الزامات: من جهة العقل في مسألة الشفاعة
يزيده وضوحاً من جهة العقل أن يقال لهم: أليس الفاسق عدواً لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم يجب معاداته وبغضه والبراءة منه ؟ فلا بد أن يقولوا: نعم، فيقال: لو شفع له النبي صلى الله عليه وآله وسلم لكان محباً له موالياً له مخلاً بعاداته، فبعداً له من مذهب يلزم منه سب النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ويقال: انعقد الإجماع من الأمة على حسن الدعاء بأن الله تعالى يجعلنا من أهل الشفاعة، فإذا كان أهلها هم الفساق والبغاة والظلمة، كان المعنى: اللهم اجعلنا من الفساق والبغاة والظلمة، فلا محيص من ذلك إلا بالقول بأن أهل الشفاعة هم المؤمنون دون غيرهم وهم الفساقون.
ويقال أيضاً: ما تقولون في رجل حلف ليفعلن ما يوجب له الشفاعة، أيؤمر بالبر والإحسان ؟ وافقتم قرناء القرآن. أم بالفجور والطغيان ؟ خالفتم أوامر الرحمن، وتابعتم أوامر الشيطان.
قالوا: الشفاعة لا تستعمل إلا في دفع الضرر، ولا تستعمل في جلب النفع.
قلنا: بل هي في أصل اللغة تستعمل في الطرفين، لكن السمع ورد في منعها عن الفساق، وقصرها على المؤمنين زيادة في إكرامهم وإعظامهم، ولمن استوت حسناتهم وسيئاتهم تفضلاً عليهم ورحمة بهم، لأنهم لما لم يكونوا فساقاً لم يكن مانع من الشفاعة لهم، ومما يدل على أن الشفاعة تستعمل في جلب النفع قول الشاعر:
إلى ماله لم تَأْتِهِ بشفيعِ

فذاك فتىً إن جِئْتَهُ لِصَنيعةٍ

وقول الآخر:
وكان فتىً يؤُوي ويُكرم زائرَه
عن البخل ناهيه وبالجود آمره

أتينا سليمانَ الأميرَ نزوره
كلاً شافعي زواره من ضُمَيره(1/1471)


[ وتم بذلك ما أردنا ذكره للمسترشدين، تعرضاً منا لثواب رب العالمين، ] وإنما خص المسترشدين بالذكر وإن كان الخطاب والاحتجاج موجه إلى الجميع، لأن المسترشدين هم الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، فينتفعون به ويسترشدون بإرشاده، كما قال تعالى في وصف كتابه الكريم: ?هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ?{البقرة:2}، فإنه وإن كان هدىً للجميع من المتقين والمجرمين، لكن لما كان المجرمون لا يصغون إليه ولا ينتفعون به ولا يهتدون بهديه نزلوا منزلة من لا يهتدي به أصلاً مع أنهم لو اهتدوا به لهدوا، فخص المتقين بالذكر لأنهم هم الذين ينتفعون به ويهتدون بهديه، ومثله قوله تعالى: ?وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ?{الحاقة:48}، مع أنه تذكرة للجميع.
[ والحمد لله وحده وصلاته وسلامه على محمد وآله الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين. ] يصح فيه الوجهان: بالجيم من النجابة: وهي الحسن، وبالخاء من الانتخاب: وهو انتقاد الطيب من الخبيث، والصفة يحتمل أنها كاشفة إن أريد بالصاحب المصطلح عليه عند أئمتنا عليهم السلام ومن وافقهم من العلماء الأعلام، وهو من طالت مجالسته للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ومات متبعاً له من دون تغيير أو تبديل أو عصيان، ويحتمل أنها للاحتراس والاحتراز عن أهل البدع والعصاة عهده وبعده صلى الله عليه وآله وسلم، إن أريد بالصاحب لغة: وهو من صحب الإنسان في سفر أو نحوه، وإن لم يطعه فيما أمر ونهى، وعلى كلا الوجهين فليس من ابتدع من الصحابة وعصى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم داخلاً في الصلاة والترحم والتسليم، لخروجه بذلك عن ولاية الله سبحانه لقوله تعالى: ?لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ?{المجادلة:22}، وهذا واضح ولله الحمد.(1/1472)


