قال المحب الطبري رحمه الله تعالى: ذكر اختصاصه عليه السلام بحمل لواء الحمد والوقوف تحت العرش بين إبراهيم والنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه يكسى إذا كسي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، عن محدوج الهذلي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي: " أما علمت يا علي أن أول من يدعا يوم القيامة بي، فأقوم على يمين العرش في ظله فأكسى حلة خضراء من حلل الجنة، ألا وإني أخبرك يا علي أن أمتي أول الأمم يحشرون يوم القيامة، ثم أبشرك أنك أول من يدعا بك لقرابتك مني، ومِيْزَتُك عندي، فيدفع إليك لوائي وهو لواء الحمد، تسير به بين السماطين آدم وجميع خلق الله مستظلون بظل لوائي يوم القيامة، فتسير باللواء الحسن عن يمينك والحسين عن يسارك حتى تقف بيني وبين إبراهيم في ظل العرش، ثم تكسى حلة من الجنة، ثم ينادي منادٍ من تحت العرش: نعم الأب أبوك إبراهيم، ونعم الأخ أخوك علي، أبشر يا علي أنك تكسى إذا كسيت، وتدعا إذا دعيت، وتحيى إذا حييت "، أخرجه أحمد في المناقب، السماطان من الناس والنخل: الجانبان، يقال: مشى بين السماطين، وقوله: وميزتك، لعله ومنزلتك فغلط الناسخ، وإن صح فالمعنى ولتميزك عندي عن الناس، من: مِزت الشيء أميزه إذا عزلته وأفردته وكذلك ميزته وانماز، ثم قال: وأخرج ابن المغازلي في كتاب المناقب من حديث يزيد الباهلي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آخى بين المسلمين الحديث السابق، إلى أن ذكر قول المنصور بالله عليه السلام :
أَخَفُّ من مَعْضَدَةِ المُخْتَلي
ومن لواءُ الحمدِ في كَفِّهِ(1/1456)
وقال المختلي: بالخاء المعجمة من اختلى الشجرة قطعها، والمعضدة الآلة التي يعضد بها الشجر أي يقطع. وذكر الفقيه العلامة حميد بن أحمد رحمه الله تعالى في شرح البيت بإسناده إلى الإمام علي بن موسى الرضا عليهما السلام بإسناده إلى أمير المؤمنين كرم الله وجهه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " ليس في القيامة راكب غيرنا ونحن أربعة، فقام إليه رجل من الأنصار فقال: فداك أبي وأمي أنت ومَن يا رسول الله ؟ قال: أنا على دابة الله البراق، وأخي صالح على ناقة الله التي عقرت، وعمي حمزة على ناقتي العضباء، وأخي علي بن أبي طالب على ناقة من نوق الجنة، بيده لواء الحمد، واقف بين يدي العرش، ينادي: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فيقول الآدميون: ما هذا إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو حامل عرش رب العالمين، قال: فيجيبهم ملك من تحت بطنان العرش: معاشر الآدميين ما هذا ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً ولا حامل العرش، هذا الصديق الأكبر، هذا علي بن أبي طالب ".
تأتِ فيما قُلْتَه شيئاً فَرِّيا
في العلا فاعدده زُؤْياً أشْعَبِيّا
قُل مِنَ المدح ما شئتَ فلمْ
كلُّ مَن رامَ يداني شَأْوَه(1/1457)
هذا كالفذلكة لما تقدم من فضائله، كأنه قال: إذا عرفت أنه أحرز كل كمال وبَذَّ في كل فضيلة كَمَلَة الرجال، فقل بما شئت في مدحه كأن تمدحه بالعبادة فإنه بلغ رتبتها العلية، وبالشجاعة فإنه أنس بمن سبقه من أبطال البرية، وبالزهادة فإنه إمامها الذي به يقتدى، وبالجود فإنه الذي إليه فيه المنتهى، وبالجملة فلا فضيلة إلا وهو حامل لوائها ومقدام أمرائها، فقل في صفاته ما انطلق به اللسان فلن يعيبك في ذلك إنسان، وفي هذا إشارة إلى عدم انحصار فضائله، وكيف تنحصر وقد قال في التوشيح على الجامع الصحيح: قال أحمد والنسائي وغيرهما: إنه لم يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الجياد أكثر مما جاء في حق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه انتهى بلفظه.
