الجملة الأولى: تتعلق بالتوحيد
الجملة الأولى: تتعلق بالتوحيد:
أجمعت الأمة على أن الله تعالى قديم لا إله غيره، وأنه لا يشبه الأشياء ولا تشبهه، وأنه غني عن كل ما سواه، وأنه واحد غير متعدد في ذاته، ولا مركب من ماهيات متعددة، قادر عالم حي سميع بصير، لا يخرج عن ذلك بحال من الأحوال، دائم أبداً لا يحول ولا يزول، وأن القرآن من عند الله، وأن كل ما سواه تعالى محدَث.
ثم اختلفت بعد ذلك فذهبت المجسمة إلى أنه تعالى جسم ذو أعضاء وجوارح، وأنه يُرى في الدنيا والآخرة.
وذهبت الأشعرية إلى أنه يُرى في الآخرة.
وكذلك ذهبت هاتان الفرقتان وغيرهما كالكلابية والنجارية إلى إثبات ثمانية معاني قديمة هي: القدرة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام والإرادة والكراهة، وجعلوها مشاركة للباري تعالى في الأزل وفي الأبد.
وذهب أهل البيت عليهم السلام ومن وافقهم من الزيدية والمعتزلة وغيرهم إلى نفي هذه المعاني ونزهوا الله عنها، وأثبتوا له تعالى نتائجها في الشاهد، وهو أنه تعالى يصح منه الفعل لذاته لا لأجل قدرة قامت به، ولا يخفى عليه شيء لذاته لا لأجل علم قام به، وحي بذاته لا لأجل حياة قامت به، وأنه يعلم المسموعات والمبصرات وجميع المدركات بذاته لا لأجل سمع وبصر قام به، ويريد الحسن ويكره القبيح لا لأجل إرادة وكراهة قائمتين به سبحانه وتعالى، وأنه أوجد القرآن وأحدثه من دون أن يكون معنى قائماً بذاته، بل هو فعل من جملة أفعاله تعالى، وكذلك سائر الكتب المنزلة والكلام القدسي.(1/1476)


فينظر أي المذاهب المذكورة أقرب إلى الجملة المجمع عليها، ولا شك أنه ليس في كلام الأئمة ومن وافقهم ما ينقض شيئاً من تلك الجملة المتقررة بالاتفاق، لأن خلاصة كلامهم عليهم السلام نفي قديم سوى الله تعالى، فيوافق أن لا إله إلا هو، وأنه غير محتاج إلى هذه المعاني، فيوافق أنه غني عن كل ما سواه، وتنزيههم له عن أن تحله المعاني موافق أنه واحد في ذاته، وأنه غير مركب من ماهيات مختلفة، وقولهم بحدوث القرآن موافق أنه من عند الله تعالى، لأن القديم ليس من عند أحد، وموافق لما هو المجمع عليه من أن كل شيء سوى الله تعالى مُحدَث، بخلاف قول المخالفين اذذلمذكورين فقد نقض كثيراً من تلك الجملة المجمع عليها.
فقول المجسمة: أنه تعالى جسم ذو أعضاء وجوارح، ينقض الأصل المجمع عليه من أنه تعالى قديم، لأن كل جسم محدث محتاج إلى فاعل يجعله على تلك الجوارح والأعضاء إن كان ذا جوارح وأعضاء، وإن لم يكن كذلك فلا أقل من أن يحتاج إلى فاعل يفعله ومؤلف يؤلف ما اجتمع منه ويفرق ما افترق، وكل جسم محدَث، فينتقض الأصل المجمع عليه من أنه تعالى لا يشبه الأشياء ولا تشبهه، إذ قد صار جسماً مثلها مؤلفاً من جوارح وأعضاءٍ مخصوصة، تعالى الله عن ذلك.
وكذلك قولهم هم والأشعرية بالرؤية، يستلزم الحدوث والهيئة واللون والجهة، إذ لا تعقل الرؤية فيما لم يكن كذلك، فينتقض الأصل المجمع عليه من أن الله تعالى غير محدث وأنه لا يشبه الأشياء ولا تشبهه.
وكذلك قولهم بالمعاني القديمة، ينتقض الأصل المجمع عليه من أنه لا إله إلا هو، إذ لو كان ثمة قديم سواه لكان إلهاً آخراً، وينتقض الأصل المجمع عليه من أنه تعالى غني عن كل ما سواه، لأن عندهم لولا هذه المعاني لما كان قادراً عالماً حياً، فيكون تعالى محتاجاً إليها أشد الاحتياج.(1/1477)


