وأيضاً أجمع المسلمون على أن القرآن حق وصدق لا باطل فيه ولا كذب، وإنما يمكن القطع بذلك إذا قلنا: أنه يقبح منه الكذب، وقد نسبت الأشعرية وغيرهم من سائر المجبرة كل ما وقع في الخارج من الكذب إليه تعالى، وقالوا: لا يقبح منه لأنه غير منهي عنه، فإذاً لا طريق لهم إلى القول بأن القرآن حق وصدق لا باطل فيه ولا كذب، لأنهم لما عللوا قبح الفعل بعدم النهي عنه وهو تعالى غير منهي عن شيء، سدوا على أنفسهم طريق العلم بصدق خيره تعالى، وفتحوا بذلك صحة تقوّله تعالى بالباطل.(1/1481)


الجملة الثالثة: تتعلق بالإمامة والتفضيل
الجملة الثالثة: تتعلق بالإمامة والتفضيل:
أجمعت الصحابة ولا مخالف بعدهم من علماء الأمة أن القرب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع الاتصاف بالإيمان والعلم والورع مزية وفضيلة يستحق من اتصف بها التقديم والتفضيل على الأبعد والفاسق والجاهل، وأجمعوا على أن آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذين هم: علي والحسنان وأولادهم الساعين مسعاهم والمقتفين آثارهم عليهم السلام جميعاً، وقد كانوا على الحظ الأوفر من تلك الخصال الحميدة، والنصيب الأكبر من تلك الخلال المفيدة، أما قرب نسبهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمما يعلم ضرورة بلا منازع، وأما الإيمان والعلم والورع فكذلك وإن ادعى الخصم المشاركة لهم في ذلك، فلا بقدر على دعوى المساواة أو الأفضلية عليهم في ذلك إلا على سبيل المباهتة، والدعوى لغير مدعٍ.
وأيضاً أجمعت الأمة على أن آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذين هم: من ذكروا إن ضم إليهم الخصم غيرهم، تجب محبتهم ومودتهم وإعظامهم واحترام دمائهم وأعراضهم.
ثم اختلفت الأمة بعد ذلك، فذهبت المعتزلة والأشعرية وغيرهم إلى تقديم غيرهم عليهم في الإمامة والتفضيل، وصححوا إمامة من تقدم علياً عليه السلام ، وقالوا بموجب تصحيح إمامة من عارضه، أو عارض ولديه السبطين، ومن عارض أولادهما الأئمة الهادين من الأمويين والعباسيين وغيرهم، حيث قالوا: إن الإمامة في كل قريش أو في كل الناس.
وذهب الأئمة عليهم السلام وأتباعهم الكرام إلى خلاف ذلك، وأن علياً عليه السلام هو الإمام وأفضل الأمة بعده صلى الله عليه وآله وسلم بلا فصل، وبعده الحسنان ثم أولادهما عليهم السلام الكاملين العالمين العاملين إلى يوم الدين، وأنهم أفضل من سائر الأمة على الجملة.(1/1482)