قلت: فهذا كلام إمام بلا ريب أحمد بن حنبل رحمه الله، وكفى به شاهداً، أنه لا يتأتى إحصاء الفضائل لانتشار كتب السنة في الأمصار وعدم وجدان أكثرها في هذه الديار. انتهى المراد نقله لما كان قد وعد به شيخنا الشارح رحمه الله تعالى عند ذكره البيتين السابقين فعاقه عنه الحِمَام.
فائدة: فيمن ردت له الشمس وقد رجعت شمس النهار لخمسة: سلمان، موسى، يوشع، ومحمد شفيع الورى، والخامس المرتضى علي.(1/1458)
الصراط
ومن أحوال الآخرة: الصراط: وهو في أصل اللغة: الطريق، قال تعالى: ?فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ ?{الصافات:23}، وقال الشاعر:
أمير المؤمنين على صراط .... إذا اعوج الموارد مستقيم
واستعير بعد ذلك للدين الحنيف القيم، قال تعالى: ?اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ o صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ?{الفاتحة:6،7}، وقال: ?وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ o صِرَاط اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ?{الشورى:52،53}، وتارة يراد به القرآن قال تعالى: ?وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ?{الأنعام:153}.
واختلف ما المراد في الآخرة على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه طريقان: طريق إلى الجنة وطريق إلى النار، ذكره القرشي في المنهاج ولم ينسبه إلى أحد وقال: قيل هو طريقان الخ، قال وعلى هذا يحمل قوله تعالى: ?احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُون o مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيم? {الصفات:23:22}، وقوله تعالى: ?صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ?.
الثاني: عن الهادي والإمام القاسم بن محمد وشارح الأساس عليهم السلام، واختاره شيخنا رحمه الله تعالى، وهو قول ضرار من المجبرة وعباد من المعتزلة: أنه لا حقيقة له في الآخرة، وإنما المراد به دين الله كما في الدنيا، واحتج له في الأساس وشرحه بآيات وأحاديث مفادها المرور إلى الجنة أو النار من دون أن يمروا بجسر على جهنم، لكنها لا صراحة فيها بنفيه، بل غايتها عدم ذكره بنفي ولا إثبات كما يعلم ذلك من تأملها.(1/1459)
الثالث: حكاه شيخنا رحمه الله تعالى عن زين العابدين والسادة الستة والمنصور بالله والأمير المؤلف والمهدي والمعتزلة: بل هو طريق إلى جهنم للأخبار الكثيرة، قال رحمه الله تعالى: قلنا: يلزم التكليف وقد سقط بالإجماع.
قلت: وعبارة الأساس ومنهاج القرشي جسر على جهنم، وعبارة القلائد: طريق على جهنم، قال في المصباح: الجسر ما يعبر عليه مبنياً كان أو غير مبني، بفتح الجيم وكسرها، والجمع جسور، أيضاً قال: وهو أدق من الشعرة وأحد من السيف، يمر عليه أهل الجنة وأهل النار فيسلم أهل الجنة ويتهافت أهل النار، وأن عليه لكلاليب وحسكاً يقال لها السعدان، وأنه له حصى مزلة، فيمرون عليه كالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل، والرجال فناجٍ مسلم ومكدوش في النار، وقالوا: إن الكافر يمر عليه حتى إذا حاذا منزلته من النار أخذته الكلاليب إلى مكانه.
ولا يخفى أنه ليس في القرآن ما يدل على ذلك، إلا أن أهل هذا القول تأولوا عليه قوله تعالى: ?وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وَارِدُهَا?{مريم:71}، وحملوا الورود على المرور على الجسر الذي هو على جهنم، ذكره في الكشاف عن ابن مسعود والحسن وقتادة.
وأما الأحاديث فمضطربة ومتعارضة، فقد روى الحاكم في السفينة، والعنسي في الإرشاد وغيرهما أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لأمير المؤمنين عليه السلام : " يا علي إن المؤمنين إذا خرجوا من قبورهم استقبلوا بنوقٍ عليها رحائل الذهب، فتطير بهم إلى باب الجنة " الخبر بطوله ذكره في الأساس وشرحه، ونحوه كثير مما يدل بظاهره على عدم مرور على الجسر، والتي فيها ما يدل على المرور عليه مضطربة أيضاً لأن في بعضها ما يقتضي الخوف على المؤمنين نحو ما رووه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " يمد الصراط فيكون أول من يمر به أنا وأمتي، والملائكة بجنبيه أكثرهم يقول: سلم سلم "، وفي بعضها ما يقتضي عدمه كما روي أنهم يمرون كالبرق وكالريح وأجاويد الخيل.(1/1460)