وقولهم بقدم القرآن وسائر المعاني المذكورة، ينقض الأصل المجمع عليه أن كل ما سوى الله تعالى محدث، وينقض الأصل المجمع عليه أن القرآن من عند الله، لأن القديم غني عن غيره في وجوده بذاته، فلا يكون من عند غيره.
وقولهم بإثبات هذه المعاني له تعالى وقيامها به، يستلزم صحة أن يخرج عن كونه تعالى قادراً عالماً حياً، لأن كل معنى قائم بغيره يصح عقلاً مفارقته وعدمه عما قام به فتأمل.(1/1478)


الجملة الثانية: تتعلق بالعدل
الجملة الثانية: تتعلق بعلم العدل:
أجمعت الأمة على أن الله تعالى عدل حكيم، وأنه لا يفعل القبيح من الظلم والكذب والعبث والسفه، وأنه لا يرضى لعباده الكفر ولا يريده، وأن كلما فعله تعالى فهو حق لا باطل فيه، ثم اختلفت بعد ذلك.
فذهبت الأشعرية وسائر المجبرة كالجهمية والكلابية والنجارية إلى: أنه تعالى خلق أفعال العباد، وأرادها منهم طاعاتها ومعاصيها، وإيمانها وكفرها، وإحسانها وظلمها، وبرها وفجورها.
وذهبت الأئمة عليهم السلام ومن وافقهم إلى أنه لم يخلقها ولم يرد قبيحها ولم يحدثها، وإنما هي بفعلهم وإيجادهم وإرادتهم، وأن الله تعالى يكره المعاصي منهم ولا يريدها، وأن أفعاله تعالى كلها لا تخلوا عن الحكمة والمصلحة للخلق والصواب.(1/1479)


فينظر أي المذهبين أقرب إلى موافقة الجملة المجمع عليها، ولا شك أن مذهب الأشعرية وسائر المجبرة قد هدم تلك الجملة ونقضها بأسرها، لأن قولهم: إنه تعالى خلق أفعال العباد وأرادها مع ما فيها من الظلم والكذب والعبث والسفه والكفر والفسق والعصيان، ينقض كونه تعالى عدلاً حكيماً، لأن العدل الحكيم لا يفعل شيئاً من ذلك، ولهذا لا يعود الجرح لعدالة أحد والحكم بعدمها، إلا إلى فعل شيء مما ذكر، فكيف باجتماع الجميع في فاعل واحد، وكذلك ينقض الأصل المجمع عليه من أنه تعالى لا يفعل القبيح، لأنه إذا خلق هذه الأشياء المذكورة فأي قبيح تركه حتى يقال لا يفعل القبيح، وكذلك ينقض الأصل المجمع عليه وهو أنه تعالى لا يرضى لعباده الكفر، لأنه إذا أراد أفعال العباد وفيها ما هو كفر فقد رضيه، لأن كل من أراد شيئاً فهو راض به، وكذلك ينقض الأصل المجمع عليه من أن كل ما فعله تعالى فهو حق لا باطل فيه، لأنه إذا خلق أفعال العباد وأرادها منهم مع أنها مشتملة على جميع ما ذكر من الظلم والكذب والعبث والسفه والكفر والفسق والعصيان، فقد فعل كل باطل، وكذلك قول من نفى الحكمة منهم ينقض الأصل المجمع عليه من أنه تعالى عدل حكيم، بخلاف مذهب الأئمة عليهم السلام ومن وافقهم في أنه تعالى لا يخلق أفعال العباد ولا يريدها، فلا يعود على كل أصل مما ذكر في تلك الجملة المذكورة إلا بالتقوية والتأييد دون المناقضة والتفسيد.
وأيضاً أجمع المسلمون على أنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، وأنه فاعل الخير وبيده الخير ومنه الخير والإحسان، ثم قالت الأشعرية ومن وافقهم في خلق الأفعال: أنه يصح أن يخلق في العباد الكفر ونحوه، ويعذبهم عليه أبد الآبدين ودهر الداهرين، فأين الرحمة والإكرام ؟ وأين الخير منه والإحسان ؟ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.(1/1480)

296 / 311
ع
En
A+
A-