وفي أنوار اليقين ما لفظه: وأما حديث الحوض ففي ذلك ما رويناه عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " إذا كان يوم القيامة أقف على الحوض وأنت يا علي والحسن والحسين تسقون شيعتنا وتطردون أعداءنا "، وروى هنالك إجماع العترة عليهم السلام على أن الحوض لهم - يعني علياً والحسنين عليهم السلام - وأنهم الذين يسقون، وإجماعهم حجة على ما تقدم، واستدل على ذلك بقول الله تعالى: ?إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا o عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا o يُوفُونَ بِالنَّذْرِ?{الإنسان:5،6،7}، فَبَيَّنَ أن الذين يفجرونها ويستخرجونها ويسقون منها هم الذين يوفون بالنذر، قال: لأن هذا كله نزل فيهم عليهم السلام على ما سنبينه إنشاء الله تعالى في سبب نزول: ?هَلْ أَتَى عَلَى الإنسَانِ?{الإنسان:1}، انتهى باختصار.
وفي صواعق ابن حجر الهيثمي ما لفظه: وأخرج الطبراني بسند ضعيف إلى الحسن رضي الله عنه: " لايبغضنا ولا يحسدنا أحد إلا ذيد عن الحوض يوم القيامة بسياط من النار "، وفي رواية له ضعيفة أيضاً من قصة طويلة: أنت الساب علياً لئن وردت عليه الحوض، وما أراك ترده لتجدنه مشمراً حاسراً عن ذراعيه يذود الكفار والمنافقين عن حوض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قول الصادق المصدوق محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وأخرج الطبراني: " يا علي: معك يوم القيامة عصا من عصي الجنة تذود بها المنافقين عن الحوض ".
وأحمد: " أعطيت في علي خمساً هي أحب إلي من الدنيا وما فيها، أما واحدة: فهو بين يدي الله حتى يفرغ من الحساب، وأما الثانية: فلواء الحمد بيده آدم ومن ولد تحته، وأما الثالثة: فواقف على عقر حوضي يسقي من عرف من أمتي " الحديث.
ومرّ خبر أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي: " إن عدوك يردون عليّ الحوض ظماء مقمحين " انتهى من الصواعق بلفظه.(1/1451)
وما ذكره من ضعف الرواية عن الحسن عليه السلام فلعله يشير أن في رجالها من يجرح بالتشيع والله أعلم، وذلك في الحقيقة تزكية مع أن ذلك قد مرّ من رواية الذهبي في النبلاء والحاكم كلاهما عن علي بن أبي طلحة مولى بني أمية، فلا يضر بعد ذلك تضعيف ابن حجر ما أسنده الطبراني إلى الحسن عليه السلام ، والأمر كما قيل:
لهوى النفوس سريرة لا تعلم
وفي الكشاف ما لفظه: وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قرأها حين نزلت عليه، فقال: " أتدرون ما الكوثر ؟ نهر في الجنة وعدنيه ربي فيه خير كثير ". وروى في صفته: أحلى من العسل، وأشد بياضاً من اللبن، وأبرد من الثلج، وألين من الزبد، حافتاه الزبرجد، وأوانيه من فضة عدد نجوم السماء، لا يظمأ من شرب منه أبداً الخ ما ذكره، وقد مر وجه الجمع بين هذا وبين الأحاديث في صفة الحوض أنه لا يمتنع المراد بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " نهر في الجنة " مع أن الحوض في عرصة القيامة والمحشر، ومع أن هذه الصفات صفات الحوض هو أن أصل النهر في الجنة يجري ماؤه إلى الحوض فلا تنافي.
وفي شمس الأخبار أحاديث في صفته بعضها كما ذكر في الكشاف: " وفيه حوضي ما بين عمان إلى عدن " وفي بعضها: " حوضي على صلب ملك من الملائكة، وخلق منه أربعة أنهر تجري بين السماء والأرض، فنهر من ماء، ونهر من لبن، ونهر من خمر، ونهر من عسل، فأما ذاك اللبن فيشربه من لم يقطع رحمه في دار الدنيا، وأما ذاك الماء فيشربه من لم يكسر رمضان من صومه شيئاً، وأما ذاك الخمر فيشربه من منع نفسه الخمر في دار الدنيا، وأما ذاك العسل فيشربه من أدى حق الله من ماله ". وفي حديث آخر: " وأول الناس وروداً على الحوض أولها إسلاماً علي بن أبي طالب ". وبإسناده إلى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " علي يوم القيامة على الحوض لا يدخل الجنة إلا من جاء بجواز من علي بن أبي طالب " انتهى.(1/1452)
وأخرج المرشد بالله عليه السلام عن عبد الرحمن بن عوف قال: قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بضع عشرة أو سبع عشرة ليفتحها، ثم قال: " يا معشر قريش لتنتهن أو لأبعثن عليكم رجلاً مني - أو كنفسي - فيقاتل مقاتلكم ويسبي ذراريكم، ثم أخذ بيد علي ثم رفعها، ثم قال: هو هذا، ثم قال: يا أيها الناس إن موعدكم الحوض ".
وأخرج أيضاً عن أنس بن مالك قال دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: قد أعطيت الكوثر، فقلت: يا رسول الله وما الكوثر ؟ قال: نهر في الجنة عرضه وطوله ما بين المشرق والمغرب، لا يشرب منه أحد فيظمأ، ولا يتوضأ منه أحد فيشعث، لا يشرب منه أحد خفر ذمتي ولا قتل أهل بيتي "، وقد تقدم هذا الحديث من رواية ابن مردويه عن أنس.
