وجوابه: أن تسمية النطفة مواتاً مجاز، والأصل هو الحمل على الحقيقة حيث لا مانع على ما تقدم انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وقد استدل القرشي رحمه الله تعالى بقوله تعالى: ?مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا ?{نوح:25}، والفاء للتعقيب، قال: وهذا جيد إن كان هو المراد به إغراق الموت، وقد اعترض على الاستدلال بالثلاث الآيات باعتراضات لا حاجة في تطويل الكلام بذكرها، لأن الأحاديث قد أفادت ثبوت عذاب القبر ولا مانع، منها: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار "، أخرجه .
ومر صلى الله عليه وآله وسلم بقبرين فقال: " إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أحدهما كان يمشي بالنميمة، والآخر كان لا يستنزه من البول " أخرجه .(1/1431)
وأخرج أبو الليث السمرقندي عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولم يلحد بعد فجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير وفي يده عود ينكت به الأرض - يعني يحفر به الأرض - فرفع رأسه وقال: " استعيذ بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثاً، ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا ، وساق خبراً طويلاً إلى قوله: فافرشوا له فراشاً من الجنة وألبسوه لباساً من الجنة وفتحوا له باباً إلى الجنة يأتيه من ريحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره، وساق الحديث إلى قوله: وأما العبد الكافر إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا فافرشوا له من فراش النار وفتحوا له باباً إلى النار فيدخل عليه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره فتختلف فيه أضلاعه " إلى آخر الخبر، وقد أخرج أحاديث أخر دالة على ذلك، والسنة مملوءة مما يفيد ثبوت عذاب القبر ودخول الملكين على الميت عند وصوله قبره وانصراف الناس، وقد اختلف في وقت عذاب القبر، فقيل: عند وصوله، وقيل: بل بين النفختين، والأول هو الذي يظهر من الأحاديث المذكورة وغيرها والله أعلم.(1/1432)
الإشهاد على الأعمال بغير زور
[ و ]من أحوال الآخرة: [ الإشهاد على الأعمال بغير زور، ] الإشهاد هو طلب الشهادة من الشاهد وأراد هنا نفس وقوع الشهادة من الشاهد وهي جوارح الإنسان من اللسان واليدين والرجلين والجلود كما قال تعالى: ?يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ ? الآية، ?الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ?{يس:65}، وكذلك شهادة كل رسول على أمته كما قال تعالى: ?فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا?{النساء:41}، فكل ما ذكر من الجوارح والرسل يشهدون على المكلف بما كسبت يداه شهادة مطابقة للواقع لا زور فيها ولا غلط ولا محاباة ولا كذب بل شهادة بالحق له أو عليه نسأل الله التوفيق لما يوجب الشهادة لنا لا علينا.(1/1433)
وقد اختلف في إنطاق الجوارح بتلك الشهادة هل هو نطق حقيقي وكلام يسمعه السامع أم مجاز ولسان حال كقوله تعالى: ?قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ?{فصلت:11}، فالأول: نص عليه الإمام القاسم بن محمد عليهما السلام ولم يحكه هو ولا الشارح عن أحد من أئمتنا عليهم السلام، لكن لا يعلم مخالف منهم في ذلك، وحكاه الإمام المهدي عليه السلام عن البصرية وهو على أحد ثلاثة أوجه: إما بأن يخلق الله فيها كلاماً كما خلقه في الشجرة لتكليم موسى عليه السلام فتكون نسبة الكلام إليها كنسبته إلى ذراع الشاة المسموم له صلى الله عليه وآله وسلم، ونسبة تسبيح الحصى في يده صلى الله عليه وآله وسلم مجاز وفاعل الكلام هو الله تعالى، قال النجري: وهو خلاف الأصل يعني الظاهر من لفظ الآيات أو بأن يخلق الله لها آلة الكلام قاله الإمام المهدي عليه السلام ، قال النجري: فيخلق الله تعالى في كل جارحة مثل هيئة اللسان والفم ومخارج الحروف وحينئذ يكون بنسبة التكلم والشهادة إليها حقيقة، وضعفه أبو هاشم بأنه يلزم خروج الجوارح من أن تكون جوارحهم إذ قد صارت كل واحدة منها حية قادرة على انفرادها، اللهم إلا أن يراد أنها كانت جوارحهم وفيه خروج إلى المجاز، وقال: إن الوجه الأول هو الراجح.
قلت: لا مانع أن يجعلها الله تعالى قادرة على الكلام من دون أن يخلق لها ما ذكره من الآلة، لأنه تعالى على كل شيء قدير، فلا حاجة إلى ما ذكر من التكلف الوارد عليه أن يصير الإنسان الواحد حيوانات متعددة كل واحد منها إنسان على حدته، وهذا هو الوجه الثالث من وجوه حمل الكلام على حقيقته ولا مجاز معه في شيء فلعله أرجح والله أعلم.(1/1434)
وأما إذا جعل الكلام مجازاً فله وجهان: أحدهما: أنه لسان حال كما تقدم، وثانيهما: أنه بطبع العضو، حينئذ وهو قول أبي الهذيل ومعمر من المعتزلة وينظر ما أراد بطبع العضو هل يكتب فيه العمل أم طابع يكون في العضو يدل على العمل أم يتكلم العضو بطبعه، وعلى كل حال فلا شك في ضعف هذا القول، قال النجري: وهو بناء على أن المتوالدات بطبائع المحال وقد تقدم إبطال مذهبهم في موضعه انتهى.(1/1435)