فقد ظهر لك أن آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم أخذوا من هذه الأربع الجمل بموضع نقطة البيكار، وأن أقوال مخالفيهم هو الشارد عنها والمناقض لها، فيكون في نهاية البطلان ومواقف العطب والأخطار.(1/1486)


دليل عقلي على نجاة الزيدية
دليل آخر عقلي على نجاة الزيدية:
ذكر الإمام المهدي عليه السلام وهو أنه لو كان الأمر كما تقول الأشعرية وغيرهم من سائر المجبرة: أن أفعال العباد من الله تعالى وأنها بإرادته تعالى وخلقه لها فيهم، لما كان إلى تهليك الزيدية سبيل، بل يكونون ناجين، لأن كل ما قالوه من الأقوال المتعلقة بأصول الدين وذهبوا إليه من تلك العقائد هو بخلق الله وإرادته، فيجب أن يكون حقاً وصدقاً ويكونون صادقين في تهليك المجبرة وسائر من خالف العترة المطهرة، لأن ذلك بخلق الله تعالى وإرادته، هذا معنى ما ذكره عليه السلام .
قلت: ويلزم المجبرة نجاة اليهود والنصارى وسائر الملل الكفرية وجميع الملاحدة، لأن عندهم أن كل من ذهب إلى قول أو دان بدين فهو بخلق الله وإرادته، فلا وجه لتهليكه بل يجب الرضى بما يدين به الكفار ويرتكبه الجبابرة والفجار من جميع المعاصي، لأن ذلك كله بخلق الله وإرادته وقضائه وقدره، ولا ينقلب علينا هذا الإلزام لأنا لم نقل بأصله الموجب له وهو أنه تعالى خلق أفعال العباد وأرادها.
لا يقال: وهم لا يلزمهم ما ذكرتم، لأنهم قد قالوا بتهليك من خالفهم من الزيدية والمعتزلة وجميع الملل الكفرية، وقولهم هذا ودينهم به واعتقادهم له هو بخلق الله وإرادته فيكون حقاً وصدقاً، فيكونون محقين صادقين ناجين، فاندفع ما ذكرتم من هذا الإلزام.
لأنا نقول: هذا باطل من وجهين:
أحدهما: أنه إنما يندفع لو كان ما قالوه واعتقدوه ودانوا به من فعل الله وخلقه وبإرادته، ولا نسلمه بل هو من إفكهم وبهتانهم وأقاويلهم الباطلة، فأوردنا عليهم ذلك الإلزام بناءً على أصلهم هذا الباطل المضمحل، ولا يلزمنا مثله لأنا لا نقول بموجبه وهو خلق أفعال العباد من جهة الله تعالى وإرادته لها، تعالى الله عن ذلك.(1/1487)


الوجه الثاني: أنه لو كان الأمر كما ذكروا للزم التناقض والتدافع الذي لا يقوله عاقل، لأنه يؤدي إلى القول بنجاة كل فرقة وكل ملة من ملل الكفر، نظراً إلى قول من يصوبها في دينها ولو في تصويب الكفار والملاحدة ما هم عليه من الكفر والإلحاد، وإلى القول بهلاك كل فرقة وكل ملة، نظراً إلى قول من يهلكها ويخطيها في دينها واعتقادها، فتكون كل فرقة من فرق الإسلام وكل ملة من ملل الكفر والإلحاد هالكة ناجية، وذلك من أمحل المحال وأقبح المقال، فبعداً للجبر وأصحابه وترحاً له ولأربابه، ما أقبحه من مقال وما أفضحه من خيال، وما يلزمه من ضلال، وما يصحبه من إفك وانفتال، وما يلحقه من عطب ووبال، وما يعقبه من شر ونكال.(1/1488)


الأدلة على نجاة الزيدية من الكتاب والسنة
وأما النقل: فالكتاب، والسنة، والإجماع
أما الكتاب والسنة:
فقد قدمنا في مسائل الإمامة ما فيه كفاية في الدلالة على نجاة آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأن الحق معهم وفي أيديهم لا يفارقهم ولا يفارقونه، وأنهم قرناء الكتاب وأمناء هذه الأمة من نزول العذاب، وأنهم سفينة نوح وباب السلم المفتوح، وباب حطة من دخله غفر له، وتقدم ذلك برواية الموالف والمخالف، فلا حاجة إلى إعادته فيجب الحكم والقضاء بنجاة من تبعهم ووافقهم قولاً وعملاً واعتقاداً، لأن للتابع حكم المتبوع بلا ريب في ذلك ولا تردد.
وأما الإجماع:(1/1489)


فإجماع الأمة منعقد على نجاة أهل البيت ونجاة من تبعهم، وإنما نازع المخالفون في حقيقة أهل البيت ومن المراد بهم في تلك الآيات والأحاديث، بعد اتفاق الجميع على أن أهل الكساء عليهم السلام من أهل البيت وأول داخل فيهم، فمنهم من زاد عليهم بأن أدخل نساءه صلى الله عليه وآله وسلم، ومنهم من زاد عليهم بأن أدخل سائر الهاشميين من آل عقيل وآل العباس وآل جعفر، ومنهم من زاد إلى ذلك المطلب، ومنهم من زاد أتقياء أمته صلى الله عليه وآله وسلم، ومنهم من زاد جميع الأمة وإلى أن أهل بيته جميع أمته، وقد تقدم الاستدلال على أن ليس المراد من أهل البيت إلا أهل الكساء وذرية السبطين العترة النبوية والسلالة العلوية عليهم السلام، وأقوى دليل على ذلك: الحصر في قوله مشيراً إلى أهل الكساء عليهم السلام: " اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً "، وعدم إدخاله غيرهم من النساء وغيرهن في ذلك، ورده على أم سلمة رضي الله عنها لما قالت: وأنا من أهل بيتك يا رسول الله؟ قال: " بلى إنك إلى خير، إنك من صالحي أزواج النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - "، وكذلك الحصر في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض "، مع تواتر الحديثين وعدم منازع في صحتهما، فأفاد أن أهل البيت عليهم السلام ليس إلا أهل الكساء وذرية السبطين عليهم السلام إلى يوم الدين.(1/1490)

298 / 311
ع
En
A+
A-