بيان اختلاف الفرق وبيان الفرقة الناجية
جرت عادة كثير من المؤلفين في علم العقائد أن يذكروا اختلاف الفرق وبيان الفرقة الناجية، وقد ورد في الحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم: " افترقت أمة أخي موسى إلى إحدى وسبعين فرقة، كلها هالكة إلا فرقة، وافترقت أمة أخي عيسى إلى اثنتين وسبعين فرقة، كلها هالكة إلا فرقة، وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها هالكة إلا فرقة واحدة "، قال الإمام يحيى عليه السلام : وتلقته الأمة بالقبول، ذكره عنه الإمام المهدي عليه السلام ، قال:وجدير بمن قرع سمعه هذا الحديث أن يفزع رعباً وخوفاً، ويتضرع إلى الله سبحانه أن يوفقه لمعرفة الفرقة الناجية ومتابعتها، أو كما قال.
قلت: وقد نازع قوم في صحة هذا الحديث، وعارضوه برواية: كلها ناجية إلا فرقة، كالجلال وغيره، فدعوى تلقي الأمة له بالقبول إن صحت فإنما هي على الجملة، وقد نقل الإمام القاسم عليه السلام في مقدمة الاعتصام كثيراً من روايته وطرقه بألفاظ مختلفة متحدة المعنى على: كلها هالكة إلا فرقة، وفي بعضها: كلها في النار إلا فرقة في الجنة، أو كما قال فليطالع، وقال الإمام عز الدين بن الحسن عليهما السلام في المعراج شرح منهاج القرشي رحمه الله تعالى بعد أن عدد الفرق حتى أنهاها إلى الثلاث والسبعين على حسب ما ذكرها الإمام المهدي عليه السلام في المنية والأمل شرح الملل والنحل، فقال الإمام الحسن بن عز الدين عليهما السلام ما معناه: أنه لا يعلم تعيين الفرق، وما أراده الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بتعدادها وبلوغها إلى الثلاث والسبعين الفرقة فالله أعلم ما المراد بالحديث.(1/1473)


قلت: وفي الحقيقة أن الواجب على المكلف النظر لنفسه قبل حلول رمسه، والتأمل في أحسن الأقوال وأثبتها، وأقربها إلى محلات الاتفاقات والاجماعات بين الأمة، وأحوطها وأقربها إلى السلامة، سواء قدرنا صحة الحديث وتعيين الفرق كما قد ذكره بعض أئمتنا عليهم السلام وغيرهم أم لا، إذ أقل أحوال الحديث التجويز للصحة والخوف من الدخول في الفرق الهُلاّك، لأنه لا خلاف بين العقلاء أن التجويز والخوف من موجبات النظر والتثبت والتحرز عن الوقوع في الهلاك، وقد قال تعالى: ?فَبَشِّرْ عِبَادِ o الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الألْبَابِ?{الزمر:17،18}، فيجب على العاقل أن ينظر لنفسه طريقة السلامة، ويتبعها ويتجنب مظنات الهلكة والخطر ويباينها، ثم لا يُهَلِّك فرقة معينة من فرق الإسلام لئلا يأتي يوم القيامة ولديه لأحد مظلمة، أو يحتاج في ذلك إلى موقف مخاصمة.
وحينئذٍ فنقول وبالله التوفيق والهداية إلى خير طريق:
لا شك أن آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم فرقة ناجية هادية لها إلى الحق وإلى الصراط المستقيم، وللتابع حكم المتبوع لقوله تعالى: ?فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي?{إبراهيم:36}، فمن تابع آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلا شك في نجاته، ومن خالفهم فلا شك في هلاكه، لكن لا قطع في فرقة معينة أنها في الفرق الهُلاَّك لاحتمال زيادة حسناتها على سيئاتها، فتكون مخالفة حينئذٍ لآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جهة، وموافقة من جهة وهي زيادة الحسنات على السيئات، فلا ينتج القطع بتهليك فرقة أو إنسان معين ما لم يعلم موته مُصراً على قتالهم والبغي عليهم.
لا يقال: هذا بناء على القول بالموازنة ولا يسلم صحتها.
لأنا نقول: وإن لم يسلم صحتها، فأقل أحوالها احتمال الصحة، فلا ينتج القطع مع الاحتمال.(1/1474)


وإنما قلنا: لا شك أن آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم فرقة ناجية هادية الخ، لدليلين: أحدهما من جهة العقل، والآخر من جهة النقل:
أما العقل: فلأنهم أخذوا في أصول دينهم بما هو موافق للأصول المجمع عليها بين الأمة، وما يعود عليها بالتقوية والتأييد دون ما يعود عليها بالمناقضة والتفسيد، ولا شك أن ما عاد على الأصل المجمع عليه بالتقوية والتأييد فهو الحق الذي يجب التمسك به، وما عاد عليها بالمناقضة والتفسيد فهو الباطل الذي يجب اجتنابه.
ولنبين ذلك في أربع جمل تتعلق بعلم العقائد، إذ كان هو العلم الذي لا تتم النجاة إلا بمعرفة الحق فيه، وهو الذي يكون من سائر العلوم بمنزلة الروح من الجسد، وما مثل سائر العلوم وإن دققت أو حققت مع فقده إلا كالجسد بلا روح فنقول:(1/1475)

295 / 311
ع
En
A+
A-