وإذ تعارضت الأدلة فاللازم فيما المطلوب فيه الاعتقاد فقط هو الوقف، إلا أن القول الأول يرجح على ما عداه من حيث أن فيه حمل اللفظ على حقيقته وهو الطريق، فيكون المراد من الصراط في الآخرة طريق أهل الجنة إلى الجنة، وطريق أهل النار إلى النار، وهذا لا يمكن إنكاره لأن غاية ما في غيره الزيادة عليه فليتأمل، ويجب الإيمان بالصراط والمرور عليه على الجملة، ولا مانع من أي الثلاثة الأقوال والله أعلم بالحقيقة.(1/1461)


فصل في الكلام في شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم
الشفاعة مأخوذة من الشفع وهو نقيض الوتر، ومنه قوله تعالى: ?وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ o وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ?{الفجر:3،4}.
وفي عرف اللغة: هي ضم الشيء إلى غيره، ومنه ثبوت الشفعة الشرعية للشريك والجار فيما باعه شريكه أو جاره لما كان أحق بضم المال المبتاع إلى ماله.
وفي الاصطلاح: طلب نفع للغير أو دفع ضرر عنه ممن هو أعلى رتبة، فيخرج الطلب ممن هو أدنى فليس بشفاعة بل أمر، ويخرج الطلب للنفس فليس بشفاعة بل دعاء.
قال عليه السلام : [ فإن قيل فما تقول في الشفاعة ؟ ]، والكلام عليها في طرفين: أحدهما: أنها ثابتة في الآخرة لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم بلا ريب، وعلى ذلك إجماع الأمة إلا ما يروى عن المطرفية. ثانيهما: في بيان من ينالها ومن يستحقها من أمته صلى الله عليه وآله وسلم.(1/1462)


ثبوت الشفاعة لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم
أما الطرف الأول: فقد أشار إليه عليه السلام بقوله: [ فقل: أدين الله بثبوتها يوم الدين، ] وهو يوم القيامة، سمي يوم الدين لأن فيه يدان الخلق أي يجازون بأعمالهم، ونقل عن المطرفية أنه لا ثبوت لها واحتجاجهم لذلك بأنه صلى الله عليه وآله وسلم إن شفع في واجب فالله يفعله من دون شفاعة، وإن شفع في غير واجب فإن كان دفع عقاب فلا يجوز، وإن كان تفضلاً فإن تفضل الله به فعله بلا شفاعة، وإن لم فلا ثمرة لها، فلزم أن لا ثبوت لها.
والجواب عن ذلك: عدم تسليم الحصر فيما ذكروه لأن النفع أعم مما ذكر إذ يتناول المستحق الواجب والزيادة عليه، فما المانع من أن الشفاعة لطلب الزيادة، وما ذكروه في التفضل مردود بأنه لا يمتنع أنه لا يفعله تعالى إلا بواسطة الشفاعة، وكذلك الواجب لا يمتنع أن للشفاعة تأثيراً في تعجيله وتوفيره وعدم حط شيء منه في ارتكاب الصغائر، وكذلك دفع العقاب يمكن دخول الشفاعة في بعض صوره لأن العقاب على أضرب: إما إحباط ثواب الطاعات بارتكاب الكبائر ثم يتوب عنها أو بتنقيص أجر التوبة أو الطاعات لما يصحبها من الصغائر، أو تزيد سيئات المكلف على حسناته بيسير لا يستحق معه دخول النار، كما روي أن أقل إثم نعل من نار أو شراك من نار، أو يكون العقاب بدخول النار مؤبداً، فهذه الأربع الصور هي صور عقاب الآخرة، فالثلاث الصور الأُول لا يمتنع فيها الشفاعة لأن صاحبها لم يبلغ حد الفسق وعداوة الله تعالى، والرابعة فيها الخلاف بين أهل الإرجاء وغيرهم، فيعلم بهذا بطلان ما عولوا عليه من الحصر، ويبطل به استدلالهم على عدم ثبوت الشفاعة من حيث هي، وتبقى أدلة ثبوت الشفاعة على أصلها من دون قادح.(1/1463)


