البحث والسؤال للمكلفين
[ و ] من أحوال الآخرة: [ البحث والسؤال للمكلفين، ] لقوله تعالى: ?فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ o عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ?{الحجر:92،93}، وقوله تعالى:?وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ?{الصافات:24}، ولما ورد في السنة: " أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة الصلاة فإن جاء بها تامة وإلا زخ في النار "، وأصل البحث والسؤال يتعلقان بالمعلوم جملة المجهول تفصيلاً فيكونان لمعرفة التفصيل، وقد يتعلقان بالمشكوك والمجوز ثبوته وانتفاؤه فيكونان لمعرفة ثبوت الذات والأمر الذي لم يعلم له ثبوت أو انتفاء، فيعلم بعد البحث والسؤال غالباً ثبوته أو انتفاؤه، وهذا كله منتف عن الله تعالى لأنه بكل شيء عليم، ولكن المراد منهما في الآخرة ما هو على صورتهما أي صورة البحث بالنظر في كتاب المكلف ماذا عمل ووزن أعماله وكميات قدرها ليعلم استحقاقه العقاب أو الثواب على صورة يعلم الحق فيها يقيناً لنفسه لا يأخذ ذلك تسليماً، نظراً إلى صدق من يقول أنه يؤاخذه بما عمل لكونه عدلاً حكيماً، وكذلك السؤال حين يقال للعالم ما ذا عملت فيما علمت ؟ ويقال لهم ما لكم لا تناصرون، ماذا أجبتم المرسلين، أين شركائي الذين كنتم تزعمون، فإن هذا صورة سؤال وليس بسؤال على حقيقته، وهو ما يطلب به إفادة العلم للسائل، ولكنه تفريع في صورة السؤال يفيد التوبيخ والعقاب على الإخلال بما ترك من الواجب، وعلى الارتكاب لما فعل من القبيح فلا ينافيه ما ورد من الآيات التي فيها نفي السؤال كقوله تعالى: ?فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌّ ?{الرحمن:39}، فإن المراد لا يسأل سؤال استفهام، يدل عليه ما بعده: ?يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ ?{الرحمن:41}، فيصير تقدير الآيتين لا يسأل عن ذنبه سؤال استخبار واستفهام، بل يُسأل سؤال تقريع وتوبيخ وعتاب، فنسأل الله التوفيق لما فيه النجاة عند البحث والسؤال.(1/1441)
أن ينقسموا المكلفون
[ و ] من أحوال الآخرة:[ أن ينقسموا ] أي المكلفون لا غيرهم، وإن كان غيرهم ممن ليس بمكلف كالصبي والمجنون سيدخل الجنة، فليس مراداً في الانقسام لأن ضمير الجمع يعود إلى المكلفين المذكورين في الآية وهي قوله تعالى: ?وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ [ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ]?{الشورى:7}، ويحتمل أن يراد إدراج الصبي والمجنون في فريق أهل الجنة، وإن لم يكن في فريق أهل النار صبي ولا مجنون لما دلت عليه الأدلة أن الصبي والمجنون يصيران إلى الجنة وإن لم يكونا في منزلة المكلفين من أهل الجنة، قال عليه السلام [ وكل ذلك ] الذي مر ذكره [ معلوم من ضرورة الدين، ] وقد أسمعناك أيها الطالب الرشاد الآيات الصريحات بذكر كل واحد مما مر من كتاب الله المبين، ومن أحاديث سنة سيد المرسلين، فيجب على المكلف الإيمان بجميع ما ذكر إجمالاً فيما أجمله القرآن، وتفصيلاً فيما فصله أو وردت به سنة متواترة.(1/1442)
المناصفة بين المظلومين والظالمين
