قال: وأخرج أحمد في المناقب أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي: " أما ترضى أنك معي في الجنة، والحسن والحسين وذريتنا خلف ظهورنا، وأزواجنا خلف ذرياتنا، وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا ".
قال: وأخرج الطبراني أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي: " أول أربعة يدخلون الجنة: أنا وأنت والحسن والحسين، وذريتنا خلف ظهورنا، وأزواجنا خلف ذرياتنا، وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا ".
قال: وسنده ضعيف لكن يشهد له ما صح عن ابن عباس: أن الله تعالى يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه في العمل، ثم قرأ: ?وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ ? الآية {الطور:21}. قال: وأخرج الديلمي: " يا علي: إن الله قد غفر لك ولذريتك ولولدك وأهلك ولشيعتك ولمحبي شيعتك، فأبشر فإنك الأنزع البطين "، قال: وهو ضعيف.
وكذلك خبر: " أنت وشيعتك تردون عليّ الحوض مبيضة وجوهكم، وأن عدوك يردون عليّ الحوض ضمأى مقمحين " ضعيف أيضاً.
قال: وأخرج الحافظ جمال الدين الزرندي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الآية: ?إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ?{البينة:7}، قال صلى الله عليه وآله وسلم: " هو أنت وشيعتك، تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين، ويأتي عدوك غضاباً مقمحين، قال: ومن عدوي، قال: من تبرأ منك ولعنك ".
قال: وخبر " السابقون إلى ظل العرش طوبى لهم، قيل: ومن هم يا رسول الله، قال: شيعتك يا علي ومحبوك " فيه كذاب. قال: وأخرج الدار قطني: " أما أنت وشيعتك، وإن قوماً يزعمون أنهم يحبونك يصغرون الإسلام ثم يرفضونه، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية، لهم نبز يقال لهم الرافضة، فإن أدركتهم فاقتلهم فإنهم مشركون "، قال الدار قطني: لهذا الحديث عندنا طرق كثيرة.(1/1496)


قال: ثم أخرج عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كانت ليلتي وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندي، فأتته فاطمة عليها السلام فتبعها علي عليه السلام ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " يا علي: أنت وأصحابك في الجنة، أنت وشيعتك في الجنة "، ثم ساق الحديث في المارقين بنحو الذي قبله، إلى أن قال: ومن ثمة قال موسى بن علي بن الحسين بن علي عليهم السلام وكان فاضلاً عن أبيه عن جده: " إنما شيعتنا من أطاع الله ورسوله وعمل بعملنا ". وقد نقل ابن حجر خبراً طويلاً عن أمير المؤمنين عليه السلام في وصف الشيعة، قد نقلته بلفظه في مذاكرة الإخوان، فلا نطيل الكلام هاهنا بنقله لكن نذكر المحتاج إليه.
قال عليه السلام : شيعتنا هم العارفون بالله العاملون بأمر الله أهل الفضائل الناطقون بالصواب، إلى قوله عليه السلام : أولئك شيعتنا وأحباؤنا ومنا ومعنا الخ كلامه عليه السلام .
قلت: وبالله التوفيق فهذه الأحاديث كما ترى من رواية الموالف والمخالف شاهدة بفضل الشيعة ونجاتهم وسمو منزلتهم ودرجاتهم، على أنه المعلوم عقلاً أن من تابع المحق فهو محق معه وناج بنجاته، ويشهد لصحة هذه الأحاديث ما تواتر من غيرها، نحو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى "، وفي رواية: هلك، وفي أخرى: زخ في النار، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا "، " لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق ".(1/1497)


