أدلة ثبوت الشفاعة لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم
ثم أخذ عليه السلام في الاستدلال على ثبوت الشفاعة من أصلها بقوله: [ وإنما قلنا: إنه لا بد من ثبوتها لقوله تعالى: ?عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ?{الإسراء:79} قيل: ] المراد بذلك [ الشفاعة، ] لأحاديث وردت بذلك منها ما أخرجه سعيد بن منصور والبخاري وابن جرير وابن مردويه عن ابن عمر قال: " إن الناس يصيرون يوم القيامة حثاً كل أمة تتبع نبيها، يقولون فلان اشفع لنا، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود ".
وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: ?عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ?{الإسراء:79}، وسئل عنه فقال: " هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي ".
وأخرج ابن جرير والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " المقام المحمود الشفاعة ".
وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ?عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ? قال: " مقام الشفاعة ".
وأخرج ابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال: سئِل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن المقام المحمود فقال: " هو الشفاعة ".
وقد ذكر السيوطي من ذلك في الدر المنثور أحاديث كثيرة.(1/1466)


وقوله تعالى: ?وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى?{الضحى:5}، وردت أحاديث أنه يقال له صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة: " سل تعطَ، واشفع تشفع "، والأحاديث الدالة على ثبوت الشفاعة لمن فعل طاعة مخصوصة، وعلى حرمانها على من فعل معصية مخصوصة، كل ذلك يدل على ثبوت الشفاعة من حيث هي، وهو إجماع الأمة على ثبوتها على الجملة، فلا يلتفت إلى ما يحكى عن المطرفية لحدوث مذهبهم بعد إجماع الأمة على ثبوت الشفاعة قبلهم وبعدهم، [ وقال صلى الله عليه وآله وسلم: " من كذب بالشفاعة لم ينلها يوم القيامة ] أخرجه(1/1467)


الشفاعة لا تكون لأهل الكبائر
ثم أخذ عليه السلام في الاستدلال على أن الشفاعة لا تكون لأهل الكبائر بقوله: [ وأما أنها تكون لمن ذكرنا، ] وهم المؤمنون ومن استوت حسناته وسيئاته دون أهل الكبائر،[ فلقوله تعالى: ?مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ? ]{غافر:18}، والحميم: هو الصديق المشفق، فنفى سبحانه أن يكون للظالمين شفيع يجاب إلى شفاعته، والظالمون: جمع معرف بالألف واللام، فيعم كل ظالم فيدخل فيه أهل الكبائر من هذه الأمة، وشفيع: نكرة في سياق النفي، فيعم كل شفيع فتنتفي الشفاعة عن كل شافع لكل ظالم، وما قيل من أن الطاعة تقتضي الرتبة: فالمعنى ما للظالمين من شفيع له رتبة عَليَّة على المشفوع إليه، وهو مسلم مردود بأن هذا لا معنى له، إذ ذلك معلوم عقلاً، ولأنا لا نسلم أن الطاعة تقتضي الرتبة دائماً أينما وردت، بل قد تجيء في مواضع بلا رتبة، كما قاله العباس لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن ربك ليطيعك، فقال: " يا عم وأنت لو أنت أطعته لأطاعك "، فالمعنى يستجيب لك، فيكون معنى الآية: ولا شفيع يجاب إلى شفاعته.(1/1468)


الأدلة أن الشفاعة لا تكون لأهل الكبائر من الكتاب والسنة
وقد استدل بعض أصحابنا على ذلك بقوله تعالى: ?مَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ?{يونس:27}، ?مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ?{آل عمران:192}، وقوله تعالى: ?أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ?{الزمر:19}، وقوله تعالى: ?وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ?{البقرة:123}، وفي الاستدلال بذلك نظر، إذ العاصم والناصر: المانع على جهة القهر، وكذلك المنقذ، والآية الأخيرة واردة على الجميع، بل ورودها على من جعل الشفاعة لمجرد النفع فقط أظهر، فظاهرها متروك ومؤوَّل بالاتفاق، وأقوى ما يحتج به بعد الآية المذكورة في المختصر: قوله تعالى في الملائكة: ?وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنْ ارْتَضَى?{الأنبياء:28}، وقوله تعالى: ?وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ?{غافر:7}الآيات، وقد ثبت أنهم أفضل من الأنبياء عليهم السلام، فاقتضت الآية الأولى نفي شفاعتهم عن أهل الكبائر لأنهم ليس ممن ارتضاهم الله تعالى، واقتضت الآية الثانية ثبوت الشفاعة للمؤمنين فقط، وإذا كان كذلك في حق الملائكة فهو في حق الأنبياء كذلك، إذ لا دلالة على ثبوت الشفاعة من أصلها في حق الأنبياء عليهم السلام أظهر وأقوى من دلالة ثبوتها في حق الملائكة عليهم السلام، لثبوتها بصريح الآيات المذكورة، وبقوله تعالى:?وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ?{الشورى:5}، وهذا العام المطلق مخصص ومقيد بما ذكر في الآيات المذكورة، بخلاف شفاعة الأنبياء عليهم السلام فلا تصريح بها في الكتاب، وإن كانت مجمعاً عليها بين الأمة.(1/1469)


قال عليه السلام : [ ولقوله تعالى: ?وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ? ]، فنفى أن يكون للظالمين ناصر، فلو شفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأهل الكبائر لكان ناصراً لهم، وقد رأيت أن هذه الآية ونحوها من قوله تعالى: ?مَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ?، لا دلالة فيها والله أعلم.
[ و ] مما يدل على ذلك من السنة أحاديث كثيرة، قد ذكرنا منها شطراً واسعاً في مسألة الإرجاء، فلا حاجة إلى إعادته، فليراجعه من أراد، ومنها: [ قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " ليست شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" ] وقد تقدم الكلام على هذا الحديث وأنه رواه الحسن البصري، وهو ممن لا يختلف في توثيقه وضبطه، وكذلك تقدم الكلام على ما يحتج به المخالف أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم: " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي "، من أن في رواية الحسن زيادة، والزيادة من العدل مقبولة، وأن ما احتج به المخالف مطلق يمكن تقييده بالتوبة ونحو ذلك، كما مر الكلام عليه في مسألة الإرجاء.
[ وقوله تعالى: ?وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنْ ارْتَضَى ] وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ?{الأنبياء:28}، كما سبق تحقيق الاستدلال بها، [ وكل ذلك يدل على ما قلنا ] من أنه لا شفاعة لأهل الكبائر، بل هم من أهل النار مخلدون فيها، كما تقدم تقرير ذلك في مسألة الإرجاء.(1/1470)

294 / 311
ع
En
A+
A-