[ و ] كذلك يجب عليه العلم والإيمان [ أنه ] أي الشأن [ لابد من المناصفة بين المظلومين والظالمين، ] فيؤخذ للمظلوم مؤمناً كان أو فاسقاً أو كافراً ممن ظلمه كذلك، لكن لا يتأتى أن يكون الظالم مؤمناً إلا إذا وقعت منه الجناية خطأ أو قد تاب عنها، وقد مر حكاية الخلاف بين أهل العدل من أئمتنا عليهم السلام وغيرهم إذا وقعت الجناية من المؤمن خطأ أو عمداً وقد تاب عنها ولم يكن قد تمكن من الاستحلال عنها من المجني عليه حتى تحلل عنها منه في الدنيا، فقيل يتفضل الله عن الخاطىء والتائب بما يكون جبراً لجناية المظلوم، وقيل بل يؤخذ من أعواض آلامه أو من أحد نوعي الثواب وهو التنعيم فيحط منه بقدر الجناية دون التعظيم فلا يحط منه شيء، وقيل يجوز الأمران على حسب ما مر تفصيله في باب العدل في فصل الآلام، والذي يلزم هاهنا هو الإيمان بوقوع التناصف يوم القيامة على الجملة [ لدلالة العدل ] على ذلك[ بيقين. ] لأنه تعالى لو لم ينصف للمظلوم ممن ظلمه ولم يفعل ما يقوم مقام الإنصاف وهو التفضل عن الخاطىء والتائب ويوصله إلى المظلوم زيادة في نعيمه وتخفيفاً من عقابه عند القائلين بذلك، أو يخبر بزيادة عذاب الجاني فقط إن كانا من أهل النار معاً عند الهادي عليه السلام ومن معه لم يكن عدلاً حكيماً تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.(1/1443)
النقر في الناقور وخروج الدابة
ومن أحوال الآخرة: النقر في الناقور وخروج الدابة:
وقد نطق بذلك الكتاب المبين، وأصل الناقور في اللغة: آلة شبه الطبل ونحوه يضرب لاجتماع القوم، قيل وهو في الآخرة عبارة عن صوت يحدثه الله تعالى لاجتماع الخلق وهو المراد بقوله تعالى: ?وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِي مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ?{ق:41}، وقوله تعالى: ?يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ?{القمر:6}، وقيل: هو النفخة الأولى، وقيل النفخة الثانية، ولا مانع من حمله على الحقيقة والله أعلم.
وأما خروج الدابة: فقد روي أنها تخرج ثلاث خرجات، تخرج بأقصى اليمن، ثم تتمكن، ثم تخرج بالبادية، ثم تتمكن دهراً طويلاً، فبينا الناس في أعظم المساجد حرمة وأكرمها على الله فما يهولهم إلا خروجها من بين الركن حذا دار بني مخزوم عن يمين الخارج من المسجد، فقوم يهربون وقوم يقفون نظارة ، وقيل تخرج من الصفا فتكلمهم بالعربية بلسان ذَلْق: إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون، قال في الكشاف: قولها حكاية لقول الله تعالى أو لاختصاصها بالله وأثرتها عنده، وأنها من خواص خلقه أضافت آيات الله إلى نفسها كما يقول بعض خاصة الملك: خيلنا وبلادنا، وإنما هي خيل مولاه وبلاده، وقيل تقول لهم: يا فلان أنت من أهل الجنة، ويا فلان أنت من أهل النار، وقد روى في الكشاف من أوصافها وأحداثها عند خروجها أشياء بصيغة التمريض، فالله أعلم بالصحة فيجب الإيمان بخروجها وتكليمها الناس وإجمال ما أجمله القرآن والله أعلم بالتفصيل.(1/1444)
اللواء والحوض
ومن أحوال الآخرة اللواء والحوض: وهما من كرامات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخصائصه التي اختص بها، ولأمير المؤمنين عليه السلام بها مزيد الشرف والفضيلة، إذ كان صلى الله عليه وآله وسلم عند أن يعطى اللواء والحوض يجعل علياً عليه السلام حامل لوائه وساقي حوضه كما ثبت في صحيح النقل، وثبوتهما من جهة السنة إلا ما يروى من أن المراد بقوله تعالى: ?إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ?{الكوثر:1}، أنه الحوض، وذكر في الكشاف أن الكوثر: نهر في الجنة، ثم وصفه بما ورد في السنة في صفات الحوض، فيحتمل أنه نهر يجري ماؤه من الجنة إلى الحوض الموصوف بتلك الصفات، ويحتمل أن تلك الصفات لهما معاً والله أعلم.(1/1445)