ذكر الشيعة والسنة
وحينئذ فلا شك ولا نزاع في نجاة شيعتهم ومتبعيهم، وإنما وقع النزاع في الاختلاف بين الزيدية وغيرهم من المتسمين بالسنية: الأشعرية وسائر المجبرة والمحدثين، فكل يدعي أنه هو المراد بتلك الأحاديث النبوية والآثار المروية، وأن خصمه هو المخالف للعترة الزكية والسلالة العلوية:
كدعواك كل يدعي صحة العقل .... ومن ذا الذي يدري بما فيه من جهلِ
واسمع إلى قول ابن حجر الهيثمي، وقول الرازي في دعواهما متابعة آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومحبتهم، وأن أصحابهم أهل السنة هم المتابعون والمحبون والشيعة، ولعنهم الرافضة والشيعة وبراءتهم منهم، والقطع عليهم بالهلاك والضلال، وأنهم إخوان الشيطان وأتباعه، ومثل قول ابن حجر والرازي قول سائرهم كالقاضي عياض والنووي في شرحيهما لمسلم، وقول القسطلاني في شرحه للبخاري، ويعنون بكلامهم أينما ورد، فالمراد بالرافضة: من تكلم في المشائخ وقدح في تزكيتهم، وبالشيعة من قدم علياً وفضله من دون تكلم وقدح فيمن تقدمه، وسواء كان ذلك ممن غلى في أمير المؤمنين وادعى فيه ما ليس فيه، من أنه إله أو أن جبريل غوى بالرسالة، وهم المرادون في أحاديث: " يهلك فيك يا علي محب غال " الحديث، أم لا فالكل عندهم مجروحون مذمومون ملعونون.
وعند أئمتنا عليهم السلام وأتباعهم الكرام: أن الرافضة: هم الغلاة، ومن ترك نصرة الأئمة الهادين من ذريته صلى الله عليه وآله وسلم، ورفض الجهاد معهم، فهم المرادون بالأحاديث الواردة في ذم الروافض.
وأما الشيعة: فهم الشيعة على أصل وضع هذه اللفظة في اللغة، وهي مستعملة في مقابلة لفظ العدو، قال تعالى: ?هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ ?{القصص:15}، فهو اسم مدح وتعظيم، فمن لم يرتض أن يكون من شيعة علي عليه السلام وذريته الطاهرين فهو من عدوهم.(1/1498)


وحينئذ فلا شك ولا ريب أن الفرقة الزيدية هم الشيعة حقاً والمتبعون صدقاً والمحبون والمتمسكون بأهل البيت عليهم السلام، فيجب أن يكونوا هم الفرقة الناجية، فأما الإمامية والباطنية لعنهم الله فإنهم وإن قدموا علياً عليه السلام في الإمامة والتفضيل فعدوا في فرق الشيعة بهذا الاعتبار، فهم خارجون عن الشيعة الحقيقية لمخالفتهم للعترة الزكية قولاً وعملاً ومذهباً واعتقاداً، كما ذلك مذكور في موضعه.(1/1499)


كلام ابن حجر والرازي في الشيعة
ولنذكر ما وعدنا به من كلام ابن حجر والرازي، فقال ابن حجر في صواعقه ما لفظه: وشيعته - يعني علياً عليه السلام - هم أهل السنة، لأنهم الذين أحبوهم كما أمر الله ورسوله، وأما غيرهم - يعني الرافضة والشيعة - فأعداؤه في الحقيقة لأن المحبة الخارجة عن الشرع الحائدة عن سنن الهدى هي العداوة الكبرى، فلهذا كانت سبباً لهلاكهم، وقال بعد أن حكى كلام أمير المؤمنين عليه السلام في وصف الشيعة ما لفظه: فتأمل وفقك الله لطاعته، وأدام عليك من سوابغ نعمه وحمايته هذه الأوصاف الجليلة الباهرة الرفيعة الكاملة المنيعة، تعلم أنها لا توجد إلا في أكابر العارفين الأئمة الوارثين، فهؤلاء شيعة علي رضي الله عنه وأهل بيته، وأما الرافضة والشيعة ونحوهما إخوان الشياطين وأعداء الدين وسفهاء العقول ومخالفوا الفروع والأصول ومنتحلوا الضلال ومستحقوا عظيم العقاب والنكال، فهم ليسوا بشيعة لأهل البيت المبرئين من الرجس، المطهرين من شوائب النقص والدنس، لأنهم أفرطوا وفرطوا في جنب الله، واستحقوا منه أن يبقيهم محيرين في مهالك الضلال والاشتباه، وإنما هم شيعة إبليس اللعين، وخلفاء أبنائه المتمردين، فعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وكيف يزعم محبة قوم من لم يتخلق قط بخلق من أخلاقهم، ولا عمل في عمره بقول من أقوالهم، ولا تأسى في دهره بفعل من أفعالهم، ولا تأهل لفهم شيء من أحوالهم ؟ ليست هذه محبة في الحقيقة، بل بغضة عند أئمة الشريعة والطريقة، إذ حقيقة المحبة طاعة المحبوب، وإيثار محابه ومرضاته على محابة النفس ومرضاتها، والتأدب بآدابه وأخلاقه انتهى. وله كلام كثير نحو هذا في كتابه الذي ألفه وسماه: الصواعق المحرقة في الرد على الرافضة والشيعة أهل البدع والزندقة، وفي كتابه: تطهير الجنان في تنزيه سيده معاوية بن أبي سفيان.(1/1500)

300 / 311
ع
En
A+
A-