وإنما قصدت بإكثار النقل في شأن الحوض لأني سمعت بعض مشائخ العصر يستبعد أن يكون أمير المؤمنين ساقي الخلق من ذلك الحوض يوم القيامة، وكأنه لم يقف على شيء مما ورد من الأحاديث الدالة على ذلك، فقد رأيت ما ظفر به الحقير حال جمع هذه الوريقات، ولعل ما غاب كان أكثر، ?وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلاً ?، وقال السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير رحمه الله تعالى في التحفة العلوية، وقد شرح قصيدته هذه بالروضة الندية، غير أن النسخة غير حاضرة فيكون النقل منها على التحقيق، فعند حضورها إنشاء الله ينقل ما فيها من ذلك أقول وحيث وقد وعد الشارح بنقل شرح البيتين فقد نقلت ذلك مع اجتهاد ما قد سبق للشارح وألحقت البيتين الذين بعدهما لما فيهما من الإفادة مع شرح معناهما وذلك ما لفظه:
وردوا في الحشر حوضاً كوثريا
ثم قل من يسقي الخلق إذا(1/1453)
هذا عطف على ما عدد من المزايا السابقة، ولقد وقعت ثم هنا في موقع بديع فهي أشرف من واوات الأصداغ في خدود الخُرَّد الملاح، فإن هذه المزية الشريفة متأخرة داراً واتصافاً وشرفاً، وقوله: كوثريا، نسبة إلى الكوثر، وهو في الأصل الخير الكثير، ثم صار اسماً للنهر الذي أعطاه الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد ثبت فيه الأحاديث الكثيرة يفيد بعضها ما لا يفيد البعض الآخر، فلنذكر بعضاً من ذلك، فنقول:
أخرج ابن مردويه عن أنس الحديث السابق من رواية المرشد بالله قال وفي رواية: " أن ماءه أحلى من العسل وأبيض من اللبن وحاله المسك ورضاضه الدر والياقوت، فيه طيور أعناقها كأعناق الجُزُر، وأن آنيته عدد النجوم "، وفي رواية: " فيه أكواب وآنية وأقداح تَسْعَى إلى من أراد أن يشرب منها، منيرة في وسطه لها ضوء كأنها الكواكب الدرية، وآنية من الذهب والفضة ".
وأخرج ابن النجار من حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " لما عرج بي إلى السماء أتيت على نهر في السماء السابعة عجاج يطرد، أقوم من السهم، وإذا حافتاه قباب در مجوف، فقلت: ما هذا يا جبريل ؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فذقته فإذا هو أحلى من العسل، وأشد بياضاً من اللبن، فضربت بيدي إلى حافتيه فإذا حافته مسك أذفر، وضربت بيدي إلى رضاضه فإذا هو در ".
والأحاديث في الحوض وصفته وبيان طوله وعرضه كثيرة، والمقصود هنا ما أشار إليه حفظه الله في البيت من أن أمير المؤمنين يسقي الأنام في ذلك المقام، كما أخرجه الطبراني من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " يا علي معك يوم القيامة عصا من عصي الجنة تذود بها المنافقين عن الحوض "، ثم ذكر الحديث السابق المنقول من تفريج الكروب المخرج لأحمد بن حنبل عن أبي سعيد بزيادة في آخره: " ولا كافر بعد إيمان ".(1/1454)
وأخرج الفقيه العلامة ابن المغازلي الشافعي بسنده إلى ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " علي يوم القيامة على الحوض لا يدخل الجنة إلا من جاء بجواز من علي بن أبي طالب "، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: " إذا كان يوم القيامة أقف على الحوض وأنت يا عليُّ والحسن والحسين تسقيان شيعتنا، وتطردان عدونا " إلى قوله: فهذه المنقبة الشريفة التي قصدها حماه الله في البيت، وهي التي أشار إليها الإمام المنصور بالله عليه السلام في قوله:
يَسْقِي ويُقْصِي بعضَهم بالعِصِي
وأشار إليها بعض الآل، ويقال إنه زين العابدين عليه السلام بقوله:
نذودُ ونُسعدُ وُراَّدُهُ
وما خاب مَنْ حُبُّنَا زَادُهُ
ومن ساءَنا ساءَ ميلادُهُ
فإن القيامةَ ميعادُهُ
فنحن على الحوضِ رواده
وما فاز من فاز إلا بنا
ومن سرنا نال منا السرور
ومن كان ظَالِمَنَا حَقَّنَا
وقال آخر:
واعف عني بحق آل الرسولِ
سيدُ الأوصياء وزوجُ البتولِ
رب هب لي من المعيشة سؤلي
واسقني شربةً بكفِ علي
وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث علي عليه السلام قال: إني أذود عن حوض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيدي هاتين القصيرتين الكفار كما تذود السقاة غريبة الإبل عن حوضها.
وقوله حفظه الله تعالى:
غيره أَكرِم به فخراً عَلِيَّا
ولواء الحمد من يحمله
إشارة إلى الفضيلة التي تتضاءل عندها الفضائل، والمنقبة التي تنشر له على رؤوس الأواخر من العالم والأوائل.(1/1455)