بيان من ينال الشفاعة من أمته صلى الله عليه وآله وسلم
وأما الطرف الثاني: فقد أشار إليه عليه السلام بقوله: [ وإنما تكون خاصة للمؤمنين دون من مات مُصِرَّاً من المجرمين على الكبائر، ] وهم أهل الفسق، وهذا مذهب أئمة أهل البيت عليهم السلام ومن وافقهم من الشيعة الأعلام وجمهور المعتزلة، وذهبت المرجئة من الحشوية والأشعرية وسائر المجبرة وبعض المحدثين وبعض المعتزلة إلى أنها لأهل الكبائر على خلاف بينهم، هل ثمرتها عدم دخول النار، أم الخروج منها بعد الدخول ؟ قالوا: إذ لا ثمرة في الشفاعة لمن سيدخل الجنة.
وجوابه: ما ذكره عليه السلام بقوله: [ ليزيدهم الله نعيماً إلى نعيمهم، وسروراً إلى سرورهم، ] وهذا لا شك أنه مطلب عظيم تحسن الشفاعة في تحصيله، فبطل قولهم: لا ثمرة في الشفاعة لمن سيدخل الجنة، [ و ] أيضاً فقد ذكر أنه لا يمتنع أن تستوي حسنات المكلف وسيئاته عند البعض، وإذا كان كذلك صحت الشفاعة [ لمن ورد العرصة ] أي عرصة المحشر، وفي بعض النسخ الأرضة، [ وقد استوت حسناته وسيئاته، فيشفع له النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ] فيدخل الجنة ويكون من أهلها بشفاعته صلى الله عليه وآله وسلم وهذا حسن لا شك فيه، إذ قد صار حال من استوت حسناته وسيئاته وتساقطا كمن استوى دينه وحاله، فصار مستحقاً للصدقة والتفضل عليه، فبطل قولهم: لا ثمرة للشفاعة لغير أهل الكبائر.
وأما قوله عليه السلام : [ ليرقى درجة أعلى من درجة غير المكلفين من الصبيان والمجانين، ] فلم يظهر لي وجهه لأن فيه نظر من وجهين:(1/1464)


أحدهما: أنه قد ثبت أن الصبيان والمجانين في الجنة، وأن لهم الأعواض الجزيلة على آلامهم وأمراضهم وألم الموت، بل للمجنون من الأعواض على سلبه العقل وفوات النفع به وبالتكليف الذي هو لازمه من العوض ما لا يقدر قدره، ومن استوت حسناته وسيئاته فدخل إحباط أعواضه في مقابل ارتكاب السيئات حتى صار حاله عند ورد العرصة كحال المفلس فلا يستحق جنة ولا نار، فالشفاعة في حقه إنما هي ليدخل الجنة لا ليرقى درجة فوق درجة الصبيان والمجانين مما يحتاج إلى دليل، فإن ورد في السمع ما يدل عليه فهو المقدم، وإلا فالدلالة العقلية تقتضي العكس، لأن من استوت حسناته وسيئاته مع كون أعواضه قد أحبطت، وأعواض الصبيان والمجانين لا محبط لها يستوجب أن تكون درجة الصبيان والمجانين فوق درجة من استوت حسناته وسيئاته، ولأن الجميع والله أعلم يصيرون في الجنة أبناء ثلاثاً وثلاثين سنة كاملي العقول، فأقل أحوال الصبيان والمجانين أن يصيروا هم ومن استوت حسناته وسيئاته في درجة واحدة إن لم يفضلوا عليه بما لهم من الأعواض التي لا محبط لها والله أعلم.(1/1465)

293 / 311
ع
En
A+
A-