وضع الميزان
[ و ]من أحوال الآخرة: [ وضع الميزان، ] كما قال تعالى: ?وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ?{الأنبياء:47}، وقال تعالى: ?فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ o فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ o وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ o فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ o وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ o نَارٌ حَامِيَةٌ ?{القارعة:6،7،8،9،10،11، }، وقال تعالى: ?فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ o وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ?{المؤمنون:102،103}، وهو معلوم من الدين ضرورة ولا خلاف في إثبات الميزان في الآخرة على الجملة.
واختلف هل هو على حقيقته ميزان ذو كفتين وعمود على حسب الميزان الذي يوزن به الموزونات في الدنيا أم تمثيل فهو مجاز عن عدل الله تعالى وتقصي ما هو للإنسان أو عليه من الأعمال والمجازاة عليها بما يلزم من ثواب أو عقاب من دون حيف ولا ميل ولا إهمال لأي شيء ولو مثقال حبة من خردل، فكأنه يعاملهم بميزان حقيقي لا تميل كفة بأحد الموزونين إلا لرجحانه على ما في الأخرى، فيكون لفظ الميزان استعارة تمثيلية، وما ورد من ذكر اللسان والعمود والكفتين في الأحاديث فترشيح للاستعارة.(1/1436)
فذهب الجمهور على رواية القرشي والنجري وشيخنا رحمه الله تعالى في السمط إلى الأول وهو: أنه ميزان على الحقيقة ذو كفتين والموزون إما نور علامة الخير وظلمة علامة الشر أو صحائف الحسنات وصحائف السيئات، لأن وزن الأعمال مستحيل وهي أعراض قد انقضت للآيات الواردة به، والأصل الحقيقة ولا مانع منها، ولما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم: أنه يكون عند كل كفة ملك فإن رجحت كفة الخير نادى ألا إن فلاناً قد سعد سعادة لا شقاوة بعدها أبداً، وإن رجحت كفة الشر نادى ألا إن فلاناً قد شقي شقاوة لا سعادة بعدها أبداً، ذكره القرشي قال: وفائدة ذلك تعجيل المسرة أو الغم، فيكون ذلك جارياً مجرى الثواب أو العقاب ويكون في العلم به لطف للمكلفين في الدنيا، وذهب الإمام القاسم بن محمد عليهما السلام وحكاه جمهور أئمتنا عليهم السلام إلى الثاني وهو أنه مجاز عن عدل الله تعالى وإرصاد الحساب السوي والجزاء على حسب النصفة من دون ميزان حقيقي، قال شيخنا رحمه الله تعالى: وهو نص زيد بن علي عليهما السلام والهادي والمتوكل والسيد حميدان وسيد المحققين ومجاهد وغيرهم، قال النجري: واحتج أهل هذا القول بأن نصب الموازين ذلك اليوم مما لا فائدة فيه لعلم الخلق بعدل الله سبحانه وحكمته ومقادير ما يستحقونه من الثواب والعقاب علماً ضرورياً، بل ذكر الإمام والشارح أن ذلك لا طائل تحته فلا يجوز على الله تعالى لأنه قبيح والله تعالى لا يفعل القبيح، ثم إن أهل القولين جميعاً استدلوا بقوله تعالى: ?وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ?، فاستدلال الأولين من حيث أن الموازين جمع ميزان ووضعها نصبها للوزن بالقسط، واستدلال الآخرين من حيث أنه جعل الموازين نفس القسط وهو الحق وعدم الميل والحيف.
قال الأمير المؤلف عليه السلام : الميزان معلوم من الدين على جملة.(1/1437)
قلت: يظهر من هذا أنه يذهب إلى التوقف هل هو حقيقة أم مجاز وهو الأولى إذ لا قاطع على أحد الأمرين والله أعلم.(1/1438)
أخذ الكتب بالشمال واليمين
[ و ] من أحوال الآخرة: [ أخذ الكتب بالشمال واليمين ]، لقوله تعالى: ?فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيه ? { الحاقة:19}، أي هلموا أقرؤا كتابي، ?إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيه? {الحاقة:،20}، يقول ذلك فرحاً مسروراً مستبشراً ? فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ?{الحاقة:21}، إلى قوله: ?وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيه ?{الحاقة:25}، يتأسف ويتحسر ويتمنى أنه لم يؤت كتابه، إلى قوله: ?خُذُوهُ فَغُلُّوهُ o ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ?{الحاقة:30،31}، ولقوله تعالى: ?فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ o فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا o وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا o وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ o فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا o وَيَصْلَى سَعِيرًا ? {الإنشقاق:7،8،9،10،11،12}، قيل: إن يده اليمنى مغلولة إلى عنقه فيؤتى كتابه من جهة الشمال من وراء ظهره وقد خلفت شماله إلى قفاه ذكر معناه في الكشاف، ولعل الإتيان من وراء الظهر زيادة في الإهانة، والمؤمن يواجه بكتابه ويؤتى به من جهة اليمين زيادة في الإكرام والإعظام له نسأل الله التوفيق، ولقوله تعالى: ?وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا o اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ? {الإسراء:13،14}، وهو معلوم من السمع ضرورة ولا خلاف يعلم فيه وأنه على حقيقته.(1/1439)
وقد ورد في السنة ما يدل على تطاير الكتب في الجَوِّ روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم: أنها قالت له بعض نسائه: هل يذكر الإنسان حبيبه يوم القيامة ؟ فقال: " أما في ثلاثة مواضع فلا، عند تطاير الصحف، وعند الميزان، وعند المرور على الصراط " أو كما قال، ذكره ولا دلالة في الكتاب على تطاير الكتب إلا ما ورد في بعض التفاسير أن المراد بقوله تعالى: ?وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ?{الإسراء:13}، أن المراد بالطائر: الكتاب، أخرج أبو عبيد وابن المنذر قال: في قراءة أُبي بن كعب رضي الله عنه: وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه يقرؤه يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً، وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه أنه قرأ: ويخرج له يوم القيامة كتاباً - بفتح الياء - يعني يخرج الطائر كتاباً، وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ?اقْرَأْ كِتَابَكَ ?، قال: سيقرأ يومئذ من لم يكن قارياً في الدنيا، ذكر ذلك في الدر المنثور، وعلى هذا أن الطائر هو الكتاب يطير في الجَوّ حتى يصل إلى المكلف فيلزم في عنق المكلف ويقال له: اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا، وقيل: الظاهر هو العمل، وقد روي في الدر المنثور كثيراً مما يدل عليه، فيحتمل أنه الملزوم بالعنق، ويحتمل أن الملزوم بالعنق هو الكتاب سمي عملاً، لأن فيه ذكر العمل والله أعلم، وعن الحسن: يا ابن آدم بسطت لك صحيفة إذا بعثت قلدتها في عنقك، ذكره في الكشاف.(1/1440)