فينظر أي المذهبين أقرب إلى موافقة الجملة المجمع عليها، ولا شك أن تقديم المشائخ على علي عليه السلام من باب تقديم الأبعد نسباً عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، والأدنى علماً وورعاً، والأقل فضلاً وزهداً وحسباً، فينقض الأصل المجمع عليه في تلك الجملة وهو أن الأقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والأعلم بما جاء به والسابق إليه والعامل به أولى من غيره.
وإنما قلنا: إن الصحابة أجمعت على ذلك، لأنهم لما اختلفوا من الأحق بالإمامة، احتج كل منهم بما ذكرنا من تلك الخصال: فاحتجت الأنصار بالإيمان بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم وإيوائه ونصرته، واحتج المهاجرون بقرب نسبهم إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع الإيمان والنصرة والسبق إلى الإسلام، واحتج أمير المؤمنين عليه السلام ومن معه بجميع ما ذكر، فكان إجماعاً منهم الجميع على أن تلك الخصال هي الموجبة للتقديم والتفضيل، غير أنهم لم ينصفوه عليه السلام ، كما مر نقل ذلك مفصلاً، فكان تقديم غير علي عليه السلام والتفضيل عليه نقضاً لذلك الأصل المجمع عليه، وتصحيح الإمامة في كل قريش نقضاً له أيضاً، لأن سائر بطون قريش أبعد نسباً عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
وكذلك قولهم بتصحيح الإمامة في كل قريش يؤدي إلى نقض الأصل المجمع عليه من أن آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم تجب مودتهم ومحبتهم وإعظامهم واحترام دمائهم وأموالهم وأعراضهم، لأنه إذا قام من نازعهم في الإمامة وحكمنا بصحة إمامته ولم يسلموا إليه الأمر جاز قتلهم وقتالهم، ووجبت معاداتهم والبراءة منهم، فيؤدي إلى نقض الجملة المجمع عليها من وجوب مودتهم ومحبتهم واحترام دمائهم وأموالهم وأعراضهم، كما قد وقع ذلك من الدولتين الأمويين والعباسيين وسائر من نازعهم عليهم السلام في الأمر، حتى قتلوا تحت كل حجر ومدر، واستبيحت أموالهم وأعراضهم، واستخف بحق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم.(1/1483)


بخلاف ما ذهب إليه الأئمة عليهم السلام وأتباعهم الكرام من تقديم الوصي، وحصر الإمامة في أولاده الحسنين وذريتهما إلى يوم الدين، فهو لا يعود على تلك الجملة المجمع عليها بنقض ولا تفسيد، بل هو مؤيد لها أي تأييد.(1/1484)


الجملة الرابعة: تتعلق بالوعد والوعيد، والشفاعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمنزلة بين المنزلتين
أجمعت الأمة على أن الفاسق عدوٌ لله تعالى وعدوٌ لرسوله وعدوٌ للمؤمنين، وأنه لا تجوز محبته ولا تعظيمه، بل تجب معاداته والبراءة منه، وأنه يجب نهيه عن الفسق وأمره بالمعروف، وأذاه وزجره حتى يصلح، وأن أعداء الله ورسوله والمؤمنين مصيرهم النار وبئس القرار.
ثم اختلفوا بعد ذلك، فذهبت المرجئة إلى أنه سيصير إلى الجنة وينعم ويخلد فيها، على خلاف بينهم هل بعد دخوله النار أم لا، وأنه مؤمن ولا يجوز أمره ونهيه إلا بالقول دون الضرب والقتال حتى يصلح، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سيشفع له حتى يدخل الجنة وإن لم يتب.
وذهب الأئمة عليهم السلام وأتباعهم الكرام إلى العكس من ذلك كله.
فينظر أي المذهبين أقرب إلى موافقة الجملة المجمع عليها، ولا شك أن قول المرجئة هو الأبعد عن محل الوفاق، وأن قول الأئمة هو الأقرب إلى موضع الاتفاق، لأن قول المرجئة ينقض الأصل المجمع عليه وهو أن الفاسق عدو لله وأن أعداء الله في النار حيث قالوا: إنه مؤمن وأنه في الجنة، وينقض الأصل المجمع عليه من وجوب معاداته والبراءة منه، لأن المؤمن تجب محبته وموالاته، وكذلك ينقض الأصل المجمع عليه أنه يجب نهيه وزجره وكفه عن الفسق حتى يصلح، لأنه إذا لم يجب ذلك أدى إلى أن لا يزجر ولا يكف عن الفسق إذا لم يؤثر فيه القول، ويؤدي إلى جواز تعطيل الحدود والتعزيرات، إذ لا يجب الأمر والنهي إلا بالقول، وكذلك يؤدي إلى نقض الأصل المجمع عليه من أنه فاسق لأنه إذا كان مؤمناً ومصيره الجنة خرج عن كونه فاسقاً، وهذا خلف، وكذلك يؤدي إلى نقض الأصل المجمع عليه حيث قالوا: إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يشفع له فينقض كونه عدواً لله ولرسوله ولسائر المؤمنين، فتأمل ذلك موفقاً إن شاء الله تعالى.(1/1485)

297 / 311
ع
En
A+
A-