ذلك خلفاً عن سلف من لدن علي بن أبي طالب عليه السلام إلى الآن، أما أمير المؤمنين فكما تقدم نقله من رواية المخالف والموالف الاحتجاج يوم السقيفة أنه أولى بالأمر ممن تقدمه، وكذلك ولده الحسنان الطاهران وأمهما الزهراء الطاهرة صلوات الله وسلامه عليهم، وأما من بعدهم من ذريتهم فلأن أكثر منازع للقوم في هذه المسألة هم أئمة العترة وأتباعهم، عصراً بعد عصر ودهراً بعد دهر وهم الزيدية، ولا تناكر أن من مذهب الزيدية: القول بتقديم الوصي وتفضيله على من تقدمه، فلزم من صنيع القوم واعتقادهم أن أهل البيت كافة رافضة مبتدعة زنادقة ملعونون، وأن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
لايقال: إنما مراد القوم بذلك الغلاة الروافض الذين قالوا في علي ما ليس فيه، من أنه إله ونحو ذلك من افترائهم دون أئمة العترة كزين العابدين والحسن بن الحسن وذريتهما، فكتبهم ناطقة بمدحهم وتزكيتهم وموالاتهم ومحبتهم.(1/1503)


لأنا نقول: لو كان الأمر كما ذكر، لما جعلوا الذنب كل الذنب هو تقديم الوصي وإنكار إمامة أبي بكر وصاحبيه، وتقريعهم اللعن والسب والحكم بالرفض والزندقة على ذلك ، ولكان ينبغي أن لا يرموا بهذه الألفاظ إلا الغلاة القائلين بتلك المقالات الفرية والعقائد الكفرية، وليست مقالاتهم هذه تراها إلا فيمن نازعهم إمامة المشائخ، ولهذا إن ابن حجر لم يضع كتابيه المذكورين من الصواعق وتطهير الجنان إلا في الرد على من أنكر إمامتهم وخطأ معاوية اللعين، ولم يذكر الرازي ذلك إلا فيمن ادعى أن علياً عليه السلام هو الإمام بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك سائر مشيختهم ومؤلفيهم لم يذكروا الرفض واللعن والجرح إلا عند ذكرهم من نازعهم إمامة المتقدمين وتزكية معاوية، فعلم أنهم يريدون بالرفض واللعن والجرح والسب الفرقة الزيدية، فكيف يستقيم بعد ذلك دعوى محبة العترة والذرية ومتابعتهم، وأنه من شيعتهم الممدوحين لمن قد قضى بهلاكهم ولعنهم ورفضهم، وأدخلهم في عداد أعداء أهل البيت عليهم السلام.
وهل تعلم أيها العاقل أن للخمسة أهل الكساء صلوات الله عليهم وسلامه ذرية تنصرف إليهم تلك الأحاديث المذكورة غير زين العابدين والحسن بن الحسن وذريتهما الطاهرين كزيد بن علي والباقر والصادق ويحيى بن زيد والحسن المثلث وعبد الله الكامل وأولاده الأئمة الأربعة: محمد وإبراهيم ويحيى وإدريس، والحسين بن علي صاحب فخ وإبراهيم الشبه وأحمد بن عيسى والقاسم والهادي وولديه المرتضى والناصر، والإمام الناصر الحسن بن علي الأطروش وسائر الأئمة والسادة عهدهم وبعدهم إلى يومك هذا.(1/1504)


فهؤلاء هم الزيدية بلا تناكر بين الفريقين السنية والشيعة وسائر الأمة، لا ينكرهم أنهم هم ومن تابعهم هم الزيدية أحد، والمعلوم من مذهبهم بالاضطرار أن من مذهبهم: تقديم الوصي في الإمامة وتفضيله على غيره وتبرئهم من معاوية اللعين، وحينئذ فهم داخلون فيمن لعنه القوم ورفضوه ونسبوه إلى عداوة أهل البيت عليهم السلام والزندقة، على أن الزندقة في كلام ابن حجر لا معنى لها في هذه المباحث، لأن الزنديق هو: الملحد في الدين، فإن أراد وصمهم بذلك لكونهم يخالفونه في العدل والتوحيد والإرجاء، فذلك من باب:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
فأما قول السائل: إن كتب القوم مصرحة وناطقة بمدح زين العابدين والحسن بن الحسن وذريتهما ومحبتهم وموالاتهم وتزكيتهم، فهو بناء من القوم على أن أولئك الأنجاب والسادة الأحباب موافقون لهم في تقديم غير الوصي عليه السلام ، وسائر ما اعتقدوه من الرؤية والجبر والإرجاء، ولو علموا مخالفتهم في ذلك لما زكوهم ولا والوهم، ولتبرؤوا منهم كما هو دأبهم في الأئمة من بعدهم، فإنك لا تجدهم يوادون أحداً منهم، أولا ترى كيف قد حرفوا حقيقة الآل، فقالوا: هم أتقياء أمته صلى الله عليه وآله وسلم، ليخرجوا بهذا الحد زيد بن علي عليهما السلام وسائر أئمة الزيدية وأتباعهم إلى يوم الدين، ويدخلون سلفهم من علمائهم وخلفاء الدولتين وغيرهما ممن سفك دماء العترة وقاتل أئمة الزيدية.(1/1505)

301 / 311
ع
